
بقلم/ أحمد حساني المدير التنفيذي لمركز سعود زايد للدراسات البحثية والسياسية والاستراتيجية.
أوكرانيا لم تتعلم الدرس بعد من جورجيا ، وكأن سيناريو أوكرانيا كتب في جورجيا عام 2008 عندما اجتاحت القوات الروسية تبليسي عاصمة جورجيا ، وأرادت إرسال إشارة قوية إلى البلدان السوفياتية السابقة الأخرى، وأولها وأهمها أوكرانيا، بأن سعيها إلى الحصول على عضوية الناتو قد تؤدي بها إلى التفكيك والغزو العسكري ، وبالفعل ارتكبت أوكرانيا الخيانة العظمى فعاقبتها روسيا ببتر أجزاء من جسدها.
وفي مشهد يحاكي أعظم الديمقراطيات في الشفافية ومناقشة القضايا في الهواء الطلق.
جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كبار رجال الدولة الروسية ، لمعرفة رأيهم في الاعتراف بالإقليميين الإنفصاليين في الجارة أوكرانيا.
ينتهي الاجتماع إلي إجماع كورالي، لم يدع فرصة لصوت النشاذ ، حتي “سيرغي ناريشكين” رئيس جهاز المخابرات الروسية الخارجية انضم إلي الركب بعد تلكأ لفظي وغمغمة لم يستغسها بوتين ، فاستقامت جملة رئيس المخابرات المضطرب فصيحة مبينة تقول: إنه مع الإعتراف..!
ثم بلغة قاطعة وحاسمة يخرج قيصر الكرملين “بوتين” بعد ساعات ليعلن للعالم اعتراف بلاده باستقلال -دونيتسك ولوغانيسك- الانفصاليتين عن أوكرانيا ، وكأنه جاء في مهمة. لن يغفر لمن خان الاتحاد السوفياتي.!
بدي بوتين مسؤولا عن كل إرث الأمجاد الروسية مستهينا بالتهديدات أياً كانت ؛ إنها لحظة تمتحن فيها روسيا قوتها وقوة خصومها.
لم يطول بروسيا ولا ببوتين الانتظار ، فقد انتفض قادة العالم الغربي مستنكرين القرار الروسي ، ومهددين روسيا بعقوبات لم تري مثلها من قبل ، واصفين ما قامت به بأنه خارق للقانون الدولي! ولاتفاقيات مينسك بشأن وحدة الأراضي الأوكرانية ، وهي اتفاقيات في رأي بوتين لم تعد ذات معني ، وليس هناك أي إلتزامات يجب تنفيذها ، وأفضل خيار لأوكرانيا التخلي عن فكرة الإنضمام إلى الناتو.
يقرر المستشار الألماني أولاف شولتس تجميد العمل بخط -نورد ستريم2- لنقل الغاز الروسي إلي ألمانيا ، وهي الحلقة الأضعف في المنظومة الأوربية لجهة اعتمادها علي الغاز الروسي أكثر من غيرها ؛ فكأنها تعاقب روسيا بإجراء هي أول ضحاياه..!
وواضح من البداية أن موضوع الطاقة غازاً ونفطاً سيكون عنصراً محدداً لمسار الأزمة بين أوروبا وأمريكا من جهة ، وبين روسيا من جهة أخري علي أوكرانيا التي أصبحت ساحة للصراع بين القوي الكبري ، وكأن الدول الصغيرة مجرد ملاعب للأقوياء.!
في المقابل روسيا تختبر قوتها وإرادتها في كونها قوة دولية ، قطب في العالم يصعب كسره ، وهي أكبر من أن يحد نفوذها إلي محض قوة إقليمية.
وتحت “جنح الليل السوفييتي” في الخامسة والنصف من صباح 24 فبراير 2022 فوجئت سماء أوكرانيا، بوابل من الصواريخ الروسية، محددة الأهداف ومحسوبة التأثير والقوة، جوا وبرا وبحرا، أطلقت روسيا هجوما مدمرا على أوكرانيا ، والمئات قد قتلوا بالفعل من المدنيين والجنود على حد سواء، فحجم القوات الروسية في أوكرانيا ينذر بسيناريو “مروع” مع وصول القتال إلى مناطق حضرية كثيفة ، وعلي أبواب العاصمة الأوكرانية كييف.
لا يقطع صوت الصمت في كييف، إلا أصوات الطائرات والمقذوفات، ولا يسير في شوارعها إلا الفار منها، أو من يبحث عن ملجأ خصصته الحكومة تحسباً لهذا اليوم المشؤوم.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ، ل تدشن موسكو “نظاما عالميا جديدا” تتراجع فيه القوة الأمريكية؟ وولادة نظام عالمي جديد، لن تكون فيه واشنطن قوة منفردة ، التي أساءت التعامل في الأزمة الروسية الأوكرانية وتركت كييف منفردة بين أنياب بوتين بفضل السياسات الأمريكية، والتي المليئة بالأخطاء الاستراتيجية. وها هو العالم يترك الأوكرانيين وحدهم مع قدرهم الجغرافي..!
لقد انتهت الأزمة الأوكرانية إلي لحظتها الحاسمة ، التي هي في محصلتها النهائية إختبار للقوة لدي الجميع…!





