أرجو أن ينال ما سأطرحه رضاكم، فهو تعبير عن عمق العلاقات السودانية السعودية، دفء لا تصفه الكلمات.
ليست كل العلاقات بين الدول تُقاس بالاتفاقيات والبيانات الرسمية، فبعضها يُكتب في القلوب قبل أن يُدوَّن في السجلات. هكذا تبدو العلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية؛ علاقة تتجاوز السياسة، وتستقر في مساحة أعمق عنوانها الإنسان.
فعلى امتداد السنوات، تشكّلت بين الشعبين روابط متينة من المحبة والاحترام، عززها الدين المشترك والعادات المتقاربة، لكنها في حقيقتها نمت عبر مواقف يومية بسيطة، صنعت هذا الدفء الذي يشعر به كل سوداني وسعودي دون تكلف.
ولعل من أجمل تجليات هذا القرب ما نشهده في تفاصيل الحياة الاجتماعية، حيث لم تعد المسافات عائقًا أمام المشاركة الوجدانية؛ فكم من مناسبة سودانية امتد صداها إلى السعودية، وكم من زواج سوداني احتُفي به عبر منصات التواصل، وكان الحضور فيه من السعوديين حضور قلب قبل أن يكون حضور شاشة، يشاركون أهل السودان أفراحهم وكأنهم أهل الدار. بل في بعض الأحيان يقيم السعوديون العُرس كاملاً على حسابهم بسبب ظروف الحرب القائمة في السودان.
وفي مواسم الخير، خاصة في رمضان وموسم الحج، تتجلى أسمى صور التآخي، حيث تتلاقى القلوب على قيم العطاء والتكافل في مشاهد تتكرر كل عام، لكنها لا تفقد دفئها أبدًا، ولا تستطيع الحروف وصفها، بل وتعجز الكاميرا عن حصرها.
غير أن أصدق ما يعبّر عن هذه العلاقة، هو تلك المواقف الإنسانية التي لا تُخطط، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة، ومن بينها موقف عشته شخصيًا:
“شكرًا جزيلًا لضابط الجوازات السعودي النبيل الذي سمح لي بالمغادرة دون أبنائي المضافين في جوازي؛ اعتذر مني في بادئ الأمر وعندما أخبرته بأني ذاهبة لحضور عملية والدتي المصابة بمرض السرطان وأني لا أستطيع أخذهم معي وافق على الفور وقال لي: ‘سافري يا ابنة الحلال، الله يوفقك وحتى إن تسبب هذا الأمر في فصلي من عملي فالرازق الله’. يا حي يا قيوم أشهدك أني لا أعلم ماحل به لكن أطلبك يا أكرم الأكرمين أن ترزقه بخير الدنيا ونعيم الآخرة، وأن تحرم وجهه ووالدّيه وكل عزيز لديه على النار وأن ترفعه مقاماً عليا.
شكرًا لموظف شركة ناس للطيران الشاب السعودي الخلوق، عندما رآني أجهشت بالبكاء حمل عني حقيبتي وأمسك ابني من يده وأجلسنا في أول مقاعد الطائرة ثم اشترى لصغيري قطعًا من الحلوى والشكولاتة والعصير قائلًا: ‘ستنجح العملية وتقوم الوالدة بالسلامة’. وأعطاني مبلغًا من المال قائلًا: ‘هذا ثمن علبة الشكولاتة’. شكرا جزيلًا لكم أيها النبلاء. أسأل الله أن يرزقك رزقاً ماله من نفاد من صحة وعافية وسعة رزق.”
مثل هذه القصص لا تُروى للدهشة، بل لتؤكد حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن ما يجمع السودان والسعودية ليس مجرد تاريخ مشترك، بل إنسانية مشتركة. وقد انعكس هذا العمق في مختلف مجالات التعاون، من الاقتصاد إلى التعليم، حيث بُنيت شراكة قائمة على الثقة، مدعومة بروح أخوية صادقة، تثبت مع كل موقف أن العلاقات الحقيقية لا تهتز.
في النهاية، تظل العلاقات السودانية السعودية شاهدًا حيًا على أن الدفء الإنساني أقوى من المسافات، وأن القلوب إذا تلاقت، لم تعد الحدود سوى خطوط على الخريطة.
✍🏼 ريان الجعفري





