إصدارات رئيس التحريرعاجل
أخر الأخبار

السعودية وصناعة السياحة والترفيه عالميًا

القاهرة/ سامي العثمان

 

 

السعودية
وصناعة السياحة والترفيه عالميًا

سامي العثمان

الإهداء

إلى صُنّاع هذا المجد
بكل الحب والوفاء

سامي العثمان

المقدمة:
استثمار المال في البهجة واستثمار البهجة في الإنسان
لم تكن السياحة يومًا مجرّد نزهة عابرة في حياة الشعوب، بل هي انعكاسٌ عميق لمستوى الوعي والازدهار، ومرآةٌ تكشف مدى ثقة المجتمع بذاته، واستعداده للانفتاح على الحياة بكل ما فيها من ضوء وجمال.
وحين نتأمّل المشهد السعودي الراهن، نكتشف أننا أمام تجربة فريدة من نوعها في تاريخ المنطقة؛ تجربة تنطلق من أرضٍ طالما عُرفت بعمقها الديني والاجتماعي، لتبني فوق هذا العمق رؤيةً جديدة ترى في البهجة طاقة إنتاجٍ وطنية، وفي السياحة صناعةً قادرة على تنويع الاقتصاد، وصوغ إنسانٍ سعودي جديد يتذوّق الجمال ويصنعه في آنٍ واحد.
لقد أدركت القيادة السعودية، ممثّلةً في صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء – أن الاستثمار في الإنسان هو جوهر التنمية، وأن سعادة المواطن ليست رفاهية بل ضرورة وطنية. ومن هنا جاءت رؤية المملكة 2030 لتضع السياحة ضمن أهم ركائز التحوّل الاجتماعي والاقتصادي، باعتبارها صناعةً قادرة على خلق الوظائف، وتنشيط الأسواق، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الصورة الذهنية للمملكة عالميًا.
ولم يكن تنفيذ هذه الرؤية ممكنًا لولا العقول المبدعة التي آمنت بالفكرة ودفعت بها إلى أرض الواقع، وفي مقدّمتهم وزير السياحة أحمد عقيل الخطيب، الذي استطاع أن يحوّل الحلم إلى مشهدٍ حيّ ينبض في كل مدينة وشارعٍ وفعالية، وأن يربط الفن بالرياضة، والثقافة بالاقتصاد، في معادلةٍ غير مسبوقة جمعت بين الأصالة والانفتاح، وبين الحفاظ على الهوية والانطلاق نحو العالمية.
إنّ الحديث عن “صناعة السياحة” في السعودية اليوم لم يعد وصفًا بلاغيًا، بل توصيفًا اقتصاديًا دقيقًا.
فبحسب تقارير الهيئة العامة للترفيه، فإن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت مليارات الريالات، وارتفع عدد الفعاليات والمهرجانات من عشرات محدودة في بدايات الرؤية إلى آلاف الفعاليات سنويًا، تستقطب ملايين الزوار من داخل المملكة وخارجها.
إنها دائرة اقتصادية متكاملة تشمل شركات الإنتاج، والمواهب الوطنية، والمطاعم، والفنادق، والنقل، والإعلام، حتى غدت مدن مثل الرياض وجدة والدمام محاور جذبٍ عالمي تُنافس العواصم الكبرى في استضافة الفعاليات والمهرجانات.
ولعلّ أعظم ما في التجربة السعودية أنها لم تتعامل مع السياحة بوصفه تقليدًا أعمى للغرب، بل بوصفه فعلاً وطنيًا نابعًا من رؤية إنسانية سعودية تؤمن بأن الفرح حقٌّ من حقوق المواطن، وأن ثقافة الحياة لا تتعارض مع القيم، بل تُكمّلها وتثريها. ومن هنا كان التركيز على أن تكون الفعاليات مراعية للهوية العربية والإسلامية، دون أن تفقد روحها العالمية وحداثتها التقنية.
لقد أصبحت السياحة اليوم لغةً جديدة للتعبير عن الذات السعودية، وأداةً من أدوات الدبلوماسية الناعمة التي تُظهر للعالم وجه المملكة الحديث: مزيجًا من الأصالة والابتكار، من التاريخ والطموح، من الجذور العميقة والأفق الرحب.

(1)
السعودية… حيث تنهض الرؤية ويُعاد تشكيل الحلم
تشرق الشمس على المملكة، فتتلألأ الرمال الذهبية تحت سماء زرقاء صافية، وتتنفس المدن الكبرى الصعداء بعد عقود من الانتظار، وكأنها تقول للعالم: «ها أنا أستيقظ لأروي قصة جديدة، قصة إرادة تتحرك على الأرض، وحلم يُصنع في كل شارع وزقاق وساحة وسماء». في كل صباح يبدأ اليوم بإيقاع جديد؛ الأبنية الحديثة تتكلم بلغة الزجاج والصلب، والأسواق التقليدية تحتفظ بعبق الماضي، حيث يصدح صوت الباعة ويمتزج برائحة التوابل والبخور، بينما الأطفال يركضون بين الأروقة، والنساء يختارن منتجاتهن بعناية، والرجال يتبادلون أطراف الحديث عن يومهم. كل لحظة تخلق شعورًا بأن الزائر جزء من فسيفساء حية تمتد من الحاضر إلى الماضي، وتدعوه ليكون شاهدًا على حركة الحلم التي تتدفق في شرايين المملكة.
في تسعة أشهر فقط، دخل المملكة واحد وعشرون مليون زائر، كل منهم يحمل تجربة، صورة، ذكرى، وأثرًا في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية. لو أنفقت كل شخصية منهم ألف ريال فقط، فهذا يعني واحدًا وعشرين مليار ريال تم ضخها في شرايين الاقتصاد السعودي خلال فترة قصيرة. لكنها ليست مجرد أرقام؛ إنها نبض حي يوقظ المملكة من سباتها، يجعلها تتحرك بخطى واثقة نحو المستقبل. الاقتصاد هنا ليس مجرد تجارة أو استثمار، بل تجربة حية، إحساس بأن المملكة تتنفس وتعيش مع كل خطوة، وكل سوق صغير وكل شارع رئيسي يحمل بين أرصفته حكايات الحجاج والمعتمرين والمستثمرين والسياح.
في الرياض، المدينة التي لطالما كانت رمز الدولة السياسي والإداري، ينبض اليوم قلب المملكة بقوة اقتصادية متجددة. ست مئة وخمسة وسبعون شركة عالمية لم تنقل فقط مقارها، بل جلبت معها موظفين وعائلات، ثقافات إدارية متكاملة، رؤوس أموال ضخمة، واستراتيجيات تشغيلية دقيقة. كل موظف يفتح مكتبًا صباحًا، يلي ذلك مسجد صغير، مقهى يقدم القهوة العربية، ومكتبة حديثة تعلم لغة جديدة. الشركات جلبت مشاريع صغيرة ستنمو لتصبح مصانع وخدمات، وتعمل هذه الحركة على تغيير ملامح المدينة ليس فقط في البنية التحتية بل في أنماط الحياة: كيف نتعامل، كيف نصنع القرار، وكيف نفكر في الغد. ومن بين الموظفين، تحكي لي منى، مهندسة شابة، عن يومها الأول في الرياض: “شعرت أن المدينة كلها تستقبلنا، وكأنها تقول لنا: ابنوا مستقبلنا معنا”. هكذا تتحول الكلمات إلى واقع، والحلم إلى تجربة محسوسة.

في جدة، البحر الأحمر يمتد كلوحة مرسومة، وتُسمع أغاني الباعة، ورائحة البهارات تتصاعد مع كل نسمة، وأمواج البحر تختم يومًا آخر. الطائف، بجبالها المرتفعة وأشجارها الخضراء، تقدم للزائر شعورًا بالانتعاش والجمال، بينما صحراء الربع الخالي تمد الأفق بلا حدود، لتشعر بعظمة الأرض وهدوءها، وبأن المملكة تستطيع أن توازن بين الحداثة والأصالة، بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، وبين الثقافة التقليدية والانفتاح العالمي. الحجاج والمعتمرون يمرون بين هذه المدن مثل خيوط ضوء تربط الأزمان: طقوس قديمة، ووجوه عصرية، وقلوب تنبض بالدعاء والسكينة.
التقنية هنا ليست مجرد تفصيل ثانوي؛ إنها خيط ينسج المستقبل. من خلال سدايا، أُطلق تطبيق «عَلَّام»، أول تطبيق سعودي يفهم العربية بفصيحها ولهجاتها، ينتج نصوصًا، صورًا، وأصواتًا، ويتعاون مع عملاق الذكاء الاصطناعي إنفيديا. هذا التطبيق ليس مجرد أداة، بل رمز لطموح المملكة في السيطرة على مستقبل الذكاء الاصطناعي، وجعل التقنية أداة لبناء المعرفة المحلية، وليس مجرد أداة استهلاك. وفي الجامعات والمراكز البحثية، يعمل الطلاب والمبتكرون على مشاريع تجعل المملكة فضاءً لتجربة التكنولوجيا في التعليم، الصناعة، الزراعة، والرعاية الصحية. تخيل مستشفى يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الأمراض مبكرًا، أو مزرعة تعتمد على تحليل البيانات لزيادة المحاصيل مع تقليل استهلاك المياه.
القلب المالي لهذا المشروع الكبير هو صندوق الاستثمارات العامة، الذي ارتفع رأس ماله من ستمائة وسبعين مليار ريال إلى تريليون وثلاثمائة مليار ريال، مع هدف الوصول إلى تريليونين بحلول 2030. هذه الأرقام ليست مجرد وسائل إعلامية، بل آلات إنماء تُشغّل مشاريع بنية تحتية، صناعات جديدة، مدن ذكية، جامعات، مؤسسات ثقافية وفنية، وتستثمر في الخارج لجلب الخبرات وربط الاقتصاد السعودي بعالم الفرص. هذا ليس ترفًا، بل بناء دولة داخل الدولة، حيث تتحقق السياسات على أرض الواقع بخطط مدروسة وممولة.
السعودية اليوم تبني أكثر من اقتصاد؛ إنها تبني صورة، تبني مكانة، تبني إيقاعًا خاصًا بها. تفتح المسارح والمتاحف أبوابها، وتستضيف مهرجانات تدمج بين الفن المحلي والعالمي، وتُنشئ فضاءات للشباب ليبتكروا ويعرضوا أعمالهم. الأسواق القديمة تُرمّم وتُعرض كجزء من التاريخ الحي، بينما المولات الحديثة تضيف طبقات جديدة لتجربة المستهلك. الطعام، الموسيقى، الموضة، وحتى الطقوس اليومية تتلاقى في مكان واحد، فتولد هوية معاصرة تحافظ على الجذور. تقول لي ليلى، طالبة فنون: “عندما أرى الطلاب يعرضون أعمالهم هنا، أشعر أننا نصنع تاريخًا حقيقيًا، لا مجرد دراسة أو معرض مؤقت”.
الناس هم سر الحلم: مهندسون، معلمات، عمال بناء، مزارعون، فنانات، طهاة، باعة، مبتكرون — كل واحد منهم قطعة في لوحة كبيرة. يعملون بلا ضجيج، ويضعون اليوم لبنة لتكون أساسًا لمبانٍ تُرفع غدًا. الحضارة لا تُهدى، بل تُنتزع بالإبداع والصبر. هؤلاء يمنحون الحلم أجنحة حقيقية. الزائر حين يدلف السوق، أو يمشي في ممشى حديث، أو يركب قاربًا في البحر الأحمر، أو يتأمل نجوم صحراء شبه خالية، لا يرى فقط معالمًا؛ يرى أحلامًا تُترجم. ويعود هذا الزائر إلى بلده محملاً بصور وتجارب صادقة تجذب آخرين، فتتزايد الزيارات، وتكبر الحركة الاقتصادية، وتنسج علاقات جديدة بين الناس.
ما يحدث هنا ليس مجرد مشروع اقتصادي أو حملة سياحية؛ إنه إعادة تعريف معنى الوطن في زمن سريع التغير. الوطن الذي كان يُقاس بالأراضي والموارد صار يُقاس بالقدرة على خلق الفرص، وإشاعة العلم، وصناعة الفنون، واحترام التاريخ، والابتكار في الحاضر. السعودية الجديدة ليست نسخة من مكان آخر؛ هي لوحة فريدة تتسع كل يوم بألوان جديدة، وتدعوك أن تكون شريكًا في رسمها.
إلى الأمام يا بلادي، فالأمم تُقاس بما تصنع لا بما كانت عليه. وهذه البلاد تصنع كل يوم فصلاً جديدًا في حكاية طويلة بدأت بالأمس وتستمر غدًا، بحياة الناس، بمشروعاتهم، بضحكات الأطفال، بصروح الجامعات، بصوامع الفن، وبخطوات الذين يضعون حجرًا واحدًا في المكان الصحيح. هي ليست مجرد حلم، بل فعل مستمر — حلم يتحرك في الشوارع، في المختبرات، في الأسواق، في القلوب. فإذا أردت أن تعرف السعودية اليوم، فلا تكن ناظرًا من بعيد، بل تعال وامشِ بين طرقاتها، واسمع صوتها، وتذوق طعامها، ولاحظ كيف يتحول الحلم إلى واقع ملموس بكل صباح جديد.

(2)
دور القيادة في صناعة السياحة
منذ اللحظة التي اتخذت فيها المملكة قرار تحويل السياحة إلى ركيزة استراتيجية متكاملة للحياة الوطنية، أصبح واضحًا أن هذه الثورة ليست مجرد نشاط ثانوي أو رفاهية عابرة، بل استثمار متكامل في الإنسان، والمجتمع، والاقتصاد، والثقافة، والهوية الوطنية. لم يكن الهدف مجرد إقامة فعاليات أو ملاهي أو مهرجانات، بل إعادة صياغة الحياة اليومية للمواطن السعودي، وتحويل كل لحظة إلى تجربة مليئة بالمعنى والبهجة، بحيث يصبح الفرح مقبلاً على التنمية والتطور في جميع الأصعدة، من التعليم إلى الاقتصاد إلى الثقافة إلى الابتكار، وكل مشروع يُترجم إلى أثر ملموس في حياة الناس.
إن رؤية المملكة 2030 جاءت كخارطة طريق واضحة، تحدد كيفية تحويل الفرص إلى واقع ملموس، وكيفية دمج السياحة كركيزة أساسية في البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمملكة، وكيفية جعل كل لحظة في حياة المواطن مليئة بالمعنى والجمال، بحيث تصبح السياحة جزءًا من الهوية اليومية، ويشعر المواطن أنه شريك فاعل في صناعة هذا المستقبل، وليس مجرد متلقي للتجارب.
والأمير محمد بن سلمان هو القوة الدافعة وراء هذا التحول. رؤيته لم تقتصر على الإدارة العليا أو التوجيه السياسي، بل كانت قوة حية تتخلل كل مشروع، كل شارع، وكل تجربة ترفيهية، بحيث يشعر المواطن أن هذه الجهود جزء من حياته اليومية، وأن دوره فيها فعّال ومؤثر. لقد كان يعلم أن تطوير قطاع السياحة لا يتعلق بالمظاهر فقط، بل بتغيير العقليات، وتمكين الشباب، وخلق بيئة تسمح لكل موهوب بأن يصبح صانع فرح، ومسوق ثقافة، وقائد اقتصاد جديد، وأن تصبح السياحة أداة حقيقية لتطوير الذات وبناء مهارات جديدة، وتعزيز الثقة بالنفس والانتماء الوطني، وإعادة صياغة مفهوم العمل والإبداع في الحياة اليومية.
إن كل دعم، وكل حافز، وكل قرار سياسي كان يهدف إلى تمكين قطاع السياحة وإدماجه في نسيج الدولة، لتصبح السياحة أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تعكس الصورة الحقيقية للمملكة الحديثة وتضعها على خارطة الابتكار العالمي.
أما الذراع التنفيذية الرائدة لهذه الرؤية فهو وزير السياحة أحمد عقيل الخطيب، حيث حول الأفكار المجردة إلى مشاريع واقعية، وفعاليات متكاملة، ومهرجانات اقتصادية وثقافية وترفيهية على أعلى مستوى. لم يكن مجرد مسئول، بل كان ملهمًا لكل فريق، يقود التنفيذ بحماس وإبداع، ويحوّل كل فكرة إلى تجربة حية يشارك فيها المواطن والزائر، بحيث يشعر الجميع أنهم جزء من هذه الثورة السياحة الوطنية، وكل تفاصيل الحدث محسوبة بعناية من تنسيق المواقع إلى اختيار الفرق الموسيقية والعروض المسرحية، ومن تصميم الفعاليات التفاعلية إلى وضع التجارب الثقافية التعليمية والفنية، بحيث يشارك كل شخص في رحلة تجربة لا تُنسى.
وتبقى الرياض، العاصمة النابضة بالحياة، وقد أصبحت قلب الثورة السياحة، مدينة تتحرك في كل شارع وساحة، كل نافذة وكل كورنيش، حيث يعيش المواطن تجربة يومية مليئة بالدهشة والاكتشاف والبهجة، ويشعر أن كل جزء من المدينة يروي قصة جديدة عن الإبداع والفرح والابتكار. المقاهي والمطاعم تحولت إلى منصات للفن والموسيقى والمسرح، لتعكس أن السياحة أصبح جزءًا أساسيًا من تجربة يومية، وأن كل لحظة يمكن أن تتحول إلى فرصة للتعلم والإبداع والمتعة، بحيث يشعر المواطن أن حياته اليومية غنية بالألوان والأصوات والعواطف.
في الحدائق الجديدة، والساحات المخصصة للفعاليات، والمسرح المفتوح في قلب المدينة، كلها مساحات حية تسمح لكل فرد بالمشاركة والتفاعل والتعلم والاستمتاع، وتجعل من الرياض مركزًا عالميًا للترفيه والثقافة والفن، حيث يمكن لكل زائر أن يعيش تجربة متكاملة تجمع بين الفرح والمعرفة، وبين الفن والتاريخ، وبين الثقافة والاقتصاد.
وفي مدينة جدة الساحلية، كانت تجربة فريدة، حيث تتلاقى أصوات العزف مع هدير الأمواج تصنع لوحة حسية متكاملة، تجمع بين الطبيعة والفن والاقتصاد والهوية الثقافية، بحيث يشعر الزائر وكأنه جزء من هذه التجربة الحيوية، وكأن المدينة نفسها تروي قصة البحر والسماء والثقافة والفن. الفعاليات هناك لم تعد مجرد تسلية، بل استثمارًا استراتيجيًا في المجتمع والسياحة والاقتصاد، فتولدت فرص جديدة للفنادق والمطاعم والنقل والخدمات اللوجستية والإعلام، وظهرت الصناعات المساندة، وكل مشروع صغير أو كبير أصبح جزءًا من منظومة ضخمة تعمل بتناغم لإثراء حياة المواطنين والزوار على حد سواء.
كل مهرجان أصبح نقطة جذب محلية وعالمية، وخلق سلسلة من الفرص الاقتصادية والاجتماعية، ورفع مستوى الجودة في حياة الناس، مؤكداً أن الفرح يمكن أن يكون قوة اقتصادية حقيقية، وأن السياحة صناعة متكاملة بكل معنى الكلمة، وأن الاستثمار في السياحة يعيد توزيع الثروة الاجتماعية والثقافية بطريقة عادلة وفعالة، ويعطي الشباب الفرصة ليصبحوا رواد أعمال ومبدعين في مجالاتهم.
أما مدينة العلا التاريخية، فقد تحولت إلى ساحة حية للفن والطبيعة والتاريخ. كل فعالية كانت حوارًا بين الماضي والحاضر، بين صخور الزمن وألوان الضوء، وبين الموسيقى والتاريخ العريق، بحيث يشعر الزائر أن كل خطوة يخطوها تحمل قصة ومعلومة وتجربة فريدة. فالزوار لم يأتوا للترفيه فقط، بل ليشاركوا المكان فرحتهم، ويشعروا بالانتماء والارتباط بالهوية الوطنية، ولتكون التجربة التعليمية والثقافية جزءًا لا يتجزأ من المتعة، بحيث يتعلمون عن التاريخ والحضارة والموسيقى والفنون التقليدية بطريقة تفاعلية وممتعة. والمدينة علمت الزائر أن السياحة يمكن أن يكون تعليميًا وثقافيًا وفنيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه، وأن الهوية الوطنية لا تتنازل عن أصالتها حتى مع التطوير والانفتاح، وأن كل تجربة ترفيهية يمكن أن تحمل رسالة تعليمية وثقافية عميقة، وتغذي الفكر والخيال والإبداع لدى الشباب والكبار.
وعلى الجانب الاقتصادي، أحدثت صناعة السياحة نقلة نوعية، خلقت آلاف الوظائف للشباب السعودي، وفتحت مسارات لمواهب كانت حبيسة الأحلام، وأعادت تشكيل قطاع السياحة والفنادق والمطاعم والنقل والخدمات، بحيث أصبح كل مشروع جزءًا من اقتصاد حيوي متكامل. كل مشروع أصبح جزءًا من محرك اقتصادي متكامل يعزز القطاع الخاص، ويتيح للشباب أن يصبحوا صناع الفرح والثقافة والاقتصاد في آن واحد، وأن يساهموا بفعالية في نمو الناتج المحلي، وجذب الاستثمار الأجنبي، وخلق فرص متجددة ومستدامة، وتصبح كل فعالية أو مهرجان أو مشروع منصة لتطوير المهارات وإطلاق الطاقات الإبداعية لدى كل المشاركين. إن الفعاليات الكبرى، المهرجانات الموسيقية، الحفلات الفنية، العروض الثقافية والرياضية، كلها تحولت إلى مهرجانات اقتصادية وثقافية، توظف كل الموارد البشرية والاقتصادية لصالح الإنسان والمجتمع والاقتصاد الوطني، وتضع المملكة على خارطة السياحة والسياحة العالمية، بحيث تصبح كل فعالية محطة تعليمية، ثقافية، ترفيهية، واقتصادية في الوقت نفسه، وتغذي الطموح الوطني والروح الابتكارية لدى الشباب.
التحدي الأكبر كان الموازنة بين الحداثة والحفاظ على الهوية الوطنية. لم يُترك المجال لتقليد التجارب الغربية بلا ضوابط، بل تم تصميم كل تجربة ترفيهية لتحترم القيم العربية والإسلامية، وتدمجها في روح الحداثة والإبداع، بحيث يشعر المواطن بالفخر والانتماء، ويستمتع دون أن يفقد هويته، ويصبح كل نشاط أو مهرجان أو حدث جزءًا من مسيرة بناء ثقافة وطنية متجددة. المواطن أصبح يرى أن السياحة جزءًا من هويته، وأن الفرح ليس تهربًا من الواقع، بل إعادة تشكيل للحياة بطريقة عميقة وواعية، وأن الاستمتاع هو حق مشروع متكامل مع المسئوليات والواجبات الوطنية، وأن المشاركة في الفعاليات الكبرى تجعل منه عنصرًا فاعلًا في المجتمع لا مجرد متلقي.
النتيجة كانت واضحة على كل الأصعدة. المجتمع أصبح أكثر حيوية، الحياة اليومية أكثر دفئًا، ووعي الإنسان بحقوقه وواجباته تجاه وطنه ارتفع. كل حدث أصبح فرصة للتبادل الثقافي والاجتماعي، وكل احتفال نافذة للتفاعل بين الإنسان ووطنه وبين المملكة والعالم. إن صناعة السياحة أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة، تعكس صورة المملكة كدولة حديثة مبتكِرة، قادرة على الدمج بين الماضي والمستقبل، بين التقاليد والانفتاح، وبين الاقتصاد والثقافة، وتقديم نموذج عالمي متكامل للترفيه الحديث، بحيث يصبح كل زائر سفيرًا لتجربة سعودية لا تُنسى، ونقطة جذب للمواهب والاستثمارات من كل أنحاء العالم.
وعلى مستوى الفرد، تغيرت نظرة الناس لأنفسهم ولقدراتهم. فالمواطن أصبح يثق أكثر بوطنه، يطمح، يحلم، ويبدع. الفرح لم يعد رفاهية، بل حق مشروع لكل سعودي وسعودية. أصبح السؤال ليس لماذا نحتفل، بل كيف نصنع حياة كاملة لكل فرد، لكل أسرة، ولكل مجتمع، وكيف يمكن لكل تجربة ترفيهية أن تزرع المهارات، وتفتح الآفاق، وتغذي الابتكار والإبداع، وتجعل المواطن جزءًا من صناعة المستقبل، وليس مجرد متفرج.
وهكذا، لم تعد صناعة السياحة مجرد نشاط عابر، بل ثورة متكاملة في حياة المملكة، تجمع بين الاقتصاد والثقافة والهوية والابتكار والفرح، وتؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة، تجعل المملكة مثالًا عالميًا يجمع بين الرؤية والإبداع والاستثمار والهوية الوطنية، وتجعل كل فعالية وكل مهرجان وكل لحظة تجربة متكاملة تعكس رؤية المملكة 2030 على أرض الواقع.
وهذه التحولات لا تُرى فقط في المؤتمرات، ولا في صالات الاجتماعات الكبيرة، بل تُرى في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية. في صوت العامل الذي يجهّز مسرحًا قبل الفجر، وفي ضحكة العائلة التي تخرج من بيتها لأول مرة لتجرب فعالية لم تكن موجودة من قبل، وفي دهشة السائح الذي يلتقط صورة وسط شارع كان قبل سنوات مجرد طريق صامت. صارت الفعاليات ليست مجرد عروض تُشاهد، بل تجارب تُعاش، وصارت السياحة ليس زائرًا غريبًا على المجتمع، بل جزءًا من نبضه وإيقاعه.
والأهم من كل ذلك أن التحول لم يكن شكليًا، ولا لحظيًا، بل كان تحولًا في الوعي ذاته. أصبح المواطن يرى بلده بعين جديدة، يفتخر بها، ويؤمن أن المستقبل ليس وعدًا بعيدًا، بل شيئًا يُبنى كل يوم. وأصبحت القيادة لا تُقدِّم قرارات فقط، بل تصنع حكاية وطن، وتقول للعالم بكل ثقة:
هذه هي السعودية الآن… حيث لا تُصنع الفرص فحسب، بل يُعاد تشكيل المعنى نفسه.
وإذا تأملنا جوهر هذا التحول العميق، نجد أنه لم يكن قائمًا على المنشآت أو الفعاليات وحدها، بل على إعادة صياغة العلاقة بين المواطن ووطنه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الإنسان وذاته. لقد أصبحت السياحة بوابة لإحياء الطاقات الكامنة التي طالما كانت تبحث عن مساحة لتتنفس، وتعبّر، وتبتكر. فبدل أن يكون الإنسان مجرد مستهلك للمتعة، أصبح شريكًا في صناعتها، مساهمًا في خلق التجربة لا مجرد مشاهد لها. وهذا ما يميز الرؤية السعودية الحديثة أنها لا تصنع جمهورًا فقط، بل تصنع صناعًا للفرح، بُناةً للمعنى، ومهندسين لمستقبل جديد تتداخل فيه الثقافة بالاقتصاد، والشغف بالهوية، والطموح بالعمل.
ومن خلال هذا التحول، ظهرت مبادئ جديدة في الحياة اليومية للمجتمع السعودي؛ مبادئ تقوم على المشاركة، والاندماج، والوعي بأن كل إنجاز مهما بدا صغيرًا هو جزء من مشروع وطني واسع. لم تعد السياحة مجرد حدث يُزار في نهاية الأسبوع، بل أصبح لغة جديدة يعيش بها الناس حياتهم، لغة تدمج بين الفن والتعليم، بين الضحكة والتعلم، بين الاستمتاع وبناء الذكريات التي تُشكّل وجدان الأجيال القادمة. هذه اللغة الجديدة تعلم الإنسان أن الجمال ليس ترفًا، وأن الفرح ليس هامشًا، بل هو حاجة وجودية تعيد للروح اتزانها، وللمجتمع حيويته، وللوطن صورته الحقيقية كأرض نابضة بالحياة.
ولأن التحول كان إنسانيًا بقدر ما كان اقتصاديًا، فقد رأينا أثره بوضوح في جوانب لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بنوعية العلاقات بين الناس، وبطريقة تفاعلهم مع مشاهد الحياة، وبمدى الحماس الذي أصبح يملأ أعين الشباب وهم يجدون لأنفسهم مكانًا في صناعة جديدة تشبههم وتحتضن طموحاتهم. لم يعد الشاب يبحث عن مستقبله خارج حدود الوطن، بل أصبح يعرف أن فرصته هنا، وأن وطنه لا ينتظر منه أن يتأقلم مع الواقع، بل يدعوه إلى صنع واقع جديد. هذا التحول في الوعي هو في حد ذاته ثروة وطنية لا تقدّر بثمن.
لقد أعادت المملكة تعريف صورتها على مستوى العالم، لا بوصفها دولة غنية فقط، ولا بوصفها دولة ذات تاريخ عريق فحسب، بل بوصفها دولة تصنع المستقبل وتفتح بواباتها بثقة للعالم كي يرى نموذجًا جديدًا يجمع بين الحداثة والأصالة، بين الانفتاح والحفاظ على القيم، بين الحلم والعمل. أصبحت المملكة اليوم قوة ناعمة لا تعتمد على خطاب نظري، بل على تجربة تُعاش على الأرض، يراها السائح، ويشعر بها المستثمر، ويتنفسها المواطن.
وهكذا، فإن قصة السياحة في المملكة لم تعد مجرد مشروع تنموي، بل أصبحت رواية وطنية مكتملة، تكتب فصولها العائلات في مسارح الهواء الطلق، ويكتبها الفنانون في مهرجانات الموسيقى، ويكتبها الشباب في الفعاليات الثقافية والتقنية، وتكتبها المدن التي استيقظت من صمت طويل لتعلن حضورها في قلب العالم. إنها قصة نهضة تتجاوز السياحة والترفيه بمعناه الضيق، لتصل إلى إعادة اكتشاف الإنسان السعودي ذاته… إنسان يبتسم بثقة، يحلم بلا حدود، ويعرف أن وطنه لا يقدم له مكانًا يعيش فيه فقط، بل رسالة يعيش من أجلها.

(3)
البنية الاقتصادية لصناعة السياحة
منذ أن وضعت المملكة السياحة في قلب خططها الاقتصادية والاجتماعية، تحول هذا القطاع إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، ليس فقط كوسيلة للمرح والاستجمام، بل كرافد متكامل يغذي الناتج المحلي. ويفتح أبواب فرص للشباب، ويعزز مستوى الخدمات، ويحوّل المدن إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث تتحول كل زاوية إلى تجربة اقتصادية وثقافية متكاملة، من صالات العرض إلى ساحات الموسيقى والمسرح، ومن المولات والمطاعم إلى الأماكن السياحية المفتوحة، لتصبح المملكة نموذجًا حيًا للتنمية الاقتصادية عبر السياحة، حيث يلتقي الحلم بالواقع ويصبح الاستثمار في الفرح استراتيجية وطنية تخلق حياة نابضة بالفرص لكل من يعيش في هذه المدن، وتضع الاقتصاد السعودي على مسار عالمي للابتكار والتنوع، وتحوّل كل نشاط صغير أو كبير إلى عنصر فعال ضمن منظومة اقتصادية حية، ويجعل المدن منصة للتبادل الثقافي والتجارب الاقتصادية والاجتماعية المتنوعة، ويخلق بيئة مستدامة للابتكار والإبداع.
الفعاليات الكبرى مثل موسم الرياض، موسم جدة، مهرجان البحر الأحمر السينمائي، موسم الشرقية، وفعاليات الجنادرية السياحية لم تقتصر على السياحة فقط، بل خلقت أكثر من 450 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، شملت الإدارة العليا، العمال والفنيين، الشباب المبتدئ في مجال التنظيم والإنتاج الفني، وحتى الطلاب المتطوعين الذين اكتسبوا خبرة عملية واسعة في إدارة الفعاليات الضخمة. وأصبحت مسارًا لتطوير المهارات واحتكاك الشباب بالخبرات العالمية، فتعلموا إدارة الأحداث الكبرى، الخدمات اللوجستية، الإشراف على الإنتاج الفني، التسويق الرقمي، وإدارة فرق العمل، لتصبح المملكة منصة حية لتكوين جيل قادر على مواجهة تحديات السوق الحديثة بثقة وكفاءة، وأصبح لكل شاب فرصة للمشاركة في مشاريع عالمية المستوى دون الحاجة لمغادرة وطنه، مما يخلق بيئة متجددة من الابتكار والمهارة والمعرفة العملية، ويجعل كل مشاركة تجربة اقتصادية وثقافية متكاملة تساهم في التنمية الوطنية، ويضع أساسًا صلبًا لاستدامة قطاع السياحة والنمو المستقبلي للاقتصاد السعودي.
وفقًا لتقارير صندوق الاستثمارات العامة ووزارة الاقتصاد السعودية، بلغت مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي حوالي 72 مليار ريال سعودي عام 2023، مع توقعات بأن تصل إلى أكثر من 120 مليار بحلول 2025، ما يجعل السياحة رافدًا حيويًا للنمو الاقتصادي. الاستثمار الأجنبي في القطاع تجاوز 30 مليار ريال خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث ترى الشركات العالمية في السعودية ليس سوقًا استهلاكيًا فقط، بل مختبرًا لتجارب تنظيمية وثقافية وفنية، حيث تلتقي الموهبة المحلية بالخبرة الدولية، مما يؤدي إلى فعاليات تجمع بين الجدوى الاقتصادية والجاذبية الثقافية والفنية، ويجعل المملكة وجهة مفضلة للاستثمارات النوعية في مجال السياحة، ليس فقط على المستوى التجاري، بل كمنصة ثقافية واقتصادية متكاملة، ويتيح للشركات العالمية فرصة الاطلاع على سوق متنوع ومواهب ناشئة في بيئة محفزة ومزدهرة.
الصناعات المساندة شهدت نموًا كبيرًا: الفنادق سجلت نسب إشغال تجاوزت 87% خلال المواسم الكبرى، وارتفعت إيرادات المطاعم بنسبة 45% مقارنة بالأعوام السابقة، وقطاع النقل سواء البري أو الجوي شهد توسعًا كبيرًا مع إضافة رحلات جديدة وأساطيل سيارات مخصصة، وتحسين مسارات النقل لاستيعاب الزوار بكفاءة عالية. الإعلام والإعلانات شهدت طفرة ضخمة، مع إنتاج آلاف المواد الترويجية للفعاليات، مما ساعد على تعزيز صورة المملكة عالميًا وجذب المزيد من الاستثمارات، وأصبحت السياحة جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد الإعلامي والثقافي، إذ أن كل إعلان وكل حملة تسويقية تخلق حركة اقتصادية غير مباشرة، وتشجع الصناعات الإبداعية على التوسع، ويجعل المملكة منصة للابتكار والتطوير المستمر، وتدعم رؤية 2030 في جعل الثقافة والسياحة عنصرًا محوريًا في اقتصاد المستقبل، حيث تضاعفت مبيعات أسواق الهدايا والملابس والمنتجات الغذائية والتكنولوجيا بنسبة تجاوزت 75% في بعض المناطق خلال المواسم. هذه الحركة الاقتصادية عززت الصناعات الصغيرة والمتوسطة؛ مما أدى إلى نشوء منظومة اقتصادية متكاملة تتفاعل مع كل ركن من أركان المجتمع، ويصبح كل حدث مهرجانًا اقتصاديًا متكاملاً يخلق سلاسل قيمة متواصلة من الإنتاج إلى التوزيع إلى الاستهلاك، ويجعل الاقتصاد السعودي أكثر ديناميكية ومرونة، حيث يصبح كل نشاط ترفيهي حلقة في شبكة اقتصادية حية تتفاعل مع المستهلكين والشركات والمجتمع، ويعكس تكامل النمو الاقتصادي والاجتماعي مع الثقافة والفنون، ويضع المملكة على خريطة الاقتصاد السياحي العالمي بقوة.
الفعاليات الكبرى ساهمت أيضًا في تطوير البنية التحتية إنشاء مسارح حديثة، ساحات مفتوحة، مراكز ثقافية، ونقاط جذب سياحي جديدة، إلى جانب تحسين الطرق والمواصلات، وتخصيص مرافق متعددة للزوار، وتحسين خدمات النقل العام والخاص. هذه المشاريع لم تكن مجرد إنشاءات، بل استثمار طويل الأمد يعزز القدرة الاقتصادية للمدن، ويجعلها أكثر جاذبية للاستثمار الداخلي والخارجي، يدعم النمو ويحفز المبادرات المحلية، ويجعل المدن أكثر ديناميكية وحيوية، وتصبح كل منطقة منصة حية للاقتصاد الثقافي والسياحي، ويخلق بيئة استثمارية مستدامة تدمج بين الثقافة والتجارة والاقتصاد، ويجعل كل مشروع صغير أو كبير جزءًا من التنمية الوطنية الشاملة، ويعزز قدرة المملكة على استضافة فعاليات عالمية المستوى.
على الصعيد الاجتماعي، أصبحت الفعاليات منصة للتفاعل بين جميع فئات المجتمع، وتعزيز الوعي الثقافي، وتمكين الشباب من المشاركة بفاعلية، سواء عبر الفرق التطوعية أو المواهب الفنية أو الشركات الصغيرة التي تقدم خدمات مبتكرة. الاستثمار في السياحة أصبح استثمارًا في الإنسان السعودي، في مهاراته، وروحه الإبداعية، وانتمائه الوطني. كل فعالية ومهرجان تروي قصة نجاح، وكل زائر أو مشارك يشهد أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، ويصبح جزءًا من اقتصاد الفرح المستدام الذي تصنعه المملكة بعناية وإبداع، ويصبح نموذجًا عالميًا في دمج الثقافة بالاقتصاد، حيث يلتقي الفن بالفرص، والسعادة بالنمو الاقتصادي، ويصبح كل حدث منصة لتجربة اقتصادية واجتماعية متكاملة، ويؤكد أن السياحة أصبحت ركيزة أساسية لبناء اقتصاد مزدهر ومجتمع سعيد ومبدع.
قطاع السياحة أصبح أيضًا منصة لجذب السياحة الداخلية والخارجية، حيث زار أكثر من 9.5 ملايين سائح داخلي وخارجي خلال العام الماضي، مما رفع إيرادات السياحة بنسبة 55% تقريبًا، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في النقل، الإقامة، الإرشاد السياحي، والخدمات اللوجستية. هذه الحركة الاقتصادية الحيوية جعلت المدن السعودية مراكز جذب للثقافة والفن والاقتصاد في آن واحد، مما يعكس نجاح الرؤية الاستراتيجية للقيادة السعودية في دمج السياحة مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويظهر قدرة المملكة على تحويل كل مهرجان وفعالية إلى حدث اقتصادي متكامل، يترك أثرًا دائمًا على البنية الاقتصادية والاجتماعية ويعزز مكانة المملكة عالميًا.
من الأمثلة المشرقة، مهرجان الرياض الضخم، الذي يستقطب سنويًا أكثر من 6.5 ملايين زائر من مختلف أنحاء المملكة وخارجها، ويشارك فيه الفنانون المحليون والدوليون، وتتنوع العروض بين الموسيقى والمسرح والفنون البصرية، ويحقق المهرجان إيرادات مباشرة تتجاوز 3 مليارات ريال، مما يخلق فرص عمل واسعة في مجال الإنتاج الإعلامي والفني، وأسهم في تطوير السياحة السينمائية والفنون البصرية في المنطقة، ويصبح نموذجًا عالميًا للتجربة السياحية والثقافية المتكاملة، ويعكس قدرة المملكة على دمج السياحة مع الاقتصاد والثقافة بشكل مستدام، ويضع أساسًا لمشاريع مستقبلية مشابهة في مدن أخرى.
إن الاستثمار في السياحة أصبح جزءًا من الهوية الاقتصادية والثقافية للمملكة، حيث ينعكس في النمو المستدام، وخلق فرص جديدة للشباب والمواهب، وتعزيز الثقة بالاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق التوازن بين الأصالة والحداثة، بين الفرح والثقافة، وبين الاقتصاد والمجتمع. كل هذه العناصر تجعل المملكة نموذجًا عالميًا في صناعة السياحة والاقتصاد الثقافي، وواجهة حديثة للتجربة السعودية الرائدة، حيث تتكامل الرؤية الاقتصادية مع التطبيق العملي لتقديم تجربة متكاملة للمواطن والزائر على حد سواء، وتصبح كل مدينة منصة حية للنشاط الاقتصادي والثقافي، محققة حلم صناعة السياحة الشاملة والمستدامة، وتجعل المملكة وجهة لا يمكن تجاهلها عالميًا، وتؤكد أن السياحة أصبحت ركيزة أساسية لبناء اقتصاد مزدهر ومجتمع سعيد ومبدع، ويمثل قلبًا نابضًا للتجربة السعودية على مستوى العالم.
وإذا تأملنا المنظومة الاقتصادية التي تشكلت حول قطاع السياحة خلال السنوات الأخيرة، نجد أن القيمة الحقيقية لهذا القطاع لا تكمن فقط في الأرقام والإحصاءات، بل في التحول العميق الذي شهدته البنية الاجتماعية والثقافية، وفي الطريقة التي أصبحت فيها السياحة جزءًا من دورة الحياة اليومية ومحرّكًا للتفاعل المجتمعي. لقد أصبح المواطن يرى في الفعاليات والمهرجانات ليس مجرد أحداث موسمية، بل فرصًا للتعلم والتجربة والتواصل، ونافذة للتفاعل مع ثقافات متعددة، مما يعزز الانفتاح ويرسّخ الهوية الوطنية في آن واحد. هذا الوعي الجديد خلق سوقًا محليًا قويًا يستوعب المواهب السعودية في مجالات التصميم والإخراج والتسويق وإدارة الفعاليات والتقنيات المسرحية، وأتاح للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تجد لنفسها مكانًا ثابتًا في هذه المنظومة عبر تقديم خدمات متخصصة كانت في السابق تعتمد على الوارد من الخارج.
وقد بدأت الشركات السعودية تنشئ نماذج أعمال جديدة تعتمد على الدمج بين التقنيات الرقمية والتجارب الواقعية، مثل الفعاليات التفاعلية، والألعاب الحية، والمعارض المتحركة، والعروض ثلاثية الأبعاد، والسينما المفتوحة، وغيرها من النماذج التي تجعل المشاهد مشاركًا في التجربة وليس متلقيًا فقط. هذا التحول خلق سوقًا جديدًا بالكامل في مجال الإنتاج الإبداعي والتقني، وفتح مسارات مهنية لم تكن موجودة سابقًا، من مصممي الصوت والإضاءة، إلى مختصي المؤثرات البصرية، إلى مهندسي التجربة السياحية، وهي مهن أصبحت اليوم مطلوبة عالميًا.
وفي جانب آخر، ساعدت هذه التطورات على تعزيز السياحة المحلية ورفع معدل بقاء الزائر داخل المدن السعودية، فبعد أن كانت الرحلة السياحية مجرد زيارة قصيرة، أصبحت تجربة ممتدة تشمل الإقامة والتسوق والمطاعم والجولات الثقافية، مما يضاعف من دخل المدن ويخلق حلقات اقتصادية متكررة لا تتوقف عند لحظة الحدث. وبهذا أصبحت الفعاليات الكبرى بمثابة منصات اقتصادية متنقلة تعيد تشكيل المشهد الحضري، فتجذب المستثمرين لبناء فنادق جديدة، وتطوير ممرات مشاة ومساحات خضراء، وإعادة تخطيط مناطق كاملة لتحويلها إلى مناطق نابضة بالنشاط التجاري والثقافي، مما يعزز جودة الحياة ويزيد جاذبية المدن للسكان والزوار معًا.
وبذلك يتحول قطاع السياحة من كونه اقتصادًا ماليًا فقط إلى اقتصاد وجداني أيضًا، يرتكز على الإنسان، وعلى قيمه، وأحلامه، وطموحه، ويجعله عنصرًا مشاركًا في صياغة الصورة الجديدة لمملكته.
(4)
الفعاليات والمهرجانات الكبرى
كانت الفعاليات والمهرجانات في المملكة العربية السعودية قبل سنوات مشهدًا محدود الأثر والنطاق؛ أما اليوم فقد تغيّر المشهد جذريًا حتى صار يضج بالحياة ويعلن عن نفسه في كل مدينة وشارع وساحة، فتحوّل إلى جزء أصيل من صورة المملكة الحديثة، وإلى عنصر اقتصادي وثقافي وسياحي يساهم في تشكيل هوية الحاضر كما يعبّر عن تطلعات المستقبل. هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة رؤية شاملة أعادت صياغة دور السياحة والثقافة والفنون في المجتمع، مستندة إلى وعي بأن الإنسان بحاجة إلى مساحات للاحتفاء بالحياة، وأن المجتمع لا يكتمل إلا عندما تتجاور فيه الجدية والإبداع والمرح والمعرفة.
لقد شهدت المملكة خلال سنوات قليلة نموًا هائلًا في حجم الفعاليات؛ إذ انتقلت من تنظيم عشرات الفعاليات في العام الواحد إلى تنظيم آلاف الفعاليات المتنوعة سنويًا، تتوزع بين مناطق المملكة كلها دون استثناء، من المدن الكبرى حتى المدن الصغيرة والمناطق الطرفية. هذا الانتشار الجغرافي لم يكن مجرد توسّع رقمي، بل كان تعبيرًا عن مبدأ أساسي مفاده أن الثقافة والفرح ليست حكرًا على مدينة دون أخرى، وأن جميع أفراد المجتمع يستحقون الفرصة للقاء والإبداع والاستمتاع. فصار مشهد الافتتاحات والاحتفالات والمسارح والأنغام مألوفًا في الرياض وجدة والشرقية، كما هو مألوف في أبها والطائف والجوف والقصيم وحائل وتبوك وغيرها.
وهذه المهرجانات الكبرى اليوم تستقطب زوارًا من كل أنحاء العالم. يأتي في مقدمة ذلك موسم الرياض الذي أصبح حدثًا عالميًا بمعنى الكلمة، يجمع بين العروض المسرحية الضخمة، والمباريات الرياضية العالمية، والحفلات الموسيقية الدولية، والمطاعم التجريبية، والمتاحف المؤقتة، والحدائق السياحة الموسمية، إلى جانب موسم جدة الذي يحتفل بروح البحر والهوية البحرية للمدينة، وموسم الطائف الذي يعيد الاعتبار لسحر المصايف وهِواء المرتفعات، وموسم عسير الذي يحتفي بالجمال الطبيعي الخلاب والثقافة الجنوبية العميقة.
أما الفعاليات التراثية، فما زالت تحمل مكانة خاصة في الوعي الجمعي، وفي مقدمتها مهرجان الجنادرية الذي كان ولا يزال رمزًا للاعتزاز بالتراث والثقافة المحلية، ثم مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل الذي أصبح احتفالًا فريدًا يجمع بين الأصالة والهوية والاقتصاد والتنافس الراقي، ويمثل إحدى أكبر الفعاليات التراثية في المنطقة كلها. هذه المهرجانات التراثية لا تُنظَّم بوصفها فقرات فولكلورية أو عروضًا للفرجة، بل بوصفها ذاكرة جماعية تُستعاد وتُروى للأجيال وتُقدم للعالم على نحو يجمع بين الجمال والاحتراف.
ولم تقتصر الفعاليات على السياحة والثقافة الفنية فقط، بل امتدت لتشمل عالَم الرياضة العالمية التي أصبحت المملكة واحدة من أهم محطاته. فقد استضافت المملكة بطولات الملاكمة الكبرى، وسباقات الفورمولا، وبطولات كرة القدم، ومنحت الجمهور فرصة للقاء نجوم عالميين لم يكن يتصور قبل سنوات أن يشاهدهم على أرض الواقع. بل إن هذا التفاعل الرياضي العالمي أعاد صياغة صورة المملكة في الوعي الدولي، فلم تعد مجرد بلد يراقَب من بعيد، بل بلد يزوره الجمهور الرياضي والفني والثقافي من كل مكان، بلد يشارك في صناعة الحدث، لا مجرد متابعة له.
والسعوديون أنفسهم أصبحوا يكتشفون بلادهم من جديد؛ يزورون المدن التي لم يسبق لهم التفكير في زيارتها، يتجولون بين البيئات السياحية المختلفة؛ من جبال الجنوب إلى شواطئ البحر الأحمر، ومن واحات الأحساء إلى وادي الديسة وسهول الجوف. أما السائح الأجنبي فقد وجد في السعودية ما يجمع بين الحداثة والتاريخ، بين الجمال الطبيعي والعمارة، وبين الثقافة العميقة والحفلات العالمية، في تجربة لا تشبه أي وجهة أخرى. وهكذا أصبحت الطائرة القادمة إلى الرياض أو جدة أو أبها أو العلا تحمل تنوعًا إنسانيًا جديدًا لم يكن مألوفًا في السنوات الماضية.
إن هذا النمو لم يكن مجرد نمو في الكم، بل كان نموًا في جودة التجربة نفسها، وهذا ما يظهر بوضوح في الإبداع في ربط الثقافة بالفن بالرياضة، وفي الدمج بين الأصالة والحداثة في قالب واحد. فالحفلة الموسيقية قد تتضمن عناصر تصميم مستوحاة من العمارة النجدية. والبطولة الرياضية قد تكون محاطة بمعارض للفن التشكيلي أو بمناطق طعام من مطابخ محلية وعالمية. هذا المزج بين العالمين – الماضي والحاضر – هو ما منح الفعاليات السعودية شخصية مختلفة، شخصية لا تقوم على الاستيراد من تجارب خارجية، بل على إعادة صياغة الهوية الفنية والتراثية بطريقة عصرية.
ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي لهذه النهضة؛ فهي ليست مجرد متعة وترفيه، بل أصبحت قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا يسهم في الناتج المحلي، ويوفر آلاف الوظائف للشباب السعودي في مجالات التنظيم والإدارة والتسويق والضيافة والإنتاج، ويخلق سوقًا جديدة للمواهب الفنية والإبداعية.
هذا كله يعيدنا إلى فكرة مركزية واحدة: أن الفعالية ليست مجرد حدث مؤقت ينتهي بانتهاء ليلته، بل هي صناعة، ورؤية، ورسالة، وبناء ثقافي واجتماعي واقتصادي يتراكم عامًا بعد عام، حتى يصبح جزءًا من نسيج الحياة اليومية. ومن هنا نفهم أن المملكة لم ترفع مستوى السياحة فحسب، بل أعادت تشكيل معنى الحياة العامة نفسها، وجعلت من الاجتماع والفرح والإبداع قيمة اجتماعية أصيلة وليست أمرًا ثانويًا أو ترفًا فائضًا.
إنه حراك يليق ببلد لا يكتفي بأن يتغير، بل يحرص على أن ينهض بأناقة وثقة، بلد يعرف قيمته ويعرف إلى أين يتجه.
ولعل من أبرز ما ميّز هذه النهضة في مجال الفعاليات هو الاهتمام بالتجربة الكاملة للزائر؛ فلم يعد الهدف هو مجرد حضور حدث ما، بل تكوين رحلة متكاملة تبدأ من الإعلان والوصول، وتمر بالتفاعل والاندماج، وتنتهي بذكريات تبقى في الوجدان والصور والحديث والأحاديث المتداولة. لقد أصبح السؤال ليس: “هل حضر الناس؟” بل: “ماذا أحسّوا؟ ماذا اكتشفوا؟ ماذا سيحكون بعد عودتهم؟”. هذه النقلة في فلسفة التنظيم جعلت الفعاليات ليست فقط عروضًا تُرى، بل عوالم تُعاش.
وقد أدى ذلك إلى تطور ملحوظ في صناعة التنظيم والإدارة؛ فظهرت شركات شابة يديرها سعوديون اكتسبوا خبراتهم من التجارب المباشرة، وارتفعت معايير الجودة، وأصبحت التفاصيل الدقيقة مثل الإضاءة، والتحكم بالصوت، وتوزيع حركة الجمهور، وتصميم المسار، وحتى شكل اللافتات والمقاعد، جزءًا من المعايير التي يُحاسب عليها المنظمون. وبدلًا من استقدام الخبرة من الخارج، أصبحت الخبرة تُصنع في الداخل وتُصدر أحيانًا إلى الخارج.
والتطور لم يكن مقتصرًا على المدن وحدها، بل وصل إلى القرى والمناطق الصغيرة التي بدأت تستكشف تراثها المحلي وتعرضه للعالم من خلال فعاليات صغيرة تتحول مع الوقت إلى مهرجانات ذات ثقل. فكم من منطقة لم يكن يُعرف عنها سوى اسم محدود، أصبحت اليوم مقصدًا للزائرين لما تقدمه من جمال طبيعي أو حكاية تاريخية أو نكهة ثقافية خاصة. وهكذا أخذت الفعاليات دورًا في إعادة اكتشاف الذات الوطنية من جديد، ورفع الاعتزاز بالجذور.
ثم جاء الدور الأكبر الذي لا يمكن تجاهله: دور الشباب. فالأيدي التي تبني هذه الفعاليات في الغالب هي أيدٍ سعودية شابة، تمتلك شغف التغيير وروح المبادرة، وتؤمن بأنها ليست مطالبة بأن تنتظر مستقبلًا يأتيها، بل هي من تصنعه. ومن خلال الفعاليات وقطاعاتها المساندة، وجد عشرات الآلاف من الشباب فرصًا للعمل والتعبير والإبداع، من تصميم العلامات التجارية، إلى هندسة الصوت، إلى إعداد المسرح، إلى إدارة الحشود، إلى تقديم العروض الفنية، حتى وصل الأمر إلى تكوين هوية شبابية سعودية جديدة؛ هوية متصالحة مع تراثها ومندفعة نحو العالم بثقة.
وهكذا أصبح مشهد الفعاليات والمهرجانات في المملكة اليوم شاهدًا على تحولٍ اجتماعي وثقافي واقتصادي عميق، يعبّر عن بلد خرج من حدود النمطية، وقرر أن يحتفل بالحياة، وأن يجعل من الفرح والفن والثقافة والرياضة جزءًا من يومه، لا مناسبة عابرة تُنتظر مرة في العام. إنه مشهد يليق ببلد يفتح نافذة واسعة على العالم، ثم يدعو العالم إلى أن ينظر إليه من خلالها.
وإذا تأملنا بعمق في هذا التحوّل، أدركنا أن الفعاليات لم تعد مجرد مساحة للترفيه، بل غدت وسيلة للتلاقي الإنساني وإعادة بناء الجسور داخل المجتمع الواحد وبين المجتمع والعالم. ففي كل مهرجان، وفي كل ليلة احتفال، وفي كل عرض فني أو رياضي، تتقاطع مسارات الناس وتتلاقى القصص والوجوه والانطباعات. إنها لحظات تُعيد تشكيل المخيال الاجتماعي، وتمنح الإنسان شعورًا بالانتماء إلى وطن يتحرك معه، لا يقف عند حدوده التقليدية. إن الفعالية هنا تُصبح شهادة على أنّ الحياة قادرة على التجدد، وأن المجتمع قادر على الإبداع والتطور دون أن يتخلى عن جذوره.
ومع اتساع نطاق الفعاليات، برز عنصر غاية في الأهمية، وهو تنوع المحتوى وتعدد رسائله. فقد أصبح من المألوف أن يجتمع تحت مظلة الفعالية الواحدة الفن مع الاقتصاد، والتاريخ مع التقنية، والتجربة الفردية مع الذاكرة الجماعية. وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة عروضًا مستوحاة من التاريخ العربي القديم، وعروضًا مستقبلية تعتمد على تقنيات هولوغرام الواقع المعزز، وعروضًا مسرحية مستوحاة من الحياة اليومية المعاصرة. هذا التنوع خلق حالة من الثراء المعرفي والفني، وفتح أبوابًا أوسع أمام الخيال والإبداع، ووسّع أفق المتلقي السعودي الذي بات أكثر قدرة على الحوار مع العالم بلغة ثقافية عصرية.
ومن زاوية أخرى، فإن الفعاليات والمهرجانات أسهمت في تعزيز مفهوم الانفتاح الواعي، وهو انفتاح لا يقوم على الذوبان ولا على التقليد، بل على الحضور الفعّال. فعندما تستضيف المملكة فنانين عالميين أو بطولات دولية، فإنها لا تستقبلهم بوصفها تابعًا، بل بوصفها شريكًا في صناعة التجربة. هذا الشعور بالشراكة أعطى للمجتمع السعودي ثقة أكبر بذاته، كما أعاد تعريف صورته لدى الآخر، فلم يعد يُنظر إلى المملكة من منظور ضيق، بل من منظور دولة تملك حيوية وثقافة وحضورًا وتأثيرًا. إنها لغة ناعمة وفعّالة من لغات بناء القوة الناعمة، تُقال بالضوء والموسيقى والحضور الإنساني المباشر، أكثر مما تُقال بالخطاب التقليدي.
ولا يمكن إغفال أثر هذا الحراك في الحياة اليومية؛ فقد أصبح الذهاب إلى الفعاليات جزءًا من الروتين الاجتماعي الجديد. الأسر والعائلات باتت تخصص وقتًا للذهاب إلى العروض والحفلات والأسواق الموسمية، والشباب باتوا يجدون في تلك المساحات متنفسًا للتجربة والاكتشاف. هذا التحول غيّر شكل العلاقات الاجتماعية نفسها، فالمساحات العامة أصبحت ساحات للتعارف والتقارب والتبادل الثقافي، لا مجرد أماكن للعبور السريع. لقد صار الناس يخرجون من منازلهم ليكونوا معًا في الفضاء العام، ليتشاركوا اللحظة ويبنوا ذاكرة جماعية جديدة.
ولعل من أهم ما تحقق من خلال هذا الحراك الكبير هو إعادة تعريف معنى «الوقت» في الحياة السعودية. ففي الماضي كان الوقت يُقسّم وفق معايير العمل والدراسة فقط، أما الآن فقد أصبح للوقت بعد آخر: وقت للمتعة، ووقت للاحتفال، ووقت للتأمل الجمالي، ووقت للدهشة. وهذا البعد ليس ترفًا، بل هو جزء من صحة الروح ونضج المجتمع ووعيه بذاته. فالمجتمعات المتوازنة هي تلك التي تمنح الإنسان القدرة على العيش الكامل: أن يعمل، وأن يبدع، وأن يفرح.
(5)
السياحة والثقافة والهوية
لم يكن تطوير قطاع السياحة في المملكة مجرد نشاط ثانوي أو إضافة تجميلية للمدن، بل كان قرارًا استراتيجيًا رفيع المستوى، يعكس رؤية القيادة السعودية لإعادة تشكيل حياة المواطن، وفتح أفق جديد للفرح والبهجة والابتكار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن السياحة ليست رفاهيةً عابرة، بل حق إنساني واستثمار في الإنسان وفي المستقبل، أداة لتطوير مجتمع نابض بالحياة، قادر على الابتكار والإبداع، والانخراط في الاقتصاد العالمي بروح وطنية متجددة. رؤية المملكة 2030 لم تكن مجرد شعار، بل خارطة طريق دقيقة تحدد كيفية تحويل الفرص إلى واقع ملموس، وكيفية إدماج السياحة كركيزة أساسية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة.
الأمير محمد بن سلمان كان المحرك الرئيس لهذا التحول. عيونه على المستقبل، وعقله يرى ما لا يراه الآخرون. كان يعلم أن تطوير قطاع السياحة لا يقتصر على إنشاء الملاهي أو المهرجانات، بل على إعادة تشكيل المفاهيم، وخلق بيئة تحفز الإبداع، وتمكين الشباب ليكونوا صناع الفرح، ومسوقي الثقافة، ومقدمي الاقتصاد الجديد. كل قرار سياسي، وكل دعم حكومي، وكل حافز اقتصادي كان يهدف إلى تمكين القطاع، وجعله جزءًا لا يتجزأ من هوية الدولة الحديثة. الأمير محمد بن سلمان لم يكن مجرد قائد يوجه الأوامر، بل كان رؤية حية تنبض في كل مشروع، وفي كل شارع، وفي كل مدينة، حيث يشعر المواطن أن هذه المبادرات جزء من حياته اليومية، وأن الفرح، والابتكار، والاقتصاد مرتبطان معًا بشكل عضوي لا ينفصل.
ومن هنا جاء دور وزير السياحة، الذي حوّل الرؤية إلى واقع ملموس، وحوّل الأفكار المجردة إلى فعاليات ومشاريع ترفيهية اقتصادية وثقافية متكاملة. إن وزير السياحة ليس مجرد مسئول، بل كان ملهمًا لكل فريق، يقود التنفيذ بحماس وإبداع، ويحوّل كل فكرة إلى تجربة حية متكاملة. تحت إشرافه، أصبحت السياحة في المملكة مشهدًا يوميًا يتفاعل فيه المواطن مع بيئته، ويشارك في صناعة الحدث، ويشعر أن حياته أصبحت أكثر حيوية ومتعة، وأن عمله وجهده جزء من مشروع وطني كبير.
الرياض، العاصمة النابضة بالحياة، أصبحت قلب هذه الثورة السياحية. الشوارع والساحات والممرات أصبحت مسارح حية تتفاعل مع الناس، كل نافذة وكل شارع أصبح حكاية، تجربة، عرضًا متحركًا يشارك فيه المواطن والزوّار معًا. المقاهي والمطاعم تحولت إلى منصات للفنون، الموسيقى، المسرح، والحوارات الثقافية، لتعكس أن السياحة جزء من تجربة يومية، وحق أساسي للإنسان السعودي، وأن كل لحظة في المدينة يمكن أن تكون فرصة للاكتشاف والدهشة والفرح.
أما جدة، فكانت تجربة مختلفة، لكنها بنفس القوة. المدينة التي عرفها العالم بصوت البحر وأمواجه اكتسبت نغمة جديدة مع الموسيقى والفنون. الكورنيش أصبح مسرحًا مفتوحًا، حيث تتلاقى أصوات العزف مع هدير الأمواج، لتصبح كل أمسية لوحة حسية متكاملة، تجمع بين الطبيعة والفن والاقتصاد والهوية الثقافية. الفعاليات هناك لم تعد مجرد تسلية، بل استثمارًا استراتيجيًا في المجتمع والسياحة والاقتصاد، إذ تولدت فرص جديدة للفنادق، المطاعم، وسائل النقل، والخدمات اللوجستية والإعلام، وظهرت الصناعات المساندة. كل مهرجان أصبح نقطة جذب محلية وعالمية، خلق سلسلة من الفرص الاقتصادية والاجتماعية، ورفع مستوى الجودة في حياة الناس، مؤكدًا على أن الفرح يمكن أن يكون قوة اقتصادية حقيقية.
العلا كانت تجربة أكثر تفردًا، إذ تحولت المدينة التاريخية الصامتة إلى مساحة حية للفن والطبيعة والتاريخ. كل فعالية كانت حوارًا بين الماضي والحاضر، بين صخور الزمن وألوان الضوء، وبين الموسيقى والتاريخ العريق. الناس لم يأتوا للترفيه فقط، بل ليشاركوا المكان فرحتهم، ليشعروا بالانتماء والارتباط بالهوية الوطنية، ولتكون التجربة التعليمية والثقافية جزءًا لا يتجزأ من المتعة. المدينة تعلم الزائر أن السياحة يمكن أن يكون تعليميًا، ثقافيًا، اقتصاديًا وفنيًا في الوقت نفسه، وأن الهوية الوطنية لا تتنازل عن أصالتها حتى مع التطوير والانفتاح.
اقتصاديًا، أحدثت صناعة السياحة نقلة نوعية. خلقت آلاف الوظائف للشباب السعودي، وفتحت مسارات لمواهب كانت حبيسة الأحلام، وأعادت تشكيل قطاع السياحة والفنادق والمطاعم والنقل والخدمات. كل نشاط وكل مشروع أصبح جزءًا من محرك اقتصادي متكامل يعزز القطاع الخاص، ويتيح فرصًا للشباب ليصبحوا صناع الفرحة والثقافة والاقتصاد. الفعاليات الكبرى، المهرجانات الموسيقية، الحفلات الفنية، العروض الثقافية والرياضية، كلها تحولت إلى مهرجانات اقتصادية وثقافية، توظف كل الموارد البشرية والاقتصادية لصالح الإنسان والمجتمع والاقتصاد الوطني، وتضع المملكة على خارطة السياحة والسياحة العالمية.
التحدي الأكبر كان الموازنة بين الحداثة والحفاظ على الهوية الوطنية. لم يُترك المجال لتقليد التجارب الغربية بلا ضوابط، بل تم تصميم كل تجربة ترفيهية لتحترم القيم العربية والإسلامية، وتدمجها في روح الحداثة والإبداع. المواطن أصبح يرى أن السياحة جزءًا من هويته، وأن الفرح ليس تهربًا من الواقع، بل إعادة تشكيل للحياة بطريقة عميقة وواعية، وأن الاستمتاع هو حق مشروع متكامل مع المسئوليات والواجبات الوطنية.
النتيجة كانت واضحة على كل الأصعدة. المجتمع أصبح أكثر حيوية، الحياة اليومية أكثر دفئًا، ووعي الإنسان بحقوقه وواجباته تجاه وطنه ارتفع. كل حدث أصبح فرصة للتبادل الثقافي والاجتماعي، وكل احتفال نافذة للتفاعل بين الإنسان ووطنه وبين المملكة والعالم. صناعة السياحة أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة، تعكس صورة المملكة كدولة حديثة مبتكرة، قادرة على الدمج بين الماضي والمستقبل، بين التقاليد والانفتاح، وبين الاقتصاد والثقافة، وتقديم نموذج عالمي متكامل للترفيه الحديث.
وعلى مستوى الفرد، تغيرت نظرة الناس لأنفسهم ولقدراتهم. المواطن أصبح يثق أكثر بوطنه، يطمح، يحلم، ويبدع. الفرح لم يعد رفاهية، بل حق مشروع لكل سعودي وسعودية. أصبح السؤال ليس لماذا نحتفل، بل كيف نصنع حياة كاملة لكل فرد، لكل أسرة، ولكل مجتمع. ومع كل احتفال ومهرجان، تعلم الشباب أن أفكارهم يمكن تحويلها إلى مشاريع، ومواهبهم إلى فرص، وأن حياتهم اليومية يمكن أن تصبح تجربة مليئة بالمعنى والجمال.
وهكذا، لم تعد صناعة السياحة مجرد نشاط عابر، بل ثورة متكاملة في حياة المملكة، تجمع بين الاقتصاد والثقافة والهوية والابتكار والفرح. إنها قيامة جديدة للمجتمع، إعلان صريح أن المملكة لا تقلد، بل تصنع، لا تنتظر، بل تقود، لا تنطفئ، بل تشتعل بالمستقبل. كل شارع، كل مدينة، كل فعالية، وكل فرد أصبح جزءًا من هذه الحكاية العميقة التي تؤكد أن السعودية الجديدة هي السعودية التي تصنع البهجة والاقتصاد والثقافة في وقت واحد، وتضع المملكة على الخريطة العالمية كوجهة رائدة للترفيه المستدام والمبتكر، حيث تتلاقى الطموحات الإنسانية مع القرارات السياسية والرؤية الاستراتيجية لتخرج تجربة سعودية لا مثيل لها، نموذجًا عالميًا يجمع بين الرؤية والسياسة والاقتصاد والهوية والثقافة والبهجة.
ولم يكن هذا التحول مجرد حركة في البنية المادية للمدن، أو في أجندة الفعاليات والبرامج، بل كان تحولًا في الوعي ذاته؛ وعي الإنسان بدوره في صناعة الحياة. فالأفراد لم يعودوا متلقين للترفيه، بل مشاركين فيه، مساهمين في تطوره، ومبدعين في تجديد أشكاله. وظهرت موجة واسعة من فرق الفنون المحلية، والمبادرات الثقافية، وشركات الإنتاج والتنظيم، وأصبح الشاب السعودي لا يكتفي بأن يشاهد ويستمتع، بل يسأل: كيف أصنع؟ ماذا يمكن أن أضيف؟ ما الذي يجعل التجربة المقبلة أكثر جمالًا وتأثيرًا؟
وبهذا تغيّرت علاقة الإنسان السعودي بمدينته، وبالساحات التي كان يمر بها مرورًا عابرًا لسنوات طويلة. أصبحت الشوارع أماكن للذاكرة الجديدة، والفعاليات مناسبات لإعادة اكتشاف الذات، والأحياء مساحات نابضة بالحياة اليومية. لقد أصبح لكل موسم أثره في النفوس، ولكل فعالية قصتها الخاصة التي تحكى، وتوثّق، وتنتقل من جيل إلى جيل باعتبارها جزءًا من لحظة تاريخية يعيشها المجتمع معًا.
ومع مرور الوقت، أخذت التجربة السعودية في السياحة تتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح نموذجًا يُدرس ويُستفاد منه دوليًا. دول عديدة بدأت تتساءل: كيف تمكّنت المملكة من مواءمة قيمها العميقة مع صناعة ترفيه عالمية؟ كيف تصنع البهجة دون أن تفقد الوقار؟ كيف تنفتح دون أن تذوب؟
والإجابة لم تكن في القوانين أو البنى وحدها، بل في الإنسان. في تلك الروح الجديدة التي تربط بين الاعتزاز بالهوية، والقدرة على الإبداع، والتطلع إلى المستقبل بثقة وهدوء ووعي. فالإنسان في قلب المشروع، وهو أيضًا هدفه النهائي.
ومع ازدياد هذا الوعي، أصبحت السياحة مجالاً لإعادة تجسيد صورة المملكة في العالم. لم تعد السعودية تُقدَّم فقط بصورتها التقليدية التي يختزنها البعض، بل أصبحت تُطل على العالم كدولة قادرة على قيادة الاتجاهات الجديدة في الثقافة والفن والسياحة. وبدأت الوجوه السعودية تتصدر المشاهد، وتُعرض الأعمال والإنجازات في المحافل العالمية، ليصبح صوت الثقافة السعودية مسموعًا، وإيقاعها حاضرًا في المشهد الدولي.
إن ما يحدث اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل تحول حضاري حقيقي. مشروع طويل النفس، عميق الجذور، واسع الأفق. مشروع يضع الإنسان في مركزه، ويمنح الفرح قيمته، ويجعل الثقافة والهوية جناحين يرافقان المستقبل لا يوقفانه.
ولذلك يمكن القول بثقة إن المملكة اليوم لا تبني مهرجانات فحسب، بل تبني ذاكرة وطنية جديدة؛ ذاكرة تحتفي بالحياة، وتمنح الإنسان القدرة على أن يرى نفسه جزءًا من قصة أكبر، قصة أمة تتحرك بثقة نحو أفق جديد، تحمل ماضيها معها، لكنها لا تتوقف عنده، وتفتح قلبها للعالم وهي ثابتة على أرضها، متجذرة في قيمها، مرفوعة الرأس.
ومع كل هذا الحراك الواسع، برز سؤال جوهري في المجتمع: كيف يمكن للترفيه أن يعزز الهوية بدلاً من أن يذيبها؟ وهنا ظهرت الإجابة من داخل التجربة نفسها، لا من التنظير أو الجدل. فقد أثبتت الفعاليات والمشاريع السياحية أن الهوية ليست قيدًا على الإبداع، بل هي مصدر إلهام. فكل مدينة وكل مجتمع وكل لهجة وكل أغنية محلية أصبحت جزءًا من لوحة كبيرة تعرض أمام العالم بثقة وجمال. وعندما يرى المواطن صور مناطق بلده على المسارح والشاشات والحملات العالمية، يشعر أنه جزء من رواية أكبر من حياته اليومية، رواية وطن يتحرك.
ولذلك، أصبحت السياحة أداة لإعادة اكتشاف الذات. الكثير من الشباب الذين كانوا يظنون أن هويتهم مجرد تاريخ محفوظ في الكتب، أدركوا اليوم أنها طاقة حية قابلة للتجدد. الأزياء التراثية لم تعد فقط للمناسبات الرسمية، بل ظهرت في الحفلات والمهرجانات والفعاليات اليومية. الأغاني الشعبية دخلت في الأعمال الفنية الحديثة، والرقصات التراثية أصبحت تؤدى في ساحات واسعة أمام جمهور عالمي. هنا لم يتغير التراث، بل تغيرت زاوية النظر إليه؛ أصبح يُرى بوصفه جمالًا حاضرًا، لا ذكرى بعيدة.
وفي هذا السياق، لعبت الثقافة دور الوسيط بين الماضي والمستقبل، فصناعة السياحة لم تفرض نمطًا واحدًا، بل فتحت المجال للتنوع. ففي الوقت الذي تُقام فيه حفلات عالمية ضخمة، نجد في الجهة المقابلة مهرجانات للشعر النبطي، ومعارض للخط العربي، وساحات للحرف اليدوية التي تُقدم بروح معاصرة. وهذا التوازي خلق إحساسًا عميقًا بالطمأنينة: لا شيء يُستبدل، بل كل شيء يتمدد ويتطور.
ولأن الإنسان في قلب هذا التحول، فقد انعكس أثره على طريقة النظر إلى الحياة نفسها. أصبح الفرح قيمة أخلاقية واجتماعية، وليس ترفًا أو مجاملة. لم يعد يُنظر إلى السياحة والترفيه بوصفه انقطاعًا عن الجدية، بل كجزء من التوازن الإنساني. فالمجتمع الذي يحتفي بالحياة يصبح أكثر قدرة على العمل والإنتاج والتفكير والابتكار. والإنسان الذي يملك مساحة للدهشة والجمال هو إنسان قادر على أن يبدع ويتطور.
ومع تصاعد هذا الوعي، ازدادت مسئولية العاملين في قطاع السياحة، فصاروا يضعون أمام أعينهم سؤالًا مهمًا: ماذا نضيف للناس؟ ماذا نبني في داخلهم؟ وهنا بدأت التجربة تأخذ عمقًا جديدًا. فالهدف لم يعد تنظيم حدث ناجح فحسب، بل خلق أثر يبقى. أثر في الذاكرة، في الروح، في النظرة للذات. ولذلك أصبح الاهتمام بالسردية الثقافية جزءًا أساسيًا من التخطيط. لم يعد المهم فقط ما يُعرض، بل لماذا يُعرض، وكيف يُفهم، وماذا يقول عن الإنسان والمكان.
وقد أدت هذه التحولات إلى ظهور نضج اجتماعي واضح. لم يعد المجتمع يتلقى التجارب الجديدة بقلق أو حذر، بل بالقدرة على التفريق بين ما يناسب قيمه وما لا يناسبها. وأصبحت الهوية هنا ليست جدار حماية، بل بوصلة. وهذا ما يجعل المملكة نموذجًا فريدًا: فهي لا تنغلق خوفًا من التغيير، ولا تنفتح حتى الذوبان، بل تسير بثقة على جسر يصنعه أبناؤها بأيديهم، بين جذور عميقة وأفق واسع.
وهكذا، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تحديث في شكل الحياة العامة، بل تحديث في الوعي ذاته. وعي بأن الفرح قوة، والثقافة جذر، والهوية روح، وأن الوطن لا يُبنى فقط بالمشاريع الكبرى، بل أيضًا باللحظات الصغيرة التي تجمع الناس وتمنحهم إحساسًا بأنهم معًا، وأنهم ينتمون إلى شيء أكبر، شيء ينمو معهم وينمون معه.

(6)
السياحة كأداة دبلوماسية ناعمة
عندما يتحدث العالم عن صورة الدول وهيبتها ومكانتها، لا يكون الحديث عن القوة العسكرية وحدها، ولا عن المؤشرات الاقتصادية الجافة، بل عن تلك الصورة المتشكلة في الوعي العام لدى الشعوب الأخرى. هذه الصورة لا تُبنى عبر الخطابات السياسية ولا عبر الحملات الإعلامية فقط، بل من خلال ما يراه الناس، وما يلمسونه، وما يختبرونه من حياة وثقافة وأساليب تواصل. ومن هنا أصبحت السياحة، بما يحمله من خفة ظاهرية، أداة عميقة التأثير في تشكيل الانطباعات، وإعادة تقديم الهوية بصورة ناعمة، قريبة، وإنسانية.
لقد أدركت المملكة هذا المعنى، فلم تتعامل مع السياحة بوصفه مجرد متعة أو ترف، بل بوصفه لغة تواصل حضارية يمكن من خلالها أن تتحدث إلى العالم من دون أن ترفع صوتها. حين يشاهد العالم مهرجانًا فنيًا في الرياض يحضره فنانون من الشرق والغرب، أو مسابقة رياضية دولية في جدة تستقطب متابعين من عشرات البلدان، أو حفلاً موسيقيًا ينعقد في العلا محتضنًا التاريخ والجغرافيا في قلب صخر صامت، فإن الانطباع الذي يتشكل في ذهن المشاهد لا يحتاج إلى شرح: هناك دولة تتغير، وتتحرك، وتثق في نفسها، ولا تخشى أن تُظهر تنوعها وطاقتها وحيويتها.
إن السياحة في المملكة لم يأتِ ليغطي فراغًا أو ليملأ وقتًا، بل جاء نتيجة رؤية واضحة تنظر إلى الإنسان السعودي بوصفه عنصرًا فاعلًا في الحضارة المعاصرة. لقد كانت الصورة الخارجية للمملكة قبل سنوات قليلة صورة جامدة في أذهان كثيرين، تختزل المجتمع في نمط واحد لا يعبر عن واقعه ولا عن تعدده. ومع بدء الفعاليات الكبرى، بدأت هذه الصورة تتحرك من مكانها. بدأ العالم يشاهد الإنسان السعودي كما هو: مبتكرًا، منظمًا، قادرًا على صناعة حدث عالمي، وعلى استضافة العالم بثقة لا افتعال فيها.
وأصبح والزائر الأجنبي حين يأتي اليوم إلى المملكة، لا يأتي مجرد سائح عابر، بل يدخل في تجربة ثقافية حقيقية؛ يرى الرقصات الشعبية المختلفة في موسم الجنادرية، ويسمع الموسيقى العربية في مسارح الرياض، ويتذوق المأكولات التقليدية في مناطق متنوعة، ويشاهد في الوقت نفسه حفلات عالمية وسباقات دولية وعروضًا ذات جودة تقنية عالية. هكذا تتجاور الهوية والانفتاح دون صدام، ودون أن تفقد المملكة نفسها في محاولة لإرضاء الآخر. فالسياحة والترفيه هنا لا يذيب الشخصية، بل يعرضها بثقة.
ولعل من أبرز ما تحمله السياحة من أثر دبلوماسي ناعم هو أنه ينزع الغربة بين الشعوب. العالم اليوم يعرف المدن السعودية بأسمائها وليس فقط باسم الدولة؛ الرياض بفعالياتها، جدة ببحرها ومهرجاناتها، العلا بمسارحها بين الجبال، والدرعية بتاريخها الذي صار مشهدًا حيًا لا نصًا مكتوبًا. هذه التفاصيل الصغيرة المتراكمة هي التي تصنع على المدى الطويل صورة جديدة في الوعي العالمي. صورة لا يمكن شراءها، ولا يمكن فرضها، بل تتشكل تدريجيًا عبر المشاهدة والمشاركة والدهشة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي الذي رافق هذا التحول. فالسياحة والترفيه لم يكن قشرة لامعة على سطح الواقع، بل أسس لصناعة متكاملة خلقت فرص عمل واسعة، ودفعت الشباب والشابات إلى ميادين لم يكونوا يفكرون بها يومًا: تنظيم الأحداث العالمية، إدارة الإنتاج، الإضاءة المسرحية، الصوت، التسويق الإبداعي، تصميم التجارب البصرية، فنون العروض، والضيافة الراقية. لقد أصبحت السياحة ليست فقط وسيلة لعرض الهوية، بل فرصة لبناءها من الداخل.
ومع مرور الوقت، لم تعد المملكة تقدم صورة جديدة للعالم فقط، بل للعرب أيضًا. صار العربي الذي يزور الرياض أو العلا أو جدة يخرج بانطباع مختلف عمّا كان يحتفظ به في ذاكرته القديمة. يعود إلى بلده وهو يتحدث عن الحياة لا الخطابات، وعن الناس لا الأخبار، وعن التجربة لا التصورات الجاهزة. وهذه هي الدبلوماسية الناعمة: تغيير الصورة من الداخل، بلطف، بعمق، ومن دون صدام.
إن السياحة في المملكة اليوم لا يقول: “انظروا إلينا”، بل يقول: “تعالوا وعيشوا معنا لحظة إنسانية”. ومن يعيش اللحظة يعود وهو يحمل سردًا جديدًا. وهذا السرد هو الذي يكتبه العالم لاحقًا، ويصبح جزءًا من ذاكرة الشعوب.
وبهذا المعنى، فإن السياحة السعودية أصبحت لغة سلام ثقافي، وجسر حوار صامت، وقوة تأثير هادئة، تُعيد تعريف المملكة في الوعي العالمي، لا بالكلمات، بل بالمشهد، والفعل، والروح.
ومن المهم أن ندرك أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، ولا مجرد قرار فوقي منفصل عن المجتمع، بل كان نتيجة تراكم طويل من الوعي الجديد لدى الأجيال الصاعدة التي صارت ترى العالم على اتساعه، وتدرك أن الانفتاح لا يعني التفريط، وأن الاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع قبول الآخر. ولذلك كانت السياحة والترفيه في صورته السعودية الحديثة متوازنًا؛ لا يتجه إلى نسخة مستوردة من تجارب دول أخرى، ولا يتقوقع داخل قوالب جامدة تخشى التغيير، بل يسير في مسار واضح: هوية حاضرة، وانفتاح واثق، وإنتاج ثقافي لا ينعزل عن العالم ولا يذوب فيه.
وإذا تأملنا حضور المملكة في الوعي الثقافي العالمي قبل هذا التحول وبعده، لاحظنا فرقًا كبيرًا. ففي السابق كان الحديث عن السعودية يقتصر غالبًا على السياسة والاقتصاد والدين. أما اليوم فقد دخلت عناصر جديدة إلى المجال العام: الموسيقى، السينما، الفعاليات العالمية، الرياضات الحديثة، المعارض، العروض الحية، الفنون البصرية. هذه المجالات لم تغيّر فقط ما يقوله الآخرون عن المملكة، بل غيّرت أيضًا الطريقة التي يتفاعل بها هذا الآخر مع المملكة. صار هناك فضول إيجابي، ونظرة مختلفة، ورغبة في معرفة ما يجري، وليس الاكتفاء بالأحكام الجاهزة.
ولنأخذ مثالاً بسيطًا لكنه عميق الدلالة: عندما يأتي فنان عالمي كبير ويقف في مدينة سعودية أمام جمهور سعودي وعربي ودولي في آن واحد، فإن هذا المشهد لا يمر عابرًا في الذاكرة العالمية. إنه لحظة تقول فيها المملكة للعالم: نحن هنا، نشارككم الإبداع، لكن على أرضنا، ووفق رؤيتنا، وفي سياقنا الثقافي الخاص. هذه اللحظة وحدها تساوي في أثرها عشرات الحملات الإعلامية التي قد يستغرق تأثيرها سنوات.
وفي المقابل، حين يسافر الزائر بعد انتهاء زيارته، فإنه لا يغادر خالي اليدين. إنه يغادر ومعه قصة. والقصة هي أقوى وسيلة لنقل الصورة والوجدان. ربما يروي تفاصيل صغيرة: حسن استقبال موظف في فندق، أو دفء ترحيب عابر في مطعم، أو مشهد جمع بين التاريخ والحياة المعاصرة، أو حوارًا بسيطًا مع شاب سعودي يعمل في تنظيم فعالية. هذه التفاصيل الصغيرة حين تتراكم وتنتقل من شخص إلى آخر تتحول إلى رأي عام، والرأي العام هو الذي يصنع القوة الناعمة للدول.
وقد أثبتت التجربة أن هذه الطريقة في تقديم الذات أكثر تأثيرًا من الدعاية المباشرة. لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى ما يراه ويلمس روحه، لا إلى ما يُقال له بصورة دعائية. ولهذا كانت السياحة والترفيه في المملكة ليس وسيلة تلميع، بل مساحة معيشة تُظهر الإنسان السعودي بطبيعته الحقيقية: كريمًا، مضيافًا، محبًا للحياة، قادرًا على الابتكار وإدارة التفاصيل، ومتمسكًا بقيمه من دون أن يغلق نوافذه على العالم.
ومع تكرار هذه اللحظات على مدى السنوات، تتشكل صورة جديدة للمملكة على المستوى العالمي: دولة تجمع بين التاريخ والحداثة، بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على المستقبل، بين الأصالة والقدرة على الحركة. وهذه الصورة لا تُفرض، بل تتكوّن بهدوء، كما ينمو الغصن في الشجرة من دون ضجيج.
وهكذا تصبح السياحة ليست مجرد أداة للتسلية، بل أداة لبناء الجسور، وتوسيع مساحات الفهم، وخلق ذاكرة مشتركة بين الشعوب. وفي عالم يتزايد فيه الصخب السياسي، تبدو هذه القوة الناعمة أكثر أشكال القوة فاعلية واستمرارًا.
وتزداد قيمة هذا التحول وضوحًا حين نلاحظ أن الترفيه لم يُقدَّم كعنصر منعزل عن البنية الاجتماعية، بل جاء مرتبطًا بمشاريع عمرانية وثقافية وسياحية تعيد تشكيل المدن السعودية نفسها. فالرياض لم تعد فقط عاصمة سياسية وإدارية، بل أصبحت فضاءً واسعًا للملتقيات والحفلات والمهرجانات والمعارض، ما يخلق ذاكرة جديدة للمدينة يشارك في بنائها السكان والزوار معًا. وجدة كذلك صارت مدينة تتسع للبحر وللفنون، وللرياضات البحرية وللمهرجانات التي تحمل روحها الخاصة، بينما تحولت العلا إلى مسرح مفتوح يلتقي فيه التاريخ بالحاضر في صورة لا تتكرر في أي موضع آخر من العالم. هذه المدن، بهذا المعنى، لم تعد أماكن ثابتة، بل سرديات حية تحمل رسائل صامتة عن الإنسان والأرض والهوية.
والتواصل الإنساني الذي يتحقق عبر السياحة هو تواصل ناعم لكنه قوي. فحين يقف الزائر أمام لوحة أو يستمع إلى موسيقى أو يشاهد عرضًا فنيًا، فإنه لا يتلقى فقط حدثًا ترفيهيًا، بل يعيش حوارًا روحيًا وثقافيًا غير منطوق. هذا الحوار لا يحتاج إلى ترجمة، ولا تصنعه الكلمات، بل تصنعه التجربة المشتركة. ومن هنا، تصبح السياحة مساحة لتقاطع البشر من خلفيات مختلفة، يتعرفون فيها على بعضهم البعض من خلال الفن والمشهد والشعور، لا من خلال الجدل أو الخطابات.
كما أن حضور الشباب السعودي في قلب هذه الصناعة يحمل بُعدًا إضافيًا؛ فظهور طاقات شابة تنظم وتدير وتشرف وتتخذ قرارات في مواقع حيوية يرسل رسالة أخرى إلى العالم: أن هذه الدولة ليست فقط دولة موارد، بل دولة عقول وقدرات. وأن مستقبلها لا يبنى على ما تملكه من ثروات، بل على ما يملكه أبناؤها من خيال وإصرار. وهذا النوع من الرسائل لا يُعلن في بيانات رسمية، بل يُرى في التفاصيل اليومية، في وجه شاب يقود منصة فعالية عالمية بثقة وبساطة.
وهكذا يتضح أن السياحة في المملكة لم يُستخدم ليُضيف طبقة شكلية إلى صورة جاهزة، بل استخدم ليُعيد تشكيل الصورة من جذورها. إذ تتكون القوة الناعمة الحقيقية حين يشعر العالم بأن ما يراه هو حياة صادقة وليست استعراضًا مصطنعًا. وعندما يرى الآخرون أن هذه الحياة تنبض بالانسجام بين الماضي والحاضر، وبين الأصالة والانفتاح، فإن الرسالة تصل من غير أن تُقال: هنا أمة تعرف نفسها، وتعرف كيف تخاطب العالم دون أن تفقد صوتها.
إن هذه الصورة الجديدة التي تشكلها المملكة عبر السياحة لا تقوم على المفارقة أو القطع مع الماضي، بل تقوم على إعادة قراءة هذا الماضي في ضوء الحاضر. فالهوية السعودية ليست شيئًا مكتوبًا في أروقة التاريخ فقط، بل هي نسيج حي من العادات والألحان والملابس والحكايات والوجوه واللغات واللهجات، وهذه كلها وجدت نفسها اليوم تتنفس في فضاء أرحب. حين تُعرض رقصة السامري أو العرضة أو الخطوات اليمانية في مسارح عالمية أو في فعاليات دولية، فإن هذا ليس ترفيهًا فقط، بل إعلان لطيف عن حضور ثقافي عميق. وحين يشارك شباب سعوديون في إنتاج أفلام أو موسيقى أو عروض أدائية تتوزع في أنحاء المنطقة، فإن ذلك يخلق موجة تأثير ثقافي تمتد بصمت ولكن بثبات.
لقد أصبح للسياحة نافذة تُرى من خلالها المملكة لا كما تصورها التقارير الإعلامية، بل كما هي في الحقيقة اليومية. فالمملكة ليست مؤشرات اقتصادية، أو سياسات
خارجية، أو مواقف إقليمية. إنها كذلك إنسان يضحك ويغني ويرقص ويحتفل ويبتكر، وهذه الجوانب، رغم بساطتها

الظاهرية، لها أثر عميق في تشكيل مكانة الدول في وجدان الشعوب.
وهكذا تصبح السياحة في المملكة ليست مجرد صناعة ترفيهية، بل صناعة معنى وصورة وذاكرة. وهذا النوع من الصناعة هو الذي يبقى أطول من العمر الافتراضي لأي حدث أو فعالية. فهو لا ينتهي بانتهاء العرض، بل يبدأ من بعده، حين يعود كل فرد إلى بيئته حاملاً سردًا جديدًا عن المملكة، يحكيه ببساطة، وربما بحماس، وربما بدهشة. وهذه السرديات الصغيرة المتراكمة هي التي تصنع في النهاية قوة ناعمة تستقر في الوجدان العالمي بثبات لا يحتاج إلى صخب.

(7)
الفرص المستقبلية
عند النظر إلى مستقبل صناعة السياحة في المملكة، نجد منظومة تشغيلية متكاملة تنتج قيمة اقتصادية حقيقية، سواء عبر السياحة الداخلية والخارجية أو عبر خلق وظائف نوعية أو تطوير الصناعات المساندة مثل الفنادق، النقل، التقنية، والإنتاج الإعلامي. ومن هنا تأتي أهمية بناء كوادر وطنية قادرة على التخطيط والتصميم والتنفيذ، بحيث يصبح القطاع قائماً على خبرة محلية لا مجرد استيراد فرق أجنبية مؤقتة.
أما على مستوى التكنولوجيا، فقد أصبح دورها اليوم محورياً في تشكيل التجربة السياحية ذاتها. إذ لم يعد الحدث مجرد أداء أو عرض يُشاهد، بل أصبح تجربة متعددة الحواس، تتداخل فيها الصورة والضوء والمؤثرات البصرية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. والحضور لم يعد دائماً حضوراً جسدياً، بل يمكن أن يكون حضوراً افتراضياً من خلال البث المباشر أو التفاعلات الرقمية أو الواقع المعزز. وإذا كانت المملكة تسابق الزمن في تطوير بنيتها الرقمية، فإن هذا يمنحها فرصة غير مسبوقة لتكون من أوائل الدول التي تدمج السياحة التقليدية بالسياحة التقنية المتقدمة. فعروض الهولوغرام التي أعادت إحياء أصوات كبار الفنانين، أو المهرجانات التي تستخدم تقنيات الخرائط الضوئية على المباني والمعالم، هي شواهد على أن السياحة والترفيه لم يعد محصورًا في المسرح أو الحفلة، بل أصبح مشروعاً معرفياً وتقنياً يتطور باستمرار.
وفي استشراف المستقبل، يبدو المشهد مفتوحاً أمام آفاق واسعة. فدخول المملكة في مشاريع كبرى مثل “العلا” و”القدية” و”البحر الأحمر” و”نيوم” لا يعد مجرد توسع في البنية التحتية، بل هو إعلان عن صياغة مفهوم جديد للترفيه يقوم على الدمج بين الطبيعة والثقافة والفنون والابتكار. ترفيه لا ينحصر في مشاهدة حدث، بل في عيش تجربة شاملة. ومن المنتظر أن تتحول هذه الوجهات مع مرور السنوات إلى علامات عالمية تنافس أشهر المراكز الثقافية والسياحية على مستوى العالم.
إن مستقبل صناعة السياحة السعودية ليست مجرد إمكانية أو مشروع قيد التشكيل؛ بل هو مسار مستمر، تتحرك فيه الدولة بوعي وتخطيط. ومع كل خطوة، تتسع مساحة التقبل المجتمعي، وتتطور الأطر القانونية، وتزداد قدرة القطاع على تحقيق مردود اقتصادي ملموس. والتحديات، مهما بدت كبيرة، ليست عوائق بقدر ما هي نقاط اختبار ونضج. فالتحول الثقافي بطبيعته لا يحدث فجأة، بل يتشكل ببطء، عبر تراكم التجارب وتوازنها وتقييمها بعين نقدية حريصة على ألا تخسر البلاد جوهرها وهي تكسب العالم.
وفي نهاية المطاف، فإن السياحة في المملكة ليست نقيضًا للجدية أو للهوية أو للقيم، بل هي إحدى صور حياة متوازنة، تتسع فيها الروح للعمل والإنجاز كما تتسع للفرح والدهشة والدهشة الجمالية. وإذا كان المستقبل يُصنع اليوم بقرارات حكيمة ورؤية بعيدة، فإن صناعة السياحة تقف كأحد رموز هذا المستقبل: واثقة، متجذرة، ومنطلقة في آن واحد.
وفي هذا السياق، تبدو التكنولوجيا اليوم ليست مجرد أداة مساعدة للترفيه، بل جزءاً من بنيته الأساسية، وعنصراً محورياً في التغلب على التحديات المرتبطة بالوصول والانتشار والاستدامة. إذ إن قدرة الفعاليات على الوصول إلى جمهور واسع، داخل المملكة وخارجها، لم تعد رهن الموقع الجغرافي أو القدرة الاستيعابية للمكان، بل أصبحت مرتبطة بمدى فاعلية المنصات الرقمية التي تُتيح حضوراً افتراضياً يوازي الحضور الواقعي في كثير من الأحيان. ومن خلال هذه الإمكانية، يمكن للترفيه السعودي أن يعبر الحدود دون الحاجة إلى سفر الجمهور أو انتقال المنظمين، فالعرض الذي يُقام في الرياض أو العلا يمكن أن يشاهده الملايين في أماكن متباعدة حول العالم، وبذلك تتحقق قيمة دبلوماسية ناعمة تتجاوز حدود ما يمكن لأي حدث تقليدي وحده أن يحققه.
ولعل التكنولوجيا تُسهم كذلك في بناء اقتصاد ترفيهي أكثر تماسكاً، من خلال القدرة على تحليل بيانات الجمهور وفهم احتياجاته وتوجهاته. فالمنصات الرقمية، وتطبيقات الحجز، ونظم إدارة الفعاليات، ليست مجرد أدوات تنظيمية، بل هي مصادر تُنتج بيانات دقيقة حول تفضيلات الفئات العمرية، وقدرتهم على الإنفاق، ونوعية المحتوى الذي يلقى اهتماماً واسعاً. وبمقدار ما تتراكم هذه البيانات، يصبح بإمكان الجهات المنظمة اتخاذ قرارات أكثر حكمة وتخطيطاً، بحيث تُقدم فعاليات ذات جدوى اقتصادية أعلى، وتقلّ احتمالات المخاطرة أو الهدر في الموارد. كما تتيح هذه البيانات بناء نموذج أعمال طويل المدى، يُسهم تدريجياً في تحويل صناعة السياحة من اعتمادها على الدعم المباشر إلى قطاع قادر على تمويل نفسه بذاته عبر السوق.
والتكنولوجيا كذلك تُشكل جسراً للتعاون والشراكات الدولية؛ فالعالم اليوم يتجه نحو البث المتزامن، والإنتاج المشترك، وتطوير العروض التفاعلية التي تُنفذ عبر الحدود. وهذا يعني أن المملكة يمكن أن تكون طرفاً فاعلاً في إنتاجات كبرى دون الحاجة إلى نقل كل شيء مادياً إلى الداخل. بل يمكن أن تكون الفعالية سعودية في رؤيتها وروحها، وعالمية في تنفيذها وتقنياتها وفريق عملها. وهذا النوع من التعاون لا يُسهم فقط في تعزيز موقع المملكة في المشهد الثقافي العالمي، بل يساعد أيضاً في نقل الخبرة، وتطوير القدرات المحلية، ورفع جودة الإنتاج عاماً بعد عام.
ولأن السياحة ليست نشاطاً منفصلاً عن المجتمع، فإن التكنولوجيا توفر كذلك مساراً للتفاعل المباشر بين الجمهور وصنّاع المحتوى. فالجمهور لم يعد متلقياً صامتاً، بل أصبح جزءاً من تشكيل التجربة ذاتها، يُبدي رأيه، ويُشارك في الاقتراح، ويُسهم أحياناً في صناعة المشهد من خلال المحتوى الذي ينتجه وينشره عبر منصات التواصل. وهذا الدور التفاعلي يجعل السياحة أكثر قرباً للناس، وأكثر قدرة على التعبير عنهم وعن ذائقتهم المتغيرة.
إن التكنولوجيا، في محصلتها النهائية، ليست بديلاً عن الثقافة أو عن الروح المحلية، وإنما هي وسيلة لتوسيع أثرهما وتعزيز حضورهما. فالسياحة والترفيه السعودي، حين يستخدم التكنولوجيا بوعي، لا يفقد أصالته، بل يكتسب قدرة أكبر على إيصال ذاته للعالم. وهكذا يصبح المستقبل ليس مجرد تطور تقني، بل تزاوجاً بين الجذور والآفاق؛ بين ما يميز المجتمع وما يجعله جزءاً فاعلاً من العالم الحديث.
ومع ذلك، فإن مستقبل هذه الصناعة لا يتوقف فقط على التطوير المادي أو التقني أو التنظيمي، بل يتوقف أيضاً على قدرة المجتمع نفسه على استيعاب هذا التحول والعيش فيه بوعي. فصناعة السياحة، في جوهرها، تعبير عن نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم من حوله. وكلما اتسعت زاوية الرؤية، أصبح الترفيه مساحة للتعبير الوجودي لا مجرد لحظة استهلاك عابرة. وهنا تتضح أهمية الحوار المجتمعي المستمر حول طبيعة المحتوى، وحدود التجربة، ومعنى الاحتفال بالحياة داخل إطار يحافظ على القيم الأساسية ولا يسمح بذوبانها. فالترفيه الناجح هو ذاك الذي يخلق لحظة فرح دون أن يُحدث قطيعة مع التاريخ، ويضيف إلى الذاكرة الجماعية بدلاً من أن يفرغها أو يستبدل رموزها.
ومن المهم كذلك تأمل أثر السياحة على الأجيال الجديدة. فالشباب الذين نشأوا في ظل هذا التحول، لا يرون السياحة والترفيه كما رآه من قبلهم؛ إنهم لا ينظرون إليه كشيء خارج عن حياتهم، بل يرونه جزءًا من إيقاع يومي يعبر عنهم ويتيح لهم التفاعل مع العالم بلغته المعاصرة. وهذه الأجيال تحمل معها طاقات إبداعية، وأحلاماً مهنية، واستعداداً للاندماج في صناعات جديدة لم تكن موجودة سابقًا، ما يعني أن قطاع السياحة ليس مجرد وجه جديد للحياة العامة، بل هو أيضاً فرصة لبناء مستقبل مهني وثقافي للشباب. وفي هذا المعنى، تصبح السياحة ويصبح الترفيه أحد عناصر بناء الإنسان لا مجرد مساحة لاستهلاك الوقت.
ومع مرور الوقت، سوف تتشكل تقاليد جديدة داخل هذه الصناعة؛ تقاليد إنتاج، وتقاليد حضور، وتقاليد تقييم أيضاً. فالمجتمع يتعلم كيف يتذوق الفن كما يتذوق الطعام، وكيف يختار الفعاليات التي تحمل قيمة حقيقية، وكيف يميز بين ما يضيف إلى حياته وما يمر فيها كعابر. وهذا الوعي الذوقي، إن صح التعبير، هو عنصر أساسي لضمان ألا تتحول صناعة السياحة إلى ضوضاء بلا روح، أو إلى سباق استهلاك بلا معنى. فالجمال يحتاج إلى من يراه، والحدث يحتاج إلى من يفهم سياقه، والمشهد يحتاج إلى من يدرك ما يربطه بالأرض والإنسان.
وفي جانب آخر، فإن المستقبل يحمل إمكانية أن تصبح المملكة مركزًا للابتكار في صناعة التجارب السياحية نفسها، لا مجرد مستهلك أو مستضيف لها. فعندما تمتلك الدولة قاعدة بشرية شابة، واقتصادًا متماسكًا، وقدرة على جذب الشركات العالمية، وتاريخًا ثقافيًا غنيًا، فإن إمكان أن تنشأ مدارس فنية جديدة، وأساليب إنتاج مبتكرة، وأشكال ترفيه لم يسبق لها مثيل، يصبح أمرًا واقعيًا لا خيالًا. فالدول التي تمكنت من صناعة بصمتها في مجال السياحة العالمية لم تفعل ذلك فقط عبر الثروة أو التقنية، بل عبر القدرة على إنتاج معنى. والمعنى هنا هو الهوية حين تتحرك، وتتحدث، وتعرض نفسها بثقة أمام العالم.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي في السنوات القادمة سيكون على عمق التجربة الثقافية التي يعيشها الفرد داخل هذه الفضاءات. وهو يشعر بأنه استعاد جزءًا من ذاته، أو اكتشف بعدًا جديدًا في أرضه وثقافته، أو شعر بأن هذه اللحظة التي عاشها تحمل قيمة تستحق أن تُروى وتُحفظ، فإن السياحة يكون قد أدت دورها كاملاً.

(8)
تركي آل الشيخ.. هندسة البهجة في إطار الرؤية الكبرى
قد يبدو تأخير الحديث عن دور معالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ في صناعة الترفيه والسياحة أمرًا لافتًا، رغم حضوره الطاغي في المشهد العام، غير أن هذا التأخير لم يكن إغفالًا ولا تقليلًا من الأثر، بل كان مقصودًا بوصفه جزءًا من منهج هذا الكتاب، الذي آثر أن يبدأ من الرؤية الكلية، ومن الإطار الاستراتيجي الذي وضعه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء – ثم ينتقل إلى الأدوار التنفيذية الكبرى التي ترجمت الحلم إلى واقع. وفي هذا السياق، يبرز اسم تركي آل الشيخ باعتباره أحد أهم صُنّاع التحوّل في قطاع الترفيه، وأحد أبرز العقول التي أعادت تعريف العلاقة بين الترفيه والسياحة والاقتصاد والصورة الذهنية للمملكة.
لم يكن الترفيه في المملكة قبل رؤية 2030 قطاعًا قائمًا بذاته، ولا صناعةً متكاملة الأركان، بل كان نشاطًا محدودًا وموسميًا، يخضع لاجتهادات متفرقة. ومع انطلاق الرؤية، ظهر وعي جديد بأن الترفيه ليس نقيضًا للقيم، ولا ترفًا اجتماعيًا، بل رافعة اقتصادية وسياحية وثقافية قادرة على جذب الزوار، وتحريك المدن، وبناء إنسان متوازن يشعر بأن الحياة جزء من مشروع الوطن.
في هذا السياق، جاء دور تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، ليشكّل نقطة التحوّل الفعلية من التنظير إلى التنفيذ. فقد تعامل مع الترفيه بوصفه صناعة احترافية عالمية، لا مجرد فعاليات عابرة، وأدرك أن نجاحها لا يتحقق إلا إذا خُطّط لها بعقل اقتصادي، ونُفّذت بروح إبداعية، وربطت مباشرة بتجربة السائح والزائر.
نجح آل الشيخ في نقل الترفيه من الهامش إلى قلب المشهد السياحي، فغدت المواسم الترفيهية، وفي مقدّمتها موسم الرياض، منصات جذب عالمية تستقطب ملايين الزوار من داخل المملكة وخارجها، وتحوّل المدن إلى مسارح مفتوحة للحياة. ولم يكن ذلك النجاح قائمًا على الاستيراد الأعمى للتجارب، بل على إعادة صياغتها بما ينسجم مع الهوية السعودية، ويجمع بين العالمية والخصوصية المحلية.
لقد أعاد تركي آل الشيخ تعريف مفهوم الفعالية الترفيهية، فجعلها تجربة متكاملة تشمل الفن، والرياضة، والموسيقى، والمسرح، والمطاعم، والضيافة، والتسوق، والإعلام، وهو ما خلق دورة اقتصادية متشابكة تخدم السياحة بشكل مباشر. فالزائر لم يعد يأتي لحضور حفل فقط، بل ليقيم أيامًا، ويستهلك خدمات، ويكوّن صورة ذهنية إيجابية ينقلها إلى العالم.
كما أدرك أن صناعة الترفيه لا تنجح دون صناعة النجوم، فعمل على تمكين المواهب المحلية، وفتح المجال أمام الفنانين والمبدعين السعوديين ليكونوا جزءًا من المشهد، لا مجرد متفرجين عليه. وبذلك، تحوّل الترفيه إلى أداة لبناء الثقة بالذات الثقافية، وإلى مساحة يتلاقى فيها المحلي مع العالمي دون عقد نقص أو شعور بالدونية.
وفي ظل توجّهات ولي العهد، لم يكن دور تركي آل الشيخ منفصلًا عن مشروع الدولة، بل كان امتدادًا عمليًا له. فقد التزم الترفيه بالمعادلة التي أرستها الرؤية: بهجة لا تصادم القيم، وانفتاح لا يذيب الهوية، وحداثة لا تقطع مع الجذور. ولذلك حافظت الفعاليات على طابعها العربي والإسلامي، مع استخدام أحدث تقنيات العرض والإنتاج والتنظيم.
وعلى المستوى السياحي، أسهمت هذه الصناعة في تغيير الخريطة الموسمية للزيارة، فلم تعد السياحة مقتصرة على الحج والعمرة أو فترات محدودة، بل أصبحت ممتدة على مدار العام، مدفوعةً بمواسم وفعاليات تخلق أسبابًا متجددة للزيارة. وهو ما انعكس بوضوح على أعداد الزوار، ومعدلات الإشغال الفندقي، وحركة الطيران، والاقتصاد المحلي للمدن.
إن تجربة تركي آل الشيخ في الترفيه تؤكد أن القيادة التنفيذية حين تمتلك الجرأة، والخيال، والقدرة على اتخاذ القرار، تستطيع أن تصنع فارقًا حقيقيًا في وقت قياسي. فقد نجح في تحويل الترفيه إلى لغة عالمية تخاطب الشعوب، وإلى أداة من أدوات القوة الناعمة التي تُعيد تقديم المملكة بوصفها دولة حديثة، واثقة، ومتصالحة مع الحياة.
وهكذا، لا يمكن قراءة صناعة السياحة في السعودية بمعزل عن صناعة الترفيه، ولا يمكن فهم نجاح الترفيه دون إدراك أنه جزء من رؤية أكبر قادها ولي العهد، ونفّذها رجال آمنوا بالفكرة، وكان تركي آل الشيخ في مقدّمتهم. إنه فصل من فصول التحوّل الوطني، حيث تتحول البهجة إلى اقتصاد، والثقافة إلى جسر، والإنسان إلى محور كل شيء.

الخاتمة

إن استثمار البهجة في الإنسان لم يكن خطوة جانبية في مسار التنمية السعودية، بل كان اختيارًا واعيًا يعيد للروح حقها في أن تحتفل بالحياة، ويعيد للمجتمع قدرته على أن يرى ذاته جميلة، متوازنة، وواثقة من حضورها في العالم. لقد أثبتت التجربة السعودية أن السياحة ليست نقيضًا للقيم، ولا خصمًا للجدية، بل هو امتداد طبيعي لحياةٍ ينمو فيها الإنسان على العمل كما ينمو على الفرح، وعلى الإنتاج كما ينمو على الذوق والوعي والإحساس بالجمال.
لقد رأينا كيف تحولت صناعة السياحة من فكرة ناشئة إلى منظومة متكاملة، تتشابك مع الاقتصاد والثقافة والهوية والدبلوماسية الناعمة. لم تعد السياحة فعلاً استهلاكيًا عابرًا، بل أصبحت قطاعًا اقتصاديًا حقيقيًا يخلق الوظائف، وينشّط الأسواق، ويجذب الفنان والمستثمر والسائح والباحث عن تجربة مختلفة. ومع كل موسم وفعالية ومهرجان، تتعزز ملامح مشهد سعودي جديد: مشهد يرفع رأسه بثقة، ويعلن أنه قادر على صناعة الفرح بجودة عالمية وروح محلية لا تُقلَّد ولا تُستعان من الخارج.
وما كان لهذا التحول أن يتحقق لو لم تكن هناك رؤية دقيقة تقود الخطى، وإرادة سياسية تدرك أن بناء الإنسان لا يكون بالاقتصاد وحده، ولا بالبنية التحتية وحدها، بل ببناء ذوقه ووجدانه والفضاء الذي يتحرك فيه. وهنا يتجلى دور القيادة السعودية، التي جعلت السياحة والترفيه جزءًا لا يتجزأ من جودة الحياة، لا بوصفه ترفًا، بل بوصفه حقًا من حقوق المواطن، ومساحة يلتقي فيها المجتمع ليعيد اكتشاف ذاته، ويحتفل بقيمه، ويبتكر لغته الخاصة في التعبير.
ومن هنا يبدأ المستقبل. فالمملكة اليوم لا تفتح أبوابها للزوار فقط، بل تفتح أبوابها للعالم ليكتشف نموذجًا جديدًا في صناعة الفرح. نموذج يقوم على الأصالة لا على الاستنساخ، وعلى الانطلاق لا على الفوضى، وعلى احترام الإنسان لا على استهلاكه. فالمدن التي تتلألأ مواسمها، والمسارح التي تمتلئ بالحياة، والمواقع التاريخية التي تعود للتنفس من جديد، كلها تقول شيئًا واحدًا: إن المملكة لا تبني فعاليات، بل تبني ذاكرة جديدة لأبنائها، وصورة جديدة لها في وعي العالم.
وهكذا تصبح السياحة ليست مجرد مجال من مجالات الرؤية، بل أحد توقعاتها الكبرى. توقعٌ يقول إن المملكة قادرة على أن تكون قوية وجميلة في آن واحد؛ صلبة في مبادئها، منفتحة في ثقافتها، راسخة في جذورها، متجهة بثقة نحو الأفق.

الفهرس
الموضوع الصفحة
الإهداء 5
المقدمة 7
(1) السعودية حيث تنهض الرؤية 10
(2) دور القيادة في صناعة السياحة 16
(3) البنية الاقتصادية لصناعة السياحة 27
(4) الفعاليات والمهرجانات الكبرى 36
(5) السياحة والثقافة والهوية 45
(6) السياحة كأداة دبلوماسية ناعمة 56
(7) التحديات والفرص المستقبلية 67
(8) تركي آل الشيخ .. هندسة البهجة 74
الخاتمة 78

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى