المقدمة:
حين تتحول الشعارات إلى أصنام
في كل زمنٍ، لا تُصنع الأصنام من حجرٍ فقط، بل تُنحت من أفكار، وتُكسى بشعارات، وتُمنح قداسةً لا تُمس. تتغير الأسماء، وتختلف الرايات، لكن الآلية تبقى واحدة عبارة عن فكرةٌ تُرفع فوق النقد، وزعيمٌ يُحاط بهالة زائفة من التبجيل، وجماعةٌ ترى نفسها امتدادًا للحقيقة المطلقة. وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال: هل الفكرة صحيحة أم خاطئة؟ بل يصبح: من يجرؤ على الاقتراب منها أصلًا؟
ولعل أخطر ما في هذه الأصنام الحديثة أنها لا تُرى بالعين، فلا تُكسر بسهولة، ولا يُلتفت إلى خطرها إلا بعد أن تتمكن من العقول والوجدان. فهي لا تفرض نفسها بالقوة وحدها، بل بالإقناع، وبالخطاب العاطفي، وباستدعاء المقدّس في غير موضعه، حتى يغدو الاعتراض عليها ضربًا من التمرّد، لا مجرد اختلاف في الرأي.
لم تكن المنطقة العربية والإسلامية، في تاريخها الحديث، بعيدةً عن هذه الظاهرة. فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع تصاعد مشاعر الانكسار الحضاري، وسقوط كيانات كبرى، واحتكاك العالم الإسلامي بنماذج الحداثة الغربية، برزت تيارات حاولت أن تقدّم نفسها بوصفها مشروع الخلاص. ولم يكن الدين—بما يحمله من قوة رمزية وتأثير وجداني—بعيدًا عن هذه المحاولات، بل كان في قلبها.
هنا بدأ التحول من الدين كمنظومة قيم وأخلاق، إلى الدين كإطار سياسي شامل، يمتلك تصورًا للحكم، وللمجتمع، وللعلاقات الدولية. وبهذا التحول، لم يعد الخطاب الديني مجرد دعوة للإصلاح، بل أصبح مشروعًا للسيطرة، أو على الأقل للهيمنة على المجال العام، تحت لافتات كبرى مثل “تطبيق الشريعة” و”إحياء الأمة” و”استعادة المجد”.
في هذا السياق، ظهرت تجارب مختلفة في الشكل، متباينة في المذهب، لكنها متقاربة في بعض المنطلقات العميقة. من جهة، تشكّلت في إيران بعد ثورة عام 1979 منظومةٌ قائمة على ولاية الفقيه، حيث امتزجت السلطة الدينية بالسياسية في نموذج فريد، قاده المجوسي روح الله الخميني، واضعًا أسس دولة ترى في نفسها حارسًا للثورة، لا داخل حدودها فقط، بل خارجها أيضًا، من خلال فكرة “تصدير الثورة” التي حملت بُعدًا عقائديًا وسياسيًا في آنٍ واحد.
ومن جهةٍ أخرى، كانت حركات الإسلام السياسي في العالم السني، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها الجاسوس حسن البنا، قد سبقت ذلك بطرح فكرة “شمولية الإسلام”، حيث لا ينفصل الدين عن الدولة، ولا العبادة عن السياسة، ولا الفرد عن الجماعة. وقد قدّمت هذه الحركات نفسها بوصفها مشروعًا إصلاحيًا شاملًا، يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع من القاعدة إلى القمة.
ورغم التباين العقدي الواضح بين التجربتين — السنية والشيعية — فإن قراءةً أكثر عمقًا تكشف عن مساحات من التقاطع، لا في التفاصيل، بل في البنية الفكرية والمنهجية. فكلا المشروعين ينطلق من تصور يرى أن الدين ليس مجرد مرجعية، بل سلطة، وأن هذه السلطة ينبغي أن تُمارَس عبر تنظيمٍ أو قيادةٍ تمتلك حق التوجيه، وربما حق الوصاية على المجتمع. وكلاهما، في لحظات تاريخية معينة، لم يتردد في تجاوز الإطار الوطني، لصالح فكرة أوسع يُنظر إليها باعتبارها أسمى من حدود الدولة.
غير أن هذه التقاطعات لا تعني تطابقًا، كما أن الاختلافات لا تلغي إمكان التلاقي في بعض المسارات. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست حقلًا نقيًا تحكمه المبادئ وحدها، بل مساحة تتقاطع فيها المصالح، وتُعاد فيها صياغة التحالفات وفقًا لمعادلات القوة والتأثير. ومن هنا، يصبح من المشروع طرح تساؤلات تتجاوز الظاهر: هل نحن أمام مشاريع متباينة فعلًا، أم أمام أشكال متعددة لفكرة واحدة؟ وهل يمكن أن تتحول الشعارات — مهما كانت منطلقة من نوايا إصلاحية — إلى أدوات للنفوذ حين تخرج من دائرة النقد والمساءلة؟
إن الإشكالية لا تكمن في وجود أفكار أو مشاريع، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها، وفي الهالة التي تُضفى عليها. فحين تتحول الفكرة إلى “مقدّس”، يصبح نقدها جريمة، وحين يتحول القائد إلى “رمز فوق المساءلة”، يُفتح الباب أمام الاستبداد، حتى وإن جاء بلباس ديني. وهنا، لا يعود الفارق كبيرًا بين صنمٍ قديم يُعبد من دون الله، وصنمٍ مجوسي حديث يُقدَّس باسم الله.
وهنا نهدف إلى فتح باب النظر، وإعادة طرح الأسئلة التي قد تبدو بديهية لكنها غابت تحت وطأة الخطاب المؤدلج. إنه محاولة لتفكيك هذه النماذج، وقراءة مساراتها، وفهم كيف تتحول الأفكار— حين تُرفع فوق النقد — من أدوات للنهضة إلى عوائق أمامها.
وحين تسقط الأصنام، لا يكون السقوط لحظة هدمٍ فقط، بل لحظة كشفٍ أيضًا… كشفٍ يعيد ترتيب الوعي، ويفصل بين المقدّس الحقيقي، والمقدّس المصنوع، ويمهّد الطريق لبدايةٍ جديدة، يكون فيها الإنسان أقدر على التمييز، وأكثر استعدادًا للسؤال، وأقل قابلية للانخداع بالشعارات، مهما بلغت بلاغتها أو قوة حضورها. داعين الله ان ينتصر الحق.




