يأتي العيد في المملكة العربية السعودية محمّلًا بتفاصيل مختلفة، تنسجها العادات الأصيلة وتزيّنها روحانية الشهر الفضيل.
تبدأ أغلب العائلات استعداداتها منذ شهر شعبان، حيث تُجهَّز أغراض العيد مبكرًا، ليكون شهر رمضان متفرغًا للعبادة والخشوع.
وفي رمضان، تُغسل القلوب بقراءة القرآن، وتُعطَّر الأرواح بالصدقات والزكاة، ويزدان الإفطار بمظاهر التنافس في توزيعه، خاصة في الحرمين الشريفين، حيث تتجلى معاني الكرم والتكافل.
ومع اقتراب العيد، تبدأ ملامح الفرح بالظهور ..
تتزين النساء والفتيات بنقوش الحناء، ويجهزن الدرعات والمخاوير الفاخرة، بينما يقدّم الرجل لزوجته “حق الملح”
هدية من الذهب أو المجوهرات تعبيرًا عن تقديره لما بذلته من جهد في إكرامه وإكرام ضيوفه طوال الشهر الكريم.
أما الآباء، فيحرصون على تجهيز الثياب الجديدة والشماغ والعطور لهم ولأبنائهم، احتفاءً بصباحٍ يشبه فجر الجنة.
وكثير من العائلات تسافر إلى “الديرة” حيث يجتمع الأهل والأحبة، وتُستعاد معاني الانتماء والدفء .
في البيوت، تنشغل الجدات والأمهات بإعداد “العيديات”
تُوضع بعناية داخل أكياس الهدايا، لتُوزع على الأطفال، وتزرع البهجة في قلوبهم.
في صباح العيد، يبدأ اليوم بصلاة العيد ففي الرياض مثلًا عند الساعة السادسة إلا ربع حيث يعلو التكبير في ساحات المساجد..
وتُقام الركعتان، ثم تُلقى الخطبة شكرًا لله على تمام الصيام والقيام مع الدعاء بقبول الأعمال ورفاه الأوطان.
تظل رائحة العود الملكي عالقة في الأجواء، وتمتزج بتهاني الكبار:
“عساكم من عواده، من العائدين الفائزين.”
وبعد الصلاة، تُوزَّع الحلويات من “مخابي” الجدات، وتبدأ الزيارات العائلية، حيث تجتمع الأسر في البيت الكبير، وتُصب القهوة العربية الممزوجة بالهيل والزعفران، وتُقدَّم معها أنواع الحلى، بينما يتصاعد عبق البخور الفاخر من أعواد العود والمعمول الدوسري.
في هذا الصباح المخملي، التعب منسي ..
تعلو أصوات الضحكات والأنس وتستريح النساء من عناء الطبخ
إذ تُحضَّر الولائم جاهزة من المطابخ السعودية أو اليمنية لتجتمع القلوب قبل الأيادي حول موائد عامرة بالمحبة.
أما أولئك الذين يقضون العيد في الحرمين الشريفين، فيعيشون تجربة استثنائية ..
حيث يبدو الحرم وكأنه قصر من نور، ويصطف المصلون كالبنيان المرصوص.
ترتفع أصوات الأئمة بالتكبير على النغمة الحجازية، فتلامس القلوب قبل الآذان، ثم تُقام الصلاة وتُلقى الخطبة في أجواء إيمانية مهيبة.
بعدها، يتعانق المسلمون عناقًا دافئًا، ويتبادل الجميع التهاني حتى رجال الأمن يشاركون المصلين فرحتهم بالمصافحة والابتسامة.
وتخطف الأبصار مشاهد الأطفال بملابسهم الزاهية، ودشاديشهم البيضاء وعقالاتهم الحجازية، في لوحة إنسانية تنبض بالفرح.
تُقدَّم القهوة والتمر بعد الصلاة، ثم يعود الجميع إلى بيوتهم، حيث تأخذهم نومة عميقة، وكأنها استراحة مستحقة بعد شهرٍ من العبادة والقيام.
العيد في السعودية ليس مجرد مناسبة، بل حكاية فرح تبدأ من النية الصادقة، وتمتد عبر تفاصيل صغيرة تصنع ذاكرة لا تُنسى.
هو اجتماع روحاني وإنساني تتعانق فيه القلوب قبل الأيادي وتبقى آثاره عالقة في النفس
كعبق العود الذي لا يغيب .
ريان الجعفري





