بأيِّ ذَنبٍ قُتلَتْ
القاهرة/ سامي العثمان
ليست كلُّ الحروب أرقامًا تُحصى للدمار والحطام والشهادة، ولا كلُّ الهجمات أخبارًا عابرة تتصدّر العناوين ساعاتٍ ثم تطويها ذاكرة الأيام؛ فثمة حوادث تترك في الضمير الإنساني جرحًا لا تداويه نشرات الأخبار، وثمة أسماء تتحوّل، بعد رحيل أصحابها، إلى أسئلة مفتوحة في وجه العنف والعبث بأرواح الأبرياء. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم المضيفة المصرية عزة رمزي، التي انتهت حياتها في حادث استهداف مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض عصر يوم السبت الماضي 10 أكتوبر 2026، لتتحوّل قصتها من مأساة شخصية إلى قضية إنسانية تستحق المساءلة. فقد توفيت متأثرة بإصابتها خلال الهجوم الذي استهدف المطار، بحسب ما أوردته الصحافة المصرية، تاركة وراءها أسرة كانت تنتظر عودتها، وأحلامًا لم يمهلها الإرهاب الحوثي الخسيس فرصة استكمالها.
بأي ذنبٍ قُتلتْ؟ سؤال لا يحتاج إلى إجابة قانونية فحسب، بل إلى يقظة أخلاقية تعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام، بعدما تتراجعت قيمة الحياة أمام حسابات الإرهاب الأسود. بأي ذنبٍ قتلت امرأة شابة، خرجت إلى عملها وسعت إلى بناء مستقبلها، فوجدت نفسها في دائرة خطر لم تختره؟ وبأي ذنبٍ تحوّل مكانٌ يُفتَرَض أن يكون معبرًا آمنًا للمسافرين والعاملين إلى مسرح مأساة تتجاوز حدود الدولة المملكة العربية السعودية؟.
إن عزة رمزي لم تكن، في صورتها الإنسانية، طرفًا في معركة سياسية، ولا صاحبة قرار عسكري، ولا مسئولة عن تعقيدات الإرهاب الحوثي أو حساباته الإقليمية؛ كانت إنسانة تمارس عملها، ولها أهل وأحبة ومستقبل، ثم أصبحت خبرًا موجعًا في صفحات الحوادث.
وتكتسب هذه المأساة دلالتها الأعمق حين ننظر إلى طبيعة المكان الذي وقع فيه الهجوم. فالمطار المدني ليس ثكنة عسكرية، ولا ينبغي أن يُعامل بوصفه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وممارسة الإرهاب، إنه مرفق ترتبط به حركة الناس وأرزاقهم ولقاءاتهم وعودتهم إلى أوطانهم، ويضم موظفين ومسافرين وعاملين لا تجمعهم بالضرورة أي صلة بالنزاع المسلح. وعندما تصبح هذه الأماكن عرضة للهجمات، فإن الخطر لا يتوقف عند الأضرار المادية أو تعطّل الرحلات، بل يمتد إلى حق الإنسان في الحياة والأمان، وإلى الثقة التي يحتاج إليها الناس كي يتحركوا في عالم تتشابك فيه المصالح والحدود.
ومن هنا، فإن إدانة استهداف المدنيين لا ينبغي أن تكون موقفًا انتقائيًّا تحكمه جنسية الضحية أو هوية الدولة التي وقع فيها الاعتداء. حياة مضيفة الطيران المصرية عزة رمزي ليست أقل قيمة من حياة أي امرأة سعودية أو يمنية أو أي إنسان آخر، كما أن دماء المدنيين لا تُستباح لأن طرفًا من أطراف النزاع يرفع شعار الانتقام أو يبرر عملياته الإرهابية باعتبارات سياسية وعسكرية. فالمبادئ الأخلاقية لا تُختَبَر حين نرفض الاعتداء على ذوينا فحسب، بل حين نتمسك بتلك المبادئ أيضًا في مواجهة من نختلف معهم، وحين نرفض أن يتحوّل الأبرياء إلى أثمان تُدفع في صراعات لم يختاروها.
وقد انعكس رحيل عزة على أسرتها وأهل بلدتها في محافظة البحيرة، حيث نقلت الصحافة المصرية مشاهد الحزن والصدمة، وانتظار الأسرة عودتها لقضاء إجازتها. وهذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو هامشية في تقارير الصراع الكبرى، لكنها في الحقيقة جوهر المأساة كلها؛ فالخبر الذي يُختصر في سطر عن وفاة مضيفة طيران يُخفي وراءَه أبًا كان ينتظر ابنته، وأسرة كانت تستعد للقائها، وأشخاصًا وجدوا أنفسهم مضطرين إلى استيعاب حقيقة أن موعدًا منتظرًا قد انتهى إلى فراق لا رجعة فيه.
ومن الطبيعي أن تثير هذه الفاجعة مشاعر الحزن والتعاطف لدى المصريين والعرب والمسلمين، وأن تستحضر روابط إنسانية وثقافية ودينية تتجاوز الحدود السياسية. فالمصريون الذين رأوا في عزة ابنةً من بناتهم لم يتعاملوا مع رحيلها بوصفه شأنًا بعيدًا عن حياتهم، بل بوصفه خسارة تمس أسرة مصرية ومجتمعًا يعرف معنى الغربة والعمل بعيدًا عن الوطن. والعرب الذين يتابعون هذه الأحداث يدركون أن العاملين في المطارات والطائرات والمنشآت المدنية ليسوا أرقامًا في نشرات عسكرية، وإنما بشر لهم قصصهم وأحلامهم وحقوقهم. أما المسلمون، فإن استحضارهم لقيمة النفس البشرية يضيف إلى هذا التعاطف بُعدًا أخلاقيًّا ودينيًّا يجعل صَوْن الحياة مسئولية مشتركة، لا مجرد استجابة عاطفية عابرة.
إن مشاهد الحزن والتعازي والتضامن التي ظهرت في التغطيات المصرية تعبّر عن استجابة إنسانية واسعة تجاه الفاجعة. كما ينبغي أن يبقى هذا التضامن موجّهًا إلى الضحايا وأسرهم، وأن لا يتحول إلى دعوة للكراهية ضد شعب بأكمله، ولكنها جماعة إرهابية يرفضها المجتمع اليمني الطيب، فاليمني الذي يعيش تحت وطأة الحرب ليس مسئولاً تلقائيًّا عن قرارات الجماعة التي تحكم مناطق من بلاده، كما أن رفض هجوم إرهابي غاشم لا يقتضي تجاهل معاناة الأبرياء في الجانب الآخر من النزاع.
وإذا كانت مأساة عزة رمزي تضعنا أمام سؤال حرمة الحياة الإنسانية، فإن الحديث عن مكة المكرمة والمدينة المنورة ينقلنا إلى دائرة أوسع من المسئولية الدينية والحضارية. فمكة المكرمة ليست مجرد مدينة في المملكة العربية السعودية؛ إنها قبلة المسلمين وموطن المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وإليها يتجه الملايين في صلواتهم، ويقصدها ملايين الحجاج والمعتمرون من مختلف البلدان، والمدينة المنورة تحتل مكانة راسخة في الوجدان الإسلامي، لارتباطها بالمسجد النبوي وسيرة الرسول الكريم ﷺ وبدايات المجتمع الإسلامي. ولهذا، فإن أمن المدينتين وسلامة من فيهما لا يمثلان شأنًا محليًّا محدودًا، بل قضية تهم المسلمين في أنحاء العالم.
وقد شهدت السنوات الماضية اتهامات سعودية متكررة للحوثيين بمحاولات استهداف مكة المكرمة، من بينها واقعة عام 2017، ثم إعلان السلطات السعودية في سبتمبر 2026 اعتراض طائرة مسيّرة قبل دخول المجال الجوي المحظور للمدينة.
إن مكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة تجعل أي تهديدٍ لأمنِهما باعثًا على القلق العميق لدى المسلمين، ما بال تعرضها لأعمال الإرهاب الحوثي الجبان الذي لا يراعي حرمة المقدسات ولا يعمل أدنى حساب للمشاعر الدينية فضلاً عن استباحته حرمة الدماء في المنشآت العامة والمطارات حيث الناس من مختلف الجنسيات لا يحملون سوى أمتعتهم وجوازات سفرهم. إن الدفاع عن قدسية الأماكن يبدأ بحماية الإنسان الذي يقصدها أو يعيش في محيطها، وبالحرص على أن لا يصبح رواد المطارات والحجاج والمعتمرون والمصلون والعاملون في خدمة الزوار عرضة لأخطار الإرهاب الحوثي الخسيس.





