عاجلمقالات

بين الحاجبين تتلألأ في ناظرينا زملكاوية الأشياء

يا كل قلب ينبض برياحين المحبين، كأنك فتحت نافذة على زمنٍ غابر، فاندفعت الذكريات كالسيل لتغمر الروح وتعيدها إلى شارع شبرا مصر، أمام مسجد الخزندار، حيث كانت الحياة تنبض بصفاء البدايات وبساطة الأحياء الشعبية.

كنا يومها مجموعة من الفتيان، جمعتنا الرغبة في مباراة كرة شراب، تلك اللعبة التي كانت تُشعل الحارات بالضحك والصياح، وتجعل من الأزقة ملعبًا واسعًا تتسابق فيه الأرواح قبل الأقدام. اتفقنا على اللقاء في أحد ضواحي حي شبرا، وكلٌّ منا يحمل في قلبه شغفًا طفوليًا لا يعرف الحدود.

غير أن زميلنا، الذي كان همزة الوصل بيننا وبين الفريق المنافس، تأخر عن الموعد. كان هو صاحب العهد، من أبرم الاتفاق ورتّب تفاصيل المباراة، ومع ذلك غاب عن المشهد. تساءلنا ونحن ننتظر على الرصيف، تتقاذفنا الحيرة: ما سبب هذا الغياب؟ لماذا لم يأتِ؟ لم يكن بيننا من يعرف الحقيقة، وكأن الغياب نفسه صار لغزًا يحيط بالمكان، يضاعف من رهبة الانتظار ويجعل اللحظة أثقل من أن تُحتمل.

كان شارع شبرا في تلك الساعة يفيض بالحركة؛ المارة يتدفقون من كل صوب، أصوات الباعة تختلط بأذان المسجد، ورائحة الخبز الساخن تتسلل من الأفران القريبة. وسط هذا الصخب، كنا نحن، مجموعة من الصبية، ننتظر صديقًا واحدًا، كأن الزمن كله توقف عند غيابه.

إنها لحظة محفورة في الذاكرة، تجاوزت الثلاثين عامًا، لكنها لا تزال حاضرة بكل تفاصيلها، كأنها مشهد لم يكتمل بعد، يظل يطرق أبواب القلب كلما استدعته الذكريات.

حين طال الانتظار، بدأ القلق يتسلل إلى النفوس، كأن الغياب لم يكن مجرد تأخر عابر، بل امتحان للصداقة نفسها. بعضكم جلس على الرصيف يتأمل المارة، وآخرون أخذوا يتبادلون النكات ليخففوا من وطأة اللحظة، لكن خلف الضحكات كان هناك شعور خفي بالخذلان.

المباراة التي حلمتم بها لم تعد مجرد لعبة؛ كانت وعدًا بالفرح، فرصة لإثبات الذات أمام الفريق المنافس، ولحظة يتقاطع فيها الحلم مع الواقع. ومع غياب زميلكم، بدا أن الحلم يتداعى شيئًا فشيئًا، وأن الملعب الذي انتظرتموه قد يظل فارغًا بلا صخب ولا هتاف.

ومع ذلك، كان الغياب أيضًا مرآةً للصداقة: بعضكم حاول الدفاع عن الغائب، يبرر تأخره بأعذارٍ محتملة، كأن الوفاء يقتضي أن نلتمس له العذر حتى لو لم نعرف السبب. والبعض الآخر شعر أن الغياب خيانة صغيرة، وأن الصداقة لا تُختبر إلا في مثل هذه اللحظات.

هكذا، تحولت المباراة من مجرد لقاء رياضي إلى مشهد إنساني، يكشف كيف تتقاطع مشاعر الصبية بين الحلم والخيبة، بين الوفاء والخذلان، وبين انتظارٍ يطول حتى يصبح ذكرى لا تُمحى.

غابت شمس النهار، كأنها تسدل ستارًا من ذهب على صفحة الكون، لتعلن أن الليل قادمٌ بخطواتٍ واثقة، يحمل في طياته أسرارًا جديدة. وبينما كنا لا نزال نعيش دهشة الأمس، جاءنا زميلنا بخبرٍ لم يكن في الحسبان، لقد باح للكابتن الكبير فاروق جعفر بمدى إعجابه وحبه له، فما كان من الأخير إلا أن دعاه هو وزملاءه لحضور التدريب المسائي عن قرب، وكأن أبواب الحلم قد فُتحت فجأة أمام أعيننا.

لم تسعفنا الكلمات ولا الصور البلاغية لنصف ما اعتمل في صدورنا من فرحٍ وذهول. كنا كمن يُنقل من عالمٍ إلى آخر، من حارات شبرا البسيطة إلى أروقة المجد الكروي. غدًا سندخل نادي الزمالك، ذلك الصرح الذي كان بالنسبة لنا أشبه بالأسطورة، وسنرى اللاعبين بأعيننا وهم يتصببون عرقًا في ميدان التدريب، نقترب من أصواتهم، من خطواتهم، من تلك اللحظة التي طالما حلمنا بها ونحن نركل كرة الشراب في الأزقة الضيقة.

لقد صار الغد موعدًا مع الدهشة، موعدًا مع التاريخ الشخصي لكل واحدٍ منا، كأننا على أعتاب عبورٍ من الطفولة إلى عالمٍ أوسع، حيث تختلط الأحلام بالواقع، وحيث يصبح اللقاء بالنجوم لحظةً لا تُنسى، محفورة في الذاكرة كوشمٍ لا يمحوه الزمن.

في صباح اليوم التالي، كان الشغف يسبق خطواتنا، كأننا نسير على خيوطٍ من حلمٍ طال انتظاره. عند بوابة النادي، ارتجفت قلوبنا قبل أقدامنا، فالمكان لم يكن مجرد مبنى رياضي، بل معبدٌ للكرة، وساحةٌ للنجوم الذين ملأوا وجداننا بالدهشة.

دخلنا ونحن نتلفت في كل اتجاه، نلتقط بعينين متلهفتين كل تفصيله، العشب الأخضر الممتد كأنه بساط سماوي، المدرجات التي بدت كعرشٍ ينتظر هتاف الجماهير، واللاعبون الذين ظهروا أمامنا كأبطال أسطوريين، يتحركون بخفةٍ وقوة، ينسجون من العرق والجهد لوحةً لا تُنسى.

كان التدريب أشبه بعرضٍ مسرحي، كل تمريرةٍ فيه تحمل معنى، وكل صرخةٍ من المدرب توقظ فينا رهبةً وإعجابًا. كنا نتابعهم عن قرب، نكاد نلمس خطواتهم، ونشعر أن المسافة بيننا وبينهم قد تلاشت، وأننا جزءٌ من هذا العالم الكبير الذي طالما حلمنا بالانتماء إليه.

في تلك اللحظة، لم نكن مجرد صبية من شبرا، بل شهودًا على بطولةٍ حقيقية، كأننا عبرنا من حدود أحلامنا الضيقة إلى فضاءٍ أوسع، حيث تتحقق الأحلام وتُكتب الذكريات التي لا يمحوها الزمن.

ارتفعت أصواتنا بأسماء اللاعبين كما لو كانت أغنيات جماعية منغمة بحلو النغمات، تتردّد في فضاء الملعب كأصداءٍ قادمة من أعماق الروح. لم تكن مجرد هتافات، بل نداءات جماعية تتناوب بين الفرح والانبهار، كأننا نشارك في طقسٍ كرويٍّ له قداسة خاصة، حيث يصبح كل اسمٍ يُنادى عليه أشبه بآيةٍ تُتلى في محراب البطولة.

كنا نغني أسماءهم باندفاعٍ طفولي، لكن في نغمتنا كان هناك وقارٌ خفي، كأننا نعلن ولاءنا لهم أمام العشب الأخضر الذي بدا كأنه بساطٌ سماوي، وأمام العرق المتصبب من أجسادهم الذي بدا كأنه ماءٌ مقدّس يروي الأرض. كل نداءٍ كان يخرج من حناجرنا كترتيلٍ جماعي، يختلط بأنفاسنا ويصنع سيمفونية من الشغف، حتى بدا الملعب كله كهيكلٍ عظيمٍ تتردّد فيه الأصوات كصلواتٍ متواصلة.

لقد كانت لحظةً تتجاوز حدود الفرجة، لحظةً شعائريةً بامتياز، حيث تحوّل حضورنا إلى مشاركةٍ في طقسٍ جماعي، واللاعبون إلى كهنةٍ للعبة، ونحن إلى جمهورٍ يقدّم نشيده في حضرة قداسة الملعب.

د / حسن على زين العابدين

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى