كتاب السودان ينتصر و حميدتي ينهزم لسامي العثمان
ألقاهرة / سامي العثمان
يسرني دعوتكم للاطلاع على مختصر لكتابي
السودان ينتصر بقيادة الفريق البطل الرئيس البرهان الذي هزم المشروع الصهيوني والدويلة المارقة الصهيونية وشيطان وصهيوني العرب والخائن مجرم الحرب حميدتي والدمار السريع !!
السودان ينتصر وحميدتي ينهزم
سامي العثمان
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (الشعراء/227)
صدق الله العظيم
المقدمة
البرهان ينتصر وحميدتي ينهزم
لم يعد الصراع في السودان مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين طرفين متنازعين على النفوذ، بل تحوّل إلى اختبار قاسٍ لجوهر الدولة السودانية نفسها، ولمفهوم السيادة ومعنى الاحتكار الشرعي للقوة. فمن جهة يقف الجيش السوداني بوصفه المؤسسة العسكرية الرسمية، ومن جهة أخرى تتمدد قوات الدعم السريع كقوة موازية نشأت خارج الأطر التقليدية للدولة، ثم ما لبثت أن فرضت نفسها لاعبًا مسلحًا ينازع السلطة والقرار والميدان.
هذا الكتاب لا يعيد إنتاج الخطاب الدعائي لأي طرف، ولا ينحاز إلى منطق التهليل أو الشيطنة السطحية، بل ينطلق من تحليل سياسي توثيقي صارم يقرأ الوقائع في سياقها، ويفكك مسارات التحول من دولة مركزية إلى ساحة صراع بين مؤسسة نظامية ومليشيا تبحث عن الشرعنة بالقوة. وبين هذين القطبين يقف الشعب السوداني ضحية مباشرة، يدفع ثمن الصراع أمنًا مهدورًا، ومدنًا مدمرة، وملايين المهجرين بلا أفق واضح للنجاة أو الاستقرار.
إن هذه الصفحات تسعى إلى تفكيك المشهد بوعي، وتضع المسئولية في مواضعها، وتعيد تعريف الصراع بوصفه مأزق دولة لا أزمة سلطة عابرة، مع قراءة نقدية لمسار البرهان وحميدتي وتأثير معادلتهما القسرية على مستقبل السودان.
(1)
مدخل إلى المشهد السوداني: الدولة بين الجيش وميليشيا الدمار السريع
يُشكل المشهد السوداني اليوم حالة دقيقة ومؤثرة في مسار الدولة الحديثة، حيث تقف المؤسسة العسكرية الوطنية ممثلةً في الجيش السوداني في مواجهة ميليشيا مسلّحة منفلتة هي قوات الدعم السريع، التي توسعت خارج الإطار القانوني للدولة، حتى صار كثير من السودانيين يسمونها “ميليشيات الدمار السريع” لما خلّفته من فوضى وانتهاكات واسعة خلال السنوات الأخيرة.
فالجيش السوداني، بوصفه المؤسسة الرسمية الشرعية والعمود الفقري للدولة، ظل على مدار عقود الضامن الأساسي لوحدة البلاد وحماية مؤسساتها. وقد لعبت القوات المسلحة دورًا تاريخيًا في الحفاظ على الكيان الوطني منذ الاستقلال، وظل تدخلها في الشأن السياسي – رغم ما رافقه من جدل – مرتبطًا بمحاولات الحفاظ على الدولة ومنع انزلاقها إلى الفوضى.
في المقابل، برزت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) بصفتها قوة موازية نشأت أصلًا من مليشيات محلية مسلّحة، ثم تحولت تدريجيًا إلى قوة منفلتة ذات طموحات سياسية وعسكرية تتجاوز سلطات الدولة الشرعية. ومع توسعها غير المنضبط في بعض مناطق دارفور والشرق، أصبحت هذه الميليشيات تمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة القرار الوطني، وتحوّلت إلى مركز بلطجة يحاول فرض نفوذه بقوة السلاح على حساب الحكومة والمؤسسات الرسمية.
هذا التداخل بين الجيش النظامي وهذه الميليشيات المتمردة خلق حالة معقّدة في السودان، حيث بات أمن المواطن وسلامة مؤسسات الدولة مرهونَين بصراع مسلح يتقدّم فيه الجيش بثبات لإعادة فرض سيادة الدولة، بينما تستمر ميليشيات الدمار السريع في تهديد حياة المدنيين من خلال ممارسات موثقة تشمل التهجير القسري والانتهاكات الواسعة ضد السكان.
لقد دفع السودانيون الثمن الأكبر في هذا المشهد، حيث تعرضت مناطق عديدة لعمليات ترويع ونهب ونزوح، كانت ميليشيا الدعم السريع هي الفاعل الرئيسي فيها بحسب تقارير دولية ومحلية، بينما يعمل الجيش على احتواء الفوضى واستعادة السيطرة على مفاصل البلاد لحماية المواطنين.
وقد أثّر هذا الصراع المسلح على الاقتصاد والخدمات الأساسية، إذ تتسبب ميليشيات حميدتي في تعطيل مسارات التجارة، واحتلال منشآت خدمية، وإيقاف مشاريع تنموية، مما يضاعف معاناة السكان ويزيد الضغط على الحكومة الشرعية في تقديم الخدمات الأساسية وسط ظروف شديدة الصعوبة.
وتأثرت صورة السودان الخارجية بشكل واضح بسبب التصرفات المنفلتة لقوات الدعم السريع التي أصبحت تمثل عاملًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار، الأمر الذي يسعى إلى إضعاف حضور الدولة ويفتح الباب لتدخلات إقليمية ودولية تبحث عن التعامل مع مراكز القوة على الأرض بدلًا من احترام سلطة الدولة الشرعية.
أما على المستوى الإقليمي، فإن موقع السودان الجغرافي الحساس جعل المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تستغل بعض القوى الإقليمية الانقسام بين الجيش وميليشيات حميدتي لتحقيق مصالحها. وبالتالي أصبح وجود هذه الميليشيات المسلحة عائقًا مباشرًا أمام بناء دولة قوية قادرة على فرض سيادتها داخل حدودها.
ويظهر بصورة واضحة أن الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان يعمل، رغم كل التحديات، على إعادة ترتيب الساحة السياسية والميدانية بما يضمن قوة الدولة، مقابل إصرار قوات الدعم السريع على فرض واقع مسلّح يتحدى سلطة الحكومة ويهدد الأمن القومي.
إن الصراع ليس مجرد منافسة على النفوذ، بل هو معركة على تعريف الدولة نفسها:
هل تكون دولة بمؤسساتها الشرعية… أم دولة تتحكم فيها ميليشيات منفلتة؟
وبينما يسعى الجيش إلى إعادة توحيد البلاد، تتسبب قوات الدعم السريع في توسيع رقعة الدمار، ما يجعل وصفها بـ “الدمار السريع” تعبيرًا معبرًا عن الواقع لدى الشعب السوداني نتيجة ما شهده وعاناه من انتهاكات وتخريب.
إن فهم هذا الواقع ضروري لتحليل المشهد السوداني المعقّد، ولرسم صورة دقيقة لطبيعة الصراع بين الجيش الذي يحمي الدولة بشرعيتها ومؤسساتها وميليشيات مسلّحة تعمل خارج القانون تشكل خطرًا على وحدة السودان ومستقبله.
ويستمر الجيش السوداني في ممارسة دوره التاريخي كحارس للوطن، مؤكدًا قدرة الدولة على حماية مواطنيها وإعادة فرض النظام في كل المناطق المتأثرة بانفلات حميدتي وميليشياته. في هذه المعركة، لم يكتفِ الجيش بالوجود العسكري فقط، بل عمد إلى تنسيق الجهود مع الإدارات المحلية والأجهزة الأمنية لضمان وصول الخدمات الأساسية إلى المواطنين، والحفاظ على الأمن في المناطق المحررة من نفوذ ميليشيات الدمار السريع.
تظهر صورة الجيش بشكل جلي في العمليات الميدانية التي أعادت فرض سيطرة الدولة على النقاط الاستراتيجية، والتي كانت ميليشيا الدعم السريع قد استولت عليها، مستخدمةً أساليب العنف والتخويف للسيطرة على السكان. هذه العمليات أظهرت قدرة الجيش على التخطيط والتنفيذ الدقيق، وعمّقت الثقة الشعبية في قدرته على حماية الدولة وأمن المواطنين، فيما تراجعت قدرة ميليشيا الدمار السريع على فرض إرادتها، وبدأت تظهر علامات الانكسار في صفوفها نتيجة فقدان الدعم الشعبي والسيطرة على الأرض.
وفي الوقت نفسه، يقوم الجيش بتحييد أي محاولات للميليشيات لإعادة تأسيس نفوذها في المناطق المحررة، وذلك من خلال تعزيز الأمن، وملاحقة عناصرها، وتقديم الدعم للسكان المتضررين من أعمال العنف والتخريب. هذه الخطوات جعلت من الواضح أن السيادة الحقيقية للدولة لا يمكن تحديها طويلاً، وأن أي قوة خارج الإطار الشرعي ستنهزم أمام إرادة الجيش ووحدة الدولة.
ولا يقتصر دور الجيش على العمليات العسكرية فحسب، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، حيث يسعى إلى إعادة البنية التحتية المتضررة، وتشغيل الأسواق والمرافق الحيوية، وضمان استقرار الحياة اليومية للمواطنين. كل ذلك يعكس أن الدولة السودانية مؤسسة قوية وفاعلة، لا يمكن اختراقها بسهولة من قبل ميليشيات الدمار السريع، مهما بلغت محاولاتها في التخريب والتأثير على الرأي العام المحلي والإقليمي.
على المستوى السياسي، تؤكد الخطوات الأخيرة للجيش تحت قيادة البرهان على شرعية الدولة واستقلالية القرار الوطني، مع تعزيز صورة الجيش كضامن لوحدة السودان وسلامة أراضيه. في المقابل، تتراجع مكانة ميليشيا الدعم السريع تدريجيًا، إذ لم تعد تستطيع تحريك المشهد السياسي بما يناسب مصالحها، وأصبح تحركها محصورًا في مناطق محدودة، وهو ما يضعها تحت ضغط متواصل من القوات المسلحة بقيادة البرهان.
ويلاحظ أن المجتمعات المحلية بدأت تتوجه بشكل أكبر نحو الجيش والدولة الرسمية باعتبارهما المصدر الوحيد للأمن والاستقرار، فيما فقدت ميليشيات الدمار السريع أي دعم شعبي حقيقي. هذا التحول في التأييد الشعبي يزيد من القدرة العملية للجيش على إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة القانون والنظام، ويضعف أي محاولة مستقبلية للميليشيات لإعادة فرض نفوذها.
كما أن الجيش يعمل بشكل مستمر على قطع خطوط التمويل والإمداد عن ميليشيات الدعم السريع، ما يضعف قدراتها العسكرية واللوجستية، ويزيد من إحباط قياداتها ويؤدي إلى انهيار تدريجي في التنظيم الداخلي للميليشيات. هذه الجهود تؤكد أن الدولة قادرة على فرض سيادتها، وأن أي محاولة من الدمار السريع للبقاء على قيد النفوذ ستبوء بالفشل.
في السياق الإقليمي، يظهر الجيش السوداني كجهة موثوقة للتعامل مع الدول المجاورة والمنظمات الإقليمية والدولية، بينما تُعتبر ميليشيات الدعم السريع فاعلًا مزعزعًا للأمن، ومنبوذة سياسيًا، ما يحد من قدرتها على كسب أي دعم خارجي أو إقليمي، ويجعل هزيمتها مسألة وقت ليس أكثر.
في نهاية المطاف، يتضح أن المعركة بين الجيش وميليشيا الدمار السريع ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي حرب على بقاء الدولة ومؤسساتها، وضمان أمن المواطنين واستقرار البلاد. إن الجيش السوداني، بقيادة البرهان، يثبت يومًا بعد يوم أنه الحامي الحقيقي للسيادة الوطنية، وأن أي قوة خارجة على القانون ستنهزم أمام تصميم الدولة وإرادتها.
إن المشهد السوداني الراهن يعكس قوة الدولة، وإصرار الجيش على فرض القانون والنظام، وانكسار ميليشيات الدمار السريع أمام قوة الشرعية والوحدة الوطنية. والمدنيون الذين طالما عانوا من أعمال العنف والتشريد، يجدون الآن بصيص أمل حقيقي في استعادة الأمن والحياة الطبيعية، بفضل الجهود الدائبة والمستميتة للجيش على الأرض، وهو ما يجعل من استعادة الدولة لسيرها الطبيعي أمرًا واقعيًا ومتحققًا، بعكس أي محاولة للميليشيات لإعادة تشكيل المشهد وفق مصالحها الخاصة.
(2)
من الجنجويد إلى ميليشيات الدمار السريع: تاريخ الخيانة ومشروع التفكيك
ظهر الجنجويد في سياق النزاعات المسلحة التي اجتاحت دارفور في سنوات التسعينيات، وكان يُعرف أساسًا بقسوة أفراده وإساءاتهم المتكررة للمدنيين، حيث استخدموا العنف والتهجير كأدوات لإخضاع السكان المحليين وتحقيق مصالح سياسية ضيقة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المليشيات إلى قوة منظمة جزئيًا، لكنها ظلت خارج نطاق الدولة الشرعية، لتصبح لاحقًا قوة موازية تتمدد في مناطق واسعة باسم ما سُمّي لاحقًا قوات الدعم السريع.
تاريخ هذه المليشيات يشهد على خيانة واضحة لمصالح الشعب السوداني، إذ لم تهدف أبدًا إلى حماية المواطنين أو حفظ الأمن، بل كانت أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي في مناطق متعددة. فالتهجير القسري، ونهب الممتلكات، والاعتداءات المتكررة على المدنيين، جميعها كانت سمات أساسية في عمل الجنجويد ومن تبعهم لاحقًا من عناصر الدعم السريع، مما أكسب هذه القوة سمعة سلبية لدى المجتمع السوداني ككل، وأطلق عليها بين الناس مصطلح “ميليشيات الدمار السريع”.
مع وصول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى قيادة هذه القوة، لم تتغير الطبيعة الأساسية لهذه للميليشيات، بل تم تعزيز نفوذها السياسي والعسكري خارج الإطار القانوني، ما جعلها تحديًا مباشرًا للسلطة الشرعية وللجيش السوداني. وقد حاولت ميليشيات الدمار السريع استغلال حالة الانقسام والضعف النسبي لبعض الأجهزة المحلية لتوسيع سيطرتها، إلا أن الجيش ظل متحكمًا بمفاصل الدولة، مدافعًا عن مصالح الشعب والحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
تُظهر الحقائق الميدانية أن هذه الميليشيات لم تكن فقط قوة مسلحة، بل مشروعًا واضحًا لتفكيك الدولة وفرض إرادة شخصية على حساب مؤسساتها الشرعية. وقد ساهمت في إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار، ما عرقل الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية، وعكّر صفو حياة المواطنين في مناطق نفوذها. من هنا، يصبح وصفها بـ ميليشيات الدمار السريع ليس مجرد مصطلح شعبي، بل انعكاس حقيقي لسلوكياتها وانتهاكاتها المستمرة.
على مدار السنوات، حاولت تلك المليشيات تقديم نفسها كجهة فاعلة قادرة على حماية الأمن المحلي، إلا أن الوقائع الميدانية أكدت عكس ذلك: عملياتها لم تحقق الأمن، بل زادت من معاناة المدنيين، ودفعت بالمناطق إلى النزوح والتهجير، ودمرت البنى التحتية. وفي المقابل، قدم الجيش السوداني نموذجًا حقيقيًا للسيطرة الأمنية الفعالة، من خلال إعادة فرض القانون وحماية المواطنين، وفرض هيمنة الدولة الشرعية على الأرض.
كما يجب أن نرى هذا التحول ضمن سياق أوسع، حيث يسعى الجيش السوداني للحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، بينما تحاول ميليشيات الدمار السريع استغلال الثغرات لتوسيع نفوذها. هذا الصراع يعكس طبيعة الحرب على الدولة نفسها، إذ أن أي نجاح للميليشيات يعني انهيارًا جزئيًا للسيادة الوطنية، بينما أي انتصار للجيش يعني تعزيز قدرة الدولة على فرض القانون والنظام وحماية المواطنين.
من منظور استراتيجي، يوضح التاريخ أن ميليشيات الدمار السريع فشلت في فرض أي استقرار طويل الأمد، وأن دورها الأساسي كان في التفكيك والتدمير، وهو ما جعل الجيش السوداني يسعى باستمرار لتصحيح الأوضاع، واستعادة المناطق، وتأمين حياة المدنيين، وإعادة الدولة إلى مركز القرار الوطني. وقد أثبت الجيش خلال عدة عمليات ميدانية أن القدرة على الدفاع عن الدولة ليست مجرد شعار، بل واقع ملموس على الأرض.
في النهاية، يمكن القول إن الصراع بين الجيش وميليشيات حميدتي ليس مجرد نزاع على النفوذ العسكري، بل هو معركة على هوية الدولة نفسها، بين سيادة القانون، وضمان الأمن للمواطنين، وبين نفوذ ميليشيات منفلتة تهدف إلى التفكيك والدمار. وهذا ما يجعل أي تحرك لها خارج القانون محكومًا بالفشل، وانتصار للجيش يعني استعادة الدولة لدورها الطبيعي في حماية الشعب وضمان استقراره.
ومع استمرار مسيرة ميليشيات الدعم السريع، أصبح واضحًا أن نهجها يقوم على التوسع بالقوة وفرض النفوذ على حساب السكان المحليين، وهو نهج يختلف تمامًا عن دور الجيش السوداني الذي يلتزم بالقوانين الشرعية ويحافظ على حقوق المدنيين ويحمي الممتلكات العامة والخاصة. فقد ثبت تاريخيًا أن أي منطقة تدخلها الميليشيات تتحول سريعًا إلى مسرح للفوضى، حيث يسود الخوف بين المواطنين، وتستولي الميليشيات على الموارد، وتنتشر ممارسات تهجير السكان ونهب الأراضي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الجيش السوداني ليس فقط كقوة عسكرية، بل كضامن لوحدة الدولة ومؤسساتها. لقد عمل الجيش على تنظيم القوات الميدانية وتوجيه العمليات بطريقة استراتيجية تحمي المدنيين وتعيد السيطرة على المناطق المتأثرة، مع تقليص قدرة ميليشيات الدعم السريع على المناورة. كما عزز الجيش قدراته الاستخباراتية والتنسيق مع المجتمع المحلي لضمان عدم تسلل هذه الميليشيات إلى المناطق التي أعاد الجيش السيطرة عليها، وهو ما أثبت فعاليته في الحد من نفوذها وتفكيك بنيتها التنظيمية تدريجيًا.
على المستوى الشعبي، بدأ المواطنون يميزون بوضوح بين الجهة التي تحميهم وتعيد لهم الأمان وبين الجهة التي تنشر الفوضى والترويع. فقد أصبح الجيش رمز الأمان والشرعية، بينما يُنظر إلى ميليشيات ما يسمى بالدعم السريع كقوة خارجة عن القانون، لا هدف لها سوى الاستيلاء على الأرض وإرهاب السكان. هذه النظرة الشعبية زادت من عزلة الميليشيات، وجعلت أي تحرك لها أقل فاعلية، وأكدت على أن انتصار الجيش ليس مجرد انتصار عسكري، بل انتصار للشرعية والدولة وللشعب نفسه.
ومع مرور الوقت، بدأت استراتيجية الجيش تؤتي ثمارها على المستوى الميداني والسياسي. فقد تمكن من إعادة فتح الطرق والمرافق الحيوية التي كانت مغلقة أو محتلة، وإعادة تنشيط الأسواق، وتشغيل المؤسسات العامة، بما يعزز حياة المواطنين اليومية ويقلل من الاعتماد على أي قوة خارج الإطار القانوني. هذه النجاحات العملية أعادت الثقة في الدولة، وأظهرت أن الجيش ليس مجرد قوة مسلحة، بل مؤسسة تحمي مصالح الشعب وتفرض النظام في مواجهة أي تهديد خارجي أو داخلي.
كما لعب الجيش دورًا أساسيًا في قطع خطوط الدعم اللوجستي والإمدادي عن ميليشيات الدعم السريع، سواء على مستوى التمويل أو التسليح، ما أدى إلى تضييق مساحة التحرك أمام عناصرها وإضعاف قدرتها على تنفيذ عمليات واسعة. هذا الإجراء الاستراتيجي كان له أثر مباشر في الحد من انتشار الفوضى، وفي تعميق الإحباط داخل صفوف الميليشيات، الأمر الذي ساهم في تسارع سقوطها الميداني وفقدان قدرتها على فرض السيطرة حتى في المناطق التقليدية لنفوذها.
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، أصبح واضحًا أن الميليشيات منفصلة عن أي شرعية أو قبول شعبي أو إقليمي، في حين حصل الجيش على تعامل إيجابي لدى كثير من الجهات الدولية التي ترى فيه الضامن لوحدة السودان واستقراره. هذا التباين عزز من موقف الدولة الرسمي وقلل من أي قدرة للميليشيات على كسب دعم خارجي يمكن أن يمدها بالموارد أو النفوذ، مما جعل هزيمتها مسألة وقت فقط أمام إرادة الجيش لفرض سيادة الدولة واستعادة الأمن.
وفي سياق تحليل الأحداث، يمكن القول إن الصراع بين الجيش وميليشيات الدعم السريع لم يكن مجرد صراع على الأرض أو على السلطة السياسية، بل كان صراعًا على مستقبل السودان نفسه. إذ يمثل الجيش مشروع الدولة القادرة على حماية المواطنين وضمان سيادة القانون، بينما تمثل ميليشيات حميدتي مشروع التفكيك والفوضى. وقد برهنت الوقائع الأخيرة أن أي محاولة من هذه الميليشيات لإعادة فرض نفوذها ستبوء بالفشل، وأن سيادة الدولة وشرعية الجيش ستنتصر على الفوضى الممنهجة، وهو ما يجعل كل خطوة للميليشيات أقل فاعلية وأكثر هشاشة.
فالجيش السوداني بقيادة البرهان، يسير على طريق استعادة السيطرة الكاملة على البلاد، وإحكام قبضته على مفاصل الدولة، فيما تتقهقر ميليشيات حميدتي أمام قوة الدولة ووحدة الشعب، لتظل صورة الجيش كحامي للوطن واضحة للعيان، وصورة ميليشيا الدعم السريع كقوة مدمرة خارجة عن القانون ثابتة لدى الرأي العام الوطني والدولي.
(3)
البرهان القائد الشرعي للدولة ومعركة استعادة السودان من الميليشيات
منذ اللحظة التي اندلع فيها الصراع بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع، وجد الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه أمام مسئولية تاريخية تتجاوز مجرد قيادة مؤسسة عسكرية؛ لتصبح معركة استعادة الدولة نفسها من براثن الفوضى التي أطلقتها الميليشيات بقيادة حميدتي. لم يكن البرهان مجرد قائد في موقع المواجهة، بل أصبح رمزًا للشرعية الوطنية، والقطب الذي تتبلور حوله المؤسسات الرسمية والمجتمع السوداني بكل مكوناته، إدراكًا لطبيعة المعركة التي لا تهدد سلطة الحكومة فقط، بل تهدد كيان الدولة نفسه ومصير ملايين المواطنين.
لقد تعامل البرهان مع الصراع بوصفه معركة دولة وليست مواجهة شخصية، مدركًا أن ما يحدث يتجاوز إطار التمرد العسكري التقليدي إلى مشروع واضح يسعى لنسف أركان الدولة الوطنية وتفكيكها لصالح قوة مسلحة منفلتة. ومنذ الأيام الأولى، حافظ البرهان على خطاب سياسي وعسكري يؤكد فيه أن الجيش ليس طرفًا في صراع نفوذ، بل مؤسسة واجبها الشرعي والتاريخي حماية السودان من السقوط في يد الميليشيات. هذا الوعي بدور المؤسسة العسكرية جعل خطواته محسوبة، وقراراته مبنية على إعادة ترتيب المشهد السياسي والميداني بطريقة تراعي حماية المدنيين وإعادة ضبط التوازن في البلاد.
في الوقت الذي كانت فيه ميليشيات حميدتي تمارس أعمال العنف والنهب وتحتل المدن والمقار الحكومية، اختار البرهان مسارًا واضحًا يقوم على تثبيت شرعية الدولة وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الوطنية. وقد حرص على الظهور الميداني في أكثر من منطقة، مخاطبًا الجنود والمواطنين بصورة مباشرة، في رسالة قوية مفادها أن الدولة لم تغب، وأن الجيش حاضر لحماية البلاد مهما كانت التحديات. هذا الظهور المستمر شكّل نقطة تحول في وعي الشارع السوداني، الذي وجد في البرهان قائدًا لا يكتفي بإدارة المعارك من مركز القيادة، بل يقف في الصفوف الأمامية لطمأنة المواطنين وتعزيز معنويات القوات.
ومع تطور الصراع، بدأ البرهان في إعادة هيكلة منظومة القيادة داخل الجيش بما يعزز فاعلية العمليات ويضمن وحدة القرار العسكري. فقد أدرك مبكرًا أن المواجهة ضد ميليشيات الدمار السريع ليست معركة خاطفة، بل صراع طويل يحتاج إلى تنظيم وتخطيط وتموضع استراتيجي محكم. هذه الرؤية جعلت الجيش ينتقل من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم التدريجي، محققًا تقدمًا في عدة محاور، ومعيدًا السيطرة على مواقع كانت الميليشيات قد تسللت إليها في بداية الأحداث. ومع كل تقدم ميداني، كانت صورة الدولة تعود تدريجيًا إلى المناطق المحررة، ما يعزز ثقة المواطنين في قدرة الجيش على حمايتهم واستعادة النظام.
على المستوى السياسي، استطاع البرهان التعامل بذكاء مع محاولات الميليشيات للحصول على شرعية خارجية عبر الادعاء بأنها ممثل لمصالح المدنيين أو حامية للانتقال الديمقراطي. فقد كان واضحًا أن هذا الخطاب مجرد غطاء لتمرير مشروع السيطرة المسلحة على الدولة. وهنا لعب البرهان دورًا مهمًا في كشف حقيقة هذه الميليشيات للمجتمع الدولي، موضحًا ̶ عبر تصريحات ومواقف دبلوماسية ̶ أن الدعم السريع ليس قوة سياسية، بل تنظيم مسلح خارج القانون. وقد نجحت هذه الجهود في عزل الميليشيات دوليًا، ومنعها من الحصول على أي دعم سياسي حقيقي يمكن أن يغيّر ميزان القوة.
أما داخليًا، فقد تمكن البرهان من الحفاظ على تماسك الجيش رغم شراسة المعارك والضغوط الميدانية. فالمؤسسة العسكرية في السودان، بكل تاريخها الممتد منذ الاستقلال، كانت دائمًا عمود الدولة، ولذلك كان الحفاظ على وحدتها واستقلال قرارها شرطًا أساسيًا لإنقاذ السودان من التفكك. وقد بذل البرهان جهودًا كبيرة لمنع أي اختراق أو تأثير محتمل للميليشيات على الأجنحة العسكرية أو السياسية داخل الدولة، وهو ما ساعد في استمرار الجيش موحدًا وصلبًا طوال فترة الصراع.
وفي الوقت الذي كانت الدعاية الإلكترونية للميليشيات تعمل ليلَ نهار لتضليل المواطنين وبث الشائعات، اعتمد البرهان على منهجية التواصل المباشر عبر بيانات رسمية واضحة، وخطاب عقلاني يضع الحقائق أمام الناس دون تهويل أو إنكار لصعوبات الواقع. هذا الأسلوب مكّن الجيش من الحفاظ على مصداقيته، وأفشل الكثير من مخططات التضليل التي حاولت الميليشيات استخدامها لإضعاف الروح المعنوية لدى الجنود أو خلق انقسامات داخل المجتمع.
من جهة أخرى، برز دور البرهان في حماية مؤسسات الدولة من الانهيار الكامل، إذ عمل على تأمين الوزارات والهيئات الحيوية وإعادة تشغيل عدد من الخدمات الأساسية في المناطق التي استعادها الجيش. هذا الجهد المدني – العسكري أعاد للدولة حضورها العملي، وأثبت أن الجيش ليس مجرد قوة قتالية، بل مؤسسة تدير وتؤمّن وتعيد الحياة إلى طبيعتها. وقد ساعد ذلك في تعزيز ثقة المجتمع الدولي في قدرة الدولة السودانية على الاستمرار رغم الظروف القاسية.
كما أدرك البرهان مبكرًا أن الميليشيات تعتمد بشكل أساسي على خطوط الإمداد الخارجية والداخلية، فعمل على استهداف هذه الخطوط، وقطع مسارات التمويل والتهريب، ما شكّل ضربة موجعة لحميدتي وعناصره. وقد أدى هذا الحصار إلى تراجع قدرات الميليشيات على تنفيذ عمليات واسعة أو الاحتفاظ بالمناطق التي كانت تسيطر عليها. ومع تقلص الدعم والموارد، بدأت مظاهر الضعف والتفكك تظهر داخل صفوفها، وتزايدت حالات الهروب والانشقاق، خصوصًا بعد الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها في عدد من الجبهات.
وبينما كانت الميليشيات تحاول الحفاظ على مواقعها عبر ترهيب المدنيين، تبنى البرهان استراتيجية مختلفة تقوم على حماية السكان وتوفير الممرات الآمنة للنازحين، ما جعله يحظى بتأييد واسع من المجتمعات المحلية التي عانت من فظائع الدعم السريع. هذا التأييد الشعبي لم يكن مجرد دعم معنوي، بل أصبح عاملًا مهمًا في تعزيز الجهد العسكري، حيث قدم المواطنون معلومات مهمة للجيش وساهموا في حماية مناطقهم من تسلل الميليشيات.
لقد أصبح واضحًا مع مرور الوقت أن البرهان لا يخوض معركة شخصية ضد حميدتي، بل معركة وطنية ضد مشروع تفكيك الدولة. وقد أظهر قدرة كبيرة على الصمود وإدارة الصراع ببرود الأعصاب، رغم محاولات الضغط المتعددة، سواء عبر العمليات العسكرية أو عبر الشائعات التي حاولت التشكيك في القيادة العسكرية. إلا أن توالي الانتصارات على الأرض أكّد صحة النهج الذي اختاره، وأثبت أن الجيش قادر على استعادة السيطرة مهما طالت المعركة.
وفي المحصلة، تكشف تجربة البرهان في إدارة الحرب مع الدعم السريع أن القيادة ليست مجرد موقع، بل مسئولية تفرض على صاحبها حماية الدولة حتى آخر لحظة. ومع تقدم الجيش وتراجع الميليشيات، أصبح واضحًا أن السودان يسير نحو استعادة سيادته، وأن المشروع المسلح الذي حاول حميدتي فرضه على السودانيين يتلاشى أمام إرادة الدولة وشرعيتها. ومع كل يوم يمر، تتأكد حقيقة أن البرهان لم يكن قائدًا عاديًا، بل الرجل الذي وقف سدًا منيعًا أمام سقوط السودان في فوضى شاملة، وحمل راية الدولة في اللحظة التي كانت مهددة فيها بأخطر محنة في تاريخها الحديث.
ومع تصاعد المعارك، أصبح واضحًا أن نجاح البرهان لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على القدرة على استثمار كل الموارد المؤسسية والشرعية للدولة. فقد عمل على تنسيق الجهود بين الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لضمان مراقبة تحركات ميليشيات الدعم السريع ومنع أي محاولة لإعادة الانتشار أو استغلال الثغرات. كما ركّز على تأمين المدن والمناطق المحررة، وإعادة الخدمات الأساسية بسرعة، ما أعاد إحساس المواطنين بالسيادة والأمان، وقلّل من أي تأثير نفسي يمكن أن تستخدمه الميليشيات لبث الرعب.
وفي الوقت نفسه، نجح البرهان في عزل ميليشيات الدعم السريع على الصعيد الدولي. فقد كانت جهوده الميدانية والسياسية حاسمة في توضيح حقيقة الميليشيات أمام المجتمع الدولي، ما ساهم في فرض عقوبات على قياداتها، وتقليص أي دعم خارجي كان يمكن أن يمدّ المشروع المسلح بالموارد أو النفوذ. هذه الضغوط الدولية مكّنت الجيش من التحرك بحرية أكبر، وأثرت بشكل مباشر على قدرة ميليشيات حميدتي على التموضع أو تنفيذ عمليات واسعة، حتى بدأت تظهر الانشقاقات والضعف في صفوفها.
كما لعب التأييد الشعبي دورًا محوريًا في المعركة، إذ وجدت المجتمعات المحلية في الجيش والحكومة الشرعية مصدر حماية وثقة، بعكس ميليشيات الدعم السريع التي فقدت أي شرعية حقيقية. دعم المواطنين للجيش لم يقتصر على المعلومات أو المساندة المعنوية، بل ساهم في إحباط محاولات الميليشيات للسيطرة على المناطق، ومنع تكرار عمليات التجنيد القسري والنهب، ما سرّع من سقوط حميدتي وألغى تأثيره على المدى الطويل.
وتجلّت براعة البرهان في إدارة الصراع عبر مزيج من الحزم العسكري، والتواصل السياسي، والتنسيق الدولي، واستثمار الدعم الشعبي. هذا النهج جعل الجيش ليس فقط قوة قتالية، بل مؤسسة تحمي الدولة وتعيد بناء مؤسساتها. ومع كل تقدم ميداني، تزداد وضوحًا حقيقة أن مشروع الدعم السريع، الذي قام على القوة والفوضى والولاءات العائلية، لم يكن قادرًا على مواجهة إرادة الدولة الموحدة، وأن سقوطه أصبح مسألة وقت لا أكثر.
وهكذا، تظل تجربة البرهان نموذجًا نادرًا في القيادة العسكرية والسياسية، حيث تم الجمع بين الحزم العسكري والحكمة السياسية، لحماية الدولة وإعادة فرض سيادتها، بينما ينهار مشروع الميليشيات أمام إرادة الجيش والشعب والمجتمع الدولي، مؤكّدًا أن الدولة السودانية قادرة على استعادة توازنها واستمرار وجودها رغم كل التحديات.
ومع استمرار العمليات الميدانية، أصبح الجيش السوداني بقيادة البرهان قادراً على قلب المعادلة في ميادين الاشتباك، حيث تحولت مواقع كانت تسيطر عليها ميليشيات الدعم السريع إلى مناطق آمنة تحت إشراف القوات النظامية. كل انتصار ميداني لم يكن مجرد استعادة أرض، بل رسالة واضحة للميليشيات وللمجتمع الدولي بأن الدولة السودانية مستمرة، وأن مشروع الفوضى لا يمكن أن يثني إرادتها أو يهدد سيادتها. هذه الانتصارات الميدانية عززت ثقة المواطنين في الجيش، وشكلت حافزًا إضافيًا للمجتمع المحلي لتقديم الدعم، سواء بالمعلومات أو بحماية مناطقهم، وهو دعم غير محدود أثر بشكل مباشر في تراجع قدرة ميليشيات حميدتي على المناورة.
كما أثبت البرهان أن القيادة الحقيقية تتطلب مزيجًا من القوة والذكاء الاستراتيجي، إذ استطاع توجيه الجيش بشكل دقيق نحو ضرب خطوط التمويل والإمداد للميليشيات، ومراقبة تحركاتها عبر أجهزة استخبارات متقدمة، ما أدى إلى شلل جزئي في العمليات العسكرية للميليشيات وانكسار معنوي لدى قياداتها. وفي الوقت نفسه، أسس البرهان نموذجًا للتواصل مع المجتمع الدولي لتأكيد شرعية الجيش وكشف حقيقة الميليشيات، ما انعكس على فرض عقوبات إضافية على قيادات الدعم السريع، وتقليص أي قدرة لها على استغلال النفوذ الإقليمي أو الدولي، وبالتالي فقدت الميليشيات أي غطاء سياسي أو شعبي.
على الصعيد الداخلي، حرص البرهان على الحفاظ على وحدوية الجيش ومنع أي انقسامات داخل المؤسسة العسكرية، فمع كل معركة كان يؤكد على أهمية الالتزام بالانضباط، والولاء للدولة لا للأفراد، ما صان قوة الجيش ومنع استغلال أي شقوق محتملة من قبل ميليشيات الدعم السريع. كما ركز على حماية المدنيين، وفتح ممرات آمنة للنازحين، وإعادة الخدمات الأساسية للمناطق المحررة، وهو ما جعل الجيش قوة تحمي المجتمع، وليس مجرد كيان قتالي.
وفي النهاية، يظهر بوضوح أن البرهان لم يخض هذه المعركة من أجل انتصار عسكري فحسب، بل من أجل استعادة الدولة نفسها. مشروع ميليشيات الدعم السريع، الذي اعتمد على الفوضى والولاءات العائلية والقهر، بدأ يتفكك تدريجيًا أمام إرادة الجيش والشعب والدعم الدولي. ومع كل يوم يمر، يزداد وضوح حقيقة أن القيادة الوطنية الحقيقية، المبنية على شرعية الدولة والمصلحة العامة، قادرة على إعادة السودان إلى مساره الطبيعي، وأن سقوط الميليشيات صار مسألة وقت ليس إلا.
(4)
ميليشيات حميدتي – صناعة الفوضى ومحاولة إسقاط الدولة
لم تكن ميليشيات حميدتي يومًا مجرد قوة مسلّحة انفلتت من قبضة الدولة، بل كانت مشروعًا موازيًا يسعى لابتلاعها من الداخل، عبر تكوين هياكل شبه عسكرية متوحّشة تتغذّى على الفوضى وتتمدّد في المساحات التي تضعف فيها مؤسسات الحكم. كانت الفكرة ببساطة أن تبقى الدولة واقفة من الخارج، بينما تُسحب أجهزتها من الداخل لصالح قوة عائلية متنفّذة تعيد تشكيل السودان وفق مصالحها لا وفق مصالح مواطنيه.
منذ أن خرج الدعم السريع من عباءة الجيش رسميًا، بدأ حميدتي في إعادة بناء الميليشيات بمنطق “الولاء أولًا، ثم الولاء، ثم الولاء”، رافعًا شعارًا غير مكتوب: القوة الموالية للعائلة أهم من القوة الموالية للوطن. وفي هذا السياق ظهر شقيقه عبدالرحيم حمدان دقلو في موقع نائب قائد قوات الدعم السريع، ليصبح الرجل الثاني في المنظومة الميليشياوية بعد حميدتي مباشرة. عبدالرحيم لم يكن مجرّد منصب شرفي، بل كان يشرف على العمليات الميدانية، ويأمر بتوجيهات مباشرة في مناطق الاشتباك، ويمتلك نفوذًا يتجاوز بعض قادة القطاعات نفسها، الأمر الذي جعل وجوده “تثبيتًا” لطابع التنظيم العائلي داخل هذه القوة المسلحة.
ومع تصاعد جرائم الدعم السريع في الفاشر والجنينة ونيالا وغيرها، بدأ المجتمع الدولي ينظر بجدية إلى قيادات هذه الميليشيات، فلم يعد حميدتي وحده في مرمى الاتهامات، بل برز اسم عبدالرحيم دقلو باعتباره المسؤول عن جزء واسع من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات على الأرض. وهكذا صدرت بحقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي شملت تجميد أصول وحظر سفر، تبعتها عقوبات من بريطانيا استهدفته بصفته المتورّط في أعمال تُعدّ جرائم ضد الإنسانية، ثم أكدّت كندا والولايات المتحدة إدراجه ضمن قوائم العقوبات السابقة، باعتباره أحد أعمدة مشروع الفوضى الذي يهدد السودان.
ولم تكن شبكة القيادات داخل الدعم السريع أقل خطورة. فقد تشكّلت من ضباط ميدانيين وقادة قطاعات نشأ أغلبهم في ظروف تجعل الولاء للميليشيات وفائدتها المادية أهم من أي التزام تجاه الوطن. بعضهم قاد عمليات نهب وتهجير قسري، وبعضهم تولى إدارة خطوط التمويل، وآخرون أشرفوا على التنسيق مع مجموعات خارجية لضمان استمرار الإمداد بالسلاح. وبين كل هؤلاء كان عبد الرحيم هو “الذراع الحديدية” لحميدتي، والرجل الذي يترجم القرارات إلى أفعال في الميدان.
ولأن المشروع كان يعتمد على “خلق دولة داخل الدولة”، ركّزت الميليشيات على إسقاط مؤسسات الدولة الشرعية عبر نشر الرعب، وتدمير البنية الاجتماعية في المدن التي تسيطر عليها، ومحاولة فرض واقع جديد يجعل من وجود الجيش مسألة شكلية. كانوا يريدون أن يصبح السودان هو الميليشيات، وأن يتحول السلاح إلى صوت القانون، وأن يصبح الانتماء للعائلة الحاكمة هو معيار القوة والنفوذ.
لكنّ المجتمع الدولي بدأ يرى الصورة بوضوح أكبر. فالعقوبات التي صيغت ضد قادة الدعم السريع لم تكن مجرد رسالة سياسية، بل كانت اعترافًا رسميًا بأن هذه القوة تحوّلت إلى مشروع إرهابي منظّم يرتكب الانتهاكات على نطاق واسع، ويهدد استقرار دولة تمتلك تاريخًا عريقًا وموقعًا شديد الحساسية في المنطقة. لقد جاءت العقوبات لتعلن للعالم أن ما يحدث ليس نزاعًا داخليًا عابرًا، بل محاولة انقلاب ميليشياوي ضد الدولة نفسها، يقوده حميدتي ويعززه شقيقه عبدالرحيم ورجالاتهما في الميدان.
وهكذا أصبح المشهد واضحًا: ميليشيات ذات قيادة عائلية، بقدرات عسكرية ضخمة بُنيت عبر سنوات من الدعم الخارجي والنهب الداخلي، تحاول إسقاط الدولة وتفكيك مؤسساتها، بينما يحمل القانون الدولي وزرها على قياداتها واحدًا تلو الآخر. والنتيجة أن مشروع حميدتي، الذي قام على السلاح والانتهاكات وشراء الولاءات، بدأ يتكسّر أمام صمود الجيش من جهة، وضغط المجتمع الدولي من جهة أخرى، ووعي الشعب السوداني الذي أدرك أن ما يُراد له هو أن يتحوّل إلى ضحية دولة مُختطفة لا سيادة فيها إلا للميليشيات وقادتها.
غير أن أخطر ما في مشروع حميدتي لم يكن الفوضى العسكرية وحدها، بل سعيه الحثيث لإعادة صياغة المجتمع السوداني وفق منطق “الهيمنة بالقهر”. فقد عملت الميليشيات منذ السنوات الأولى على استمالة مجموعات قبلية عبر المال والسلاح، بينما كانت تُهمّش مجموعات أخرى وتتعامل معها كأعداء. هذا التفتيت الاجتماعي لم يكن عشوائيًا، بل هو تكتيك مقصود يجعل من الصعب على الدولة أن تستعيد انسجام المجتمع بعد الحرب، ويمنح الميليشيات فرصة لتقديم نفسها كقوة “ضامنة للاستقرار” رغم أنها مصدر الفوضى الأساسي.
وكان لبعض قيادات الدعم السريع دور direkte في تنفيذ هذا المخطط. فإلى جانب عبدالرحيم دقلو، برزت أسماء أخرى أشرفت على شبكات النفوذ في دارفور والخرطوم، وتولّت عمليات التجنيد، والاستيلاء على الثروات الطبيعية، وفتح قنوات تمويل سرية عبر تجارة الذهب والتهريب العابر للحدود. هذه القيادات لم تكن تتحرك بصورة فردية، بل في إطار بنية اقتصادية موازية هدفت إلى تمويل المشروع العسكري بعيدًا عن رقابة الدولة، مما جعل الدعم السريع يتحول من قوة مسلحة إلى “اقتصاد حرب” مستقل، لا يخضع للقوانين ولا لضرورات الدولة.
وتجلّى هذا الاقتصاد الموازي بشكل واضح في مناطق التعدين، حيث سيطرت الميليشيات على بعض المناجم، وفرضت إتاوات على العمال والتجار، واستخدمت العائدات في شراء السلاح والولاءات. وقد أشارت تقارير دولية إلى أن هذه الشبكات الاقتصادية هي إحدى الركائز التي مكّنت الدعم السريع من الصمود في بدايات الحرب، قبل أن تضيق عليها الخناق العقوبات الدولية وتقطع مسارات التمويل الخارجية.
وإلى جانب ذلك، شكّلت الميليشيات أجهزة أمن داخلية تعمل بأسلوب الشرطة السرية، هدفها مراقبة المدنيين وابتزاز التجار. هذه الأجهزة استخدمت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، وامتهنت التفتيش العشوائي ونهب الممتلكات الخاصة، حتى أصبح وجودها مرادفًا للرعب في بعض الأحياء. وكان كثير من هذه الممارسات يتمّ تحت إشراف قادة ميدانيين مقرّبين من عبدالرحيم دقلو، ما جعل دوره يتجاوز القيادة العسكرية إلى دور مركزي في “إدارة الفوضى”.
ومع انكشاف هذه الحقائق، أصبحت قضية الدعم السريع ليست مجرد شأن داخلي سوداني، بل قضية إقليمية ودولية، خصوصًا بعد أن ظهرت أدلة على تورط الميليشيات في جرائم واسعة النطاق ضد الإنسانية. هذا ما دفع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم تجاه قيادات الميليشيات، باعتبارهم مسؤولين مباشرين عن الجرائم التي تهدد استقرار السودان والمنطقة. ومن المتوقع أن تتوسع هذه العقوبات إذا استمرت الميليشيات في نهجها، خاصة وأن المجتمع الدولي بات يرى أن مشروع حميدتي ليس مشروعًا سياسيًا، بل مشروع تفكيك للدولة.
وما يعزّز خطورة هذا المشروع هو محاولات الميليشيات المستمرة لانتزاع الشرعية عبر الإعلام الخارجي. فقد حاول حميدتي تقديم نفسه كقائد “يقاتل من أجل الديمقراطية”، رغم أن أفعال الميليشيات على الأرض تُظهر العكس تمامًا. وبينما كان يُلقي خطابات منمّقة أمام وسائل الإعلام الأجنبية، كانت قواته تنفذ عمليات قتل ونهب في شوارع الخرطوم ودارفور. هذه الازدواجية بين الخطاب والممارسة لم تعد تنطلي على أحد، إذ وضعت التقارير الدولية الصورة الحقيقية بوضوح: ميليشيات مسلحة تحاول إسقاط الدولة وتفرض واقعًا بالقوة.
ومع ذلك، يبقى السودان قادرًا على تجاوز هذا الخطر بفضل صمود الجيش ووعي الشعب الذي رفض الوقوع تحت سيطرة الميليشيات. لقد أدرك السودانيون أن الدعم السريع لا يمثل أي مشروع وطني، بل مشروعًا عائليًا مسلحًا يسعى لابتلاع السلطة والثروة. وكلما اشتد الضغط الدولي وتقدمت القوات المسلحة ميدانيًا، تقلّصت قدرة الميليشيات على المناورة، وبدأ مشروعها يتراجع أمام إرادة الدولة والشعب.
وهنا يصبح من الواضح أن المعركة ليست فقط بين جيش وميليشيات، بل بين مشروع دولة ومشروع فوضى، بين منظومة مؤسسية تريد بناء السودان، ومنظومة عائلية تريد السيطرة عليه. وما دام الجيش والشعب والمجتمع الدولي يقفون ضد هذا المشروع، فإن سقوطه مسألة وقت، مهما طال الصراع ومهما اشتدت ضراوته.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل انهيار مشروع الميليشيات عن تآكل صورتها داخل البيئات التي حاولت الادّعاء بأنها حاضنتها الطبيعية. فمع طول أمد الصراع، بدأت قطاعات واسعة من المجتمعات المحلية التي استُخدمت وقودًا للحرب تكتشف أن الدعم السريع لم يجلب لها حماية ولا مكاسب، بل جلب دمارًا وفقدانًا للأمن وقطيعة مع الدولة. ومع انكشاف حجم الجرائم والانتهاكات، تراجعت قدرة الميليشيات على تجنيد عناصر جديدة، وبدأت حالة من التفكك الداخلي تطفو على السطح، تمثلت في الانشقاقات، والهروب من مواقع القتال، وتزايد النزاعات بين القادة الميدانيين أنفسهم.
كما أن اعتماد الميليشيات على الرعب كسلاح رئيسي ارتدّ عليها تدريجيًا، إذ تحوّل الخوف إلى كراهية، والكراهية إلى رفض صريح لأي وجود لها. فالمجتمع الذي يُحكم بالقوة لا يمنح شرعية، بل ينتظر لحظة الخلاص. وقد أدركت الميليشيات، متأخرة، أن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على الناس، وأن المدن التي تُحتل بالقهر تصبح عبئًا أمنيًا واقتصاديًا لا يمكن إدارته على المدى الطويل.
وفي المقابل، استفادت الدولة من هذا التحول، إذ باتت معركة الجيش لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا باستعادة الثقة الشعبية، وتثبيت فكرة أن وجود المؤسسة العسكرية هو الضمانة الأخيرة لعدم انزلاق السودان إلى نموذج الدولة المنهارة. ومع كل تراجع للدعم السريع، تتكشف حقيقة أساسية: أن الميليشيات، مهما امتلكت من سلاح ومال، تظل كيانًا هشًا لا يستطيع أن يحل محل الدولة، ولا أن يفرض نفسه مستقبلًا مستقرًا.
وبذلك، فإن مشروع حميدتي لا ينهزم فقط بفعل القوة العسكرية أو العقوبات الدولية، بل ينهزم قبل ذلك بفعل تناقضه الداخلي، وافتقاره لأي أساس وطني أو أخلاقي. إنها نهاية منطقية لمسار بُني على الفوضى، ولا يمكن أن يفضي إلا إلى السقوط.
(5)
انتصارات الجيش السوداني – كيف تحوّل الميدان لصالح الدولة؟
مع بداية التصعيد العسكري، بدا المشهد على الأرض هشًا ومعقدًا، إذ كانت ميليشيات الدعم السريع تحاول فرض واقع جديد بالقوة، مستغلةً فجوات الانضباط الأمني والتخطيط الميداني. إلا أن الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أظهر قدرة استثنائية على التحرك بسرعة وحسم المعارك، وتحويل الميدان كله لصالح الدولة، مستفيدًا من الخبرة التاريخية في إدارة النزاعات الداخلية والخارجية، ومن الدعم الشعبي المتزايد.
كانت الاستراتيجية العسكرية للجيش قائمة على ثلاث محاور أساسية: أولًا، استعادة السيطرة على النقاط الاستراتيجية التي سيطرت عليها ميليشيات حميدتي في المدن الكبرى مثل الخرطوم ومدن دارفور، وتثبيت الأمن فيها. ثانيًا، منع أي تمدد جديد للميليشيات، وقطع خطوط الإمداد والتمويل الخاصة بها، بما في ذلك السيطرة على الطرق الرئيسة والمرافئ والمرافق الحيوية. وثالثًا، دعم المدنيين الذين تضرروا من عمليات القصف والنهب، لضمان استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، وكسب مزيد من الدعم الشعبي.
من اللحظة الأولى، أظهر الجيش السوداني قدرة على التنسيق الميداني والاستخباراتي، حيث استخدمت الأجهزة الأمنية والمخابرات الجيش لتحديد مواقع الميليشيات، ومعرفة خطوط تحركها، ومن ثم ضربها بدقة عالية. هذا التخطيط المكثف مكّن الجيش من تقليص الخسائر في صفوف المدنيين، بينما أدى إلى إرهاق قوات الدعم السريع وفقدانها القدرة على السيطرة على الأرض. وكانت العمليات في دارفور نموذجًا حيًا لكيفية استخدام الجيش للتكتيكات الحضرية والميدانية معًا، لضمان حسم النزاع بسرعة ودون إعطاء الميليشيات أي فرصة للاستفادة من الفوضى.
إلى جانب الحسم العسكري، لعب الدعم الشعبي دورًا محوريًا في تحوّل الميدان لصالح الدولة. فقد بدأ المواطنون يميزون بوضوح بين الجيش كقوة حماية وطنية، وبين ميليشيات الدعم السريع كقوة فوضوية تستغل المدنيين وتنهب ممتلكاتهم. هذا التحوّل في الدعم الشعبي كان عنصرًا حاسمًا، إذ وفّر للجيش المعلومات المحلية، وساعد في تأمين المناطق المستعادة، ومنع أي محاولات لإعادة تمدّد الميليشيات بعد الهزيمة.
كما ركّز الجيش على قطع خطوط التمويل والإمداد للميليشيا، سواء كانت شبكات تهريب السلاح أو الإمدادات الغذائية والوقود. هذه الخطوة أضعفت القدرة العملياتية للدعم السريع وأدت إلى انهيار تدريجي في الانضباط داخل صفوفه، ما جعل كل هجوم من الميليشيات أقل فاعلية وأكثر هشاشة. ورافق ذلك حملات إعلامية ودبلوماسية لتوضيح الحقائق على المستوى الدولي، بما يعزز شرعية الجيش ويضع الميليشيات في موقع المنبوذ، لا سيما بعد العقوبات التي فرضتها أوروبا وأمريكا على قياداتها.
ومن أبرز إنجازات الجيش أيضًا تحرير المدن والطرق الرئيسية في مناطق دارفور والشرق، وهو ما أعاد الحياة إلى الأسواق، وشغّل المؤسسات العامة، وضمن وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين. هذه النجاحات العملية لم تكن مجرد استعادة للأرض، بل رسّخت فكرة أن الدولة قادرة على فرض النظام والأمن، وأن أي قوة خارجة على القانون لن تبقى طويلًا. وقد ساهمت هذه الإنجازات في زيادة الثقة الشعبية والدولية في الجيش كحارس للسيادة الوطنية.
في الميدان، أظهرت المعارك تكتيكًا عالي التنظيم، حيث تم استهداف مواقع قيادية للمليشيات، وتم تفكيك بعض الهياكل العسكرية للدعم السريع بشكل كامل، مع الحد من قدرتها على المناورة أو التجدد بسرعة. كما عمد الجيش إلى تعزيز الأمن في المناطق المحررة، مع متابعة دقيقة لأي محاولات لإعادة الانتشار، وهو ما ساعد على منع أي نكسات محتملة وإبقاء الميليشيات في موقف دفاعي دائم.
ومع كل هذه الخطوات، بدا واضحًا أن الجيش السوداني نجح في تحويل المعركة من مجرد دفاع عن الدولة إلى فرض إرادة الدولة على الأرض. لم يعد الوضع كما كان في البداية، حيث كانت ميليشيات حميدتي تتحرك بحرية، بل تحوّل الميدان بالكامل لصالح الدولة، واستعاد الجيش المبادرة، وأثبت أن السيادة الوطنية لا يمكن أن تُنتزع بالقوة، وأن الدولة هي الحاكم النهائي لكل ما يجري على أرض السودان.
في نهاية المطاف، تثبت هذه الانتصارات أن الجيش السوداني ليس مجرد قوة مسلحة، بل مؤسسة حقيقية تعكس إرادة الدولة والشعب، وأن كل خطوة على الأرض تنقل رسالة واضحة: من يحاول تهديد الدولة أو فرض نفوذه بالقوة سيواجه بالتصميم العسكري والسياسي، حتى تظل السودان موحدًا، مستقراً، وسائرًا على طريق البناء والإصلاح.
ولم يكن التحول في ميزان القوة وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم خبرة عسكرية طويلة لدى الجيش السوداني في إدارة الحروب غير التقليدية. فالدعم السريع اعتمد منذ البداية على عنصر المباغتة والانتشار السريع داخل المدن، لكن هذا الأسلوب نفسه تحوّل إلى نقطة ضعف حين واجه جيشًا منظمًا يمتلك القدرة على الصبر، وإعادة التموضع، واستنزاف الخصم بدل الاندفاع غير المحسوب. ومع مرور الوقت، بدأت الميليشيات تفقد أهم ما كانت تملكه: القدرة على السيطرة المستدامة على الأرض.
لقد أدرك الجيش أن المعركة الحقيقية ليست في احتلال موقع ليوم أو يومين، بل في تثبيت السيطرة ومنع العودة. لذلك ركّز على تأمين المناطق المحررة، وإعادة انتشار الوحدات النظامية، ومنع الفراغ الأمني الذي كانت الميليشيات تستغله سابقًا. هذا النهج جعل كل تقدم ميداني مكسبًا دائمًا، لا مجرد انتصار عابر يمكن الالتفاف عليه.
كما لعب التفوق الجوي دورًا مهمًا في قلب موازين المعركة. فقد استخدم الجيش هذا التفوق لتعطيل تحركات الدعم السريع، وضرب تجمعاته ومخازنه، وإرباك خطوط القيادة والسيطرة. ومع غياب غطاء جوي حقيقي للميليشيا، أصبحت تحركاتها مكشوفة، وتحوّل الانتشار الواسع الذي كانت تعتمد عليه إلى عبء ثقيل يسهل استهدافه. ومع كل ضربة دقيقة، كانت الميليشيات تخسر عناصر مدربة ومعدات يصعب تعويضها.
وفي المقابل، استفاد الجيش من تآكل الروح المعنوية داخل صفوف الدعم السريع. فمع طول أمد الحرب، وازدياد الخسائر، وتراجع الموارد، بدأت حالات الانشقاق والفرار تظهر بوضوح، خصوصًا بين العناصر التي جرى تجنيدها بدوافع مادية بحتة. هؤلاء لم يكونوا مستعدين لخوض حرب طويلة ضد جيش نظامي، ولا للموت دفاعًا عن مشروع عائلي لا يحمل أي أفق وطني. هذا التفكك الداخلي كان أحد العوامل الحاسمة التي عجّلت بتحوّل الميدان لصالح الدولة.
ومن زاوية أخرى، كان لانكشاف جرائم الميليشيات أثر بالغ في ترجيح كفة الجيش. فكل منطقة تستعاد كانت تكشف حجم الدمار والنهب والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، ما عمّق القطيعة بينها وبين المجتمع المحلي. هذا الواقع جعل أي محاولة من الميليشيات لاستعادة تلك المناطق شبه مستحيلة، لأن السكان أنفسهم أصبحوا خط الدفاع الأول ضد عودتها، رافضين وجودها بعد أن اختبروا حكمها القائم على الخوف والفوضى.
سياسيًا، استفادت الدولة من النجاحات الميدانية في إعادة ترتيب المشهد الخارجي. فقد بدأ العالم يتعامل مع الجيش السوداني باعتباره الطرف الوحيد القادر على إعادة الاستقرار، بينما تراجعت أي أوهام حول إمكانية تسويق الدعم السريع كشريك سياسي. ومع كل تقدم عسكري، كان الموقف الدولي يميل أكثر لصالح الدولة، ويتشدد أكثر تجاه الميليشيات، سواء عبر العقوبات أو عبر الخطاب الدبلوماسي الذي يربط أي حل سياسي بتفكيك القوة المتمردة.
ولم تقتصر انتصارات الجيش على الجبهات العسكرية فقط، بل امتدت إلى معركة الوعي. فقد فشلت الدعاية التي حاولت تصوير الصراع كحرب بين أطراف متكافئة، أو كصراع على السلطة بين جنرالات. الواقع الميداني كشف أن الجيش يقاتل لاستعادة الدولة، بينما تقاتل الميليشيات للحفاظ على نفوذها غير المشروع. ومع اتساع رقعة المناطق الآمنة، بدأ المواطن يرى الفرق عمليًا بين وجود الدولة ووجود الميليشيات، لا عبر الشعارات بل عبر الأمن والخدمات وعودة الحياة تدريجيًا.
ومع كل ذلك، لم يدّعِ الجيش أن الطريق سهل أو قصير. فالمعركة مع ميليشيات متغلغلة في بعض المناطق ومعقدة الارتباطات تتطلب وقتًا وصبرًا. لكن المؤكد أن المبادرة انتقلت بالكامل إلى يد الدولة، وأن الدعم السريع بات في موقع رد الفعل لا الفعل، يدافع عما تبقى له بدل أن يفرض واقعًا جديدًا. وهذا التحول هو جوهر الانتصار الحقيقي، لأنه يعني أن مشروع الميليشيات لم يعد قابلًا للحياة.
وهكذا، يمكن القول إن انتصارات الجيش السوداني لم تكن مجرد انتصارات بالسلاح، بل كانت انتصارات في الإرادة والتنظيم والشرعية. لقد أثبتت الدولة أنها قادرة على الصمود، وأن الميدان –مهما بدا في بدايته مرتبكًا– يمكن أن يتحول لصالحها حين تتوفر القيادة، والتخطيط، والالتفاف الشعبي. ومع استمرار هذا المسار، يصبح سقوط مشروع الميليشيات مسألة وقت، لا أكثر.
ومع اتساع رقعة انتصارات الجيش، بدأت خريطة السيطرة الميدانية تتغير بشكل واضح لا يقبل التأويل. فالمناطق التي كانت تُعدّ معاقل رئيسية لميليشيات حميدتي تحوّلت تدريجيًا إلى نقاط ضغط عليها، بعدما نجح الجيش في تفكيك شبكاتها داخل المدن، وعزل وحداتها عن بعضها البعض. هذا التفكيك لم يكن عسكريًا فقط، بل لوجستيًا وإداريًا، حيث فقدت الميليشيات قدرتها على إدارة مناطق نفوذها أو تأمين احتياجاتها الأساسية من الوقود والذخيرة والإمدادات.
أحد أبرز مظاهر تفوق الجيش تمثّل في ضرب مراكز الثقل القيادي للميليشيات. فمع الوقت، لم تعد قيادة الدعم السريع قادرة على التحكم الميداني المباشر في وحداتها، واضطرت للاعتماد على قادة محليين يفتقرون إلى الخبرة العسكرية، ما أدى إلى قرارات مرتجلة وخسائر متتالية. هذا التفكك القيادي انعكس في الأداء القتالي المرتبك، وفي فقدان القدرة على تنفيذ عمليات منسقة واسعة النطاق، وهو ما حوّل الميليشيات من قوة هجومية إلى مجموعات مشتتة تسعى فقط للبقاء.
وفي مقابل هذا الانهيار، حافظ الجيش السوداني على تماسك قيادي ومؤسسي واضح. فقد استمرت سلسلة القيادة دون انقطاع، وتم الحفاظ على الانضباط العسكري، وهو عنصر حاسم في الحروب طويلة النفس. هذا التماسك مكّن الجيش من امتصاص الضربات الأولى، ثم الانتقال بثبات إلى مرحلة المبادرة والهجوم المنظم، مستفيدًا من أخطاء الخصم ومن طبيعته غير النظامية.
كما شكّلت استعادة المنشآت الاستراتيجية نقطة تحول فارقة في مسار الصراع. فكل موقع سيادي أو مرفق حيوي يستعيده الجيش لا يمثل مجرد مكسب رمزي، بل ضربة مباشرة لقدرة الميليشيات على الادعاء بأنها بديل للدولة. فالدولة تُقاس بقدرتها على حماية المطارات، والجسور، والمؤسسات، لا بالسيطرة المؤقتة عليها. ومع كل منشأة تعود لسلطة الجيش، كانت تتآكل صورة حميدتي كقائد قادر على إدارة كيان سياسي أو عسكري مستقل.
الهزائم المتتالية لميليشيات الدعم السريع انعكست أيضًا على سلوكها الميداني، حيث لجأت بشكل متزايد إلى الانتقام من المدنيين والنهب والتخريب، في محاولة لتعويض فشلها العسكري عبر بث الرعب. لكن هذا السلوك لم يؤدِّ إلا إلى تعميق عزلتها، وتحويلها إلى عبء حتى على البيئات التي حاولت سابقًا الاحتماء بها. وهنا، تحوّل الغضب الشعبي إلى عنصر مساعد للجيش، يوفّر له معلومات، ويفضح تحركات الميليشيات، ويمنعها من إعادة التمركز.
ومع تراجع قدرة حميدتي على المناورة داخليًا، بدأت الخيارات تضيق أمامه سياسيًا. فالهزيمة الميدانية سحبت من يده ورقة الضغط الأساسية، ولم يعد قادرًا على فرض شروط أو ابتزاز الدولة عبر القوة. ومع تصاعد العقوبات الدولية، وانكشاف شبكات التمويل، أصبح وجوده عبئًا حتى على من حاولوا سابقًا الاستثمار فيه كلاعب محتمل في المشهد السوداني.
الأهم من ذلك أن انتصارات الجيش أعادت تعريف الصراع في وعي السودانيين. فلم يعد يُنظر إلى المعركة بوصفها نزاعًا معقّدًا بين أطراف متنازعة، بل كحرب واضحة بين دولة تسعى لاستعادة سيادتها، وميليشيا تحاول النجاة من السقوط. هذا الوضوح في الرؤية الشعبية منح الجيش عمقًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن السلاح، لأن الحروب لا تُحسم في الميدان وحده، بل في الوعي العام أيضًا.
ومع استمرار الضغط العسكري، بات واضحًا أن ميليشيات حميدتي فقدت القدرة على فرض إيقاع المعركة. فبعد أن كانت تختار زمان ومكان الاشتباك، أصبحت تتحرك تحت الضغط، وتُجبر على الرد بدل المبادرة، وتخسر تباعًا عناصرها ومواقعها. هذا التحول يعني عمليًا أن مشروعها العسكري وصل إلى مرحلة الانكماش، وهي مرحلة لا تعود بعدها أي قوة غير نظامية إلى الصعود.
وهكذا، لم تعد انتصارات الجيش مجرد سلسلة نجاحات ميدانية، بل أصبحت مسارًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة. فكل هزيمة تلحق بحميدتي لا تُضعف ميليشيا فحسب، بل تسقط وهم “القوة الموازية”، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة والجيش الواحد. ومع تواصل هذا المسار، تتكرّس الحقيقة التالية: أن السودان يتجه، رغم الألم والخسائر، نحو استعادة توازنه، وأن نهاية مشروع الميليشيات ليست احتمالًا، بل نتيجة حتمية لمسار فرضته الوقائع على الأرض.
(6)
الشعب السوداني خلف جيشه: سقوط مشروع الميليشيات وفشل الدعاية المضادة
مع تطور الصراع في السودان، اتضح أن المعركة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت معركة وعي ورواية بامتياز. فمنذ الأيام الأولى، سعت ميليشيات حميدتي إلى تعويض هشاشتها السياسية وغياب مشروعها الوطني عبر ماكينة دعائية كثيفة، حاولت من خلالها تصوير نفسها كقوة تمثل “الهامش” أو “البديل”، في مقابل تصوير الجيش كمؤسسة منقطعة عن الشعب. غير أن الواقع الميداني والاجتماعي سرعان ما فضح هذا الخطاب، وأسقطه أمام التجربة اليومية للمواطن السوداني.
لقد كان احتكاك المواطنين المباشر بسلوك ميليشيات الدعم السريع هو العامل الحاسم في انهيار صورتها. فحيثما تمددت هذه الميليشيات، غابت مظاهر الأمن، وانتشرت أعمال النهب، وتعرض المدنيون للإهانة والابتزاز، وتحولت الأحياء إلى مساحات خوف لا تحكمها سلطة ولا قانون. هذا الواقع لم يحتج إلى تقارير أو بيانات لتوثيقه، لأن المواطن عاشه بكل تفاصيله، وميّز بوضوح بين خطاب يُسوّق عبر المنصات، وواقع يُفرض بقوة السلاح.
في المقابل، شكّل حضور الجيش السوداني في المناطق التي استعادها فارقًا جوهريًا في وعي الناس. فعودة الجيش لم تعنِ فقط انسحاب الميليشيات، بل مثّلت عودة الدولة نفسها: انتظام نسبي للحياة، حماية للمرافق، ضبط أمني، ومحاولات –رغم صعوبة الظروف– لإعادة الخدمات الأساسية. هذا التباين العملي جعل المقارنة محسومة في ذهن المواطن، وأسقط تلقائيًا كل محاولات التضليل التي سعت الميليشيات إلى ترسيخها.
فشل الدعاية المضادة لم يكن ناتجًا عن ضعف أدواتها فحسب، بل عن تناقضها الداخلي. فقد حاولت ميليشيات حميدتي الجمع بين خطاب “حماية المدنيين” وممارسة العنف ضدهم، وبين ادعاء “محاربة الدولة القديمة” والسعي للسيطرة على مؤسساتها بالقوة، وبين الترويج لنفسها كقوة وطنية والانخراط في شبكات مصالح ضيقة ذات طابع عائلي وشخصي. هذا التناقض جعل خطابها غير قابل للتصديق، خصوصًا في مجتمع أنهكته التجارب والشعارات الكاذبة.
ومع مرور الوقت، تحوّل الرأي العام الشعبي إلى عنصر ضاغط على الميليشيات، لا مجرد متلقٍّ سلبي للأحداث. فقد بدأت المجتمعات المحلية ترفض التعاون معها، وامتنعت عن توفير الغطاء الاجتماعي الذي تحتاجه أي قوة مسلحة غير نظامية للاستمرار. بل إن كثيرًا من المواطنين باتوا ينظرون إلى وجودها باعتباره احتلالًا داخليًا، لا صراعًا سياسيًا، وهو تحول بالغ الخطورة على أي ميليشيات تسعى للبقاء.
كما أن الخطاب الشعبي المؤيد للجيش لم يكن خطابًا عاطفيًا مجردًا، بل نابعًا من إدراك متزايد لطبيعة المعركة. فقد فهم السودانيون، عبر التجربة، أن الصراع ليس بين أشخاص، بل بين نموذجين: نموذج الدولة بمؤسساتها، مهما اعتراها من ضعف وأخطاء، ونموذج الميليشيات التي لا تعترف بقانون ولا تخضع لمساءلة. هذا الفهم هو ما جعل الالتفاف الشعبي حول الجيش يتخذ طابعًا عقلانيًا، لا انفعاليًا، ويمنحه عمقًا واستمرارية.
على مستوى الوعي العام، سقطت كذلك محاولة تصوير الجيش كطرف معزول عن المجتمع. فالقوات المسلحة السودانية ليست كيانًا منفصلًا عن الشعب، بل تتكوّن في معظمها من أبناء هذا الشعب، من مختلف الأقاليم والخلفيات. ومع تزايد الشهادات الميدانية، بات واضحًا أن الجنود يقاتلون في كثير من الأحيان دفاعًا عن مناطقهم وأهلهم، لا عن مصالح ضيقة أو أجندات خفية، وهو ما عزز الثقة المتبادلة بين الجيش والمجتمع.
ومع تراجع تأثير الدعاية الميليشياوية، برزت حقيقة أخرى: أن الحرب الإعلامية لا يمكن أن تنجح طويلًا حين تصطدم بواقع معاش. فالصورة التي حاولت الميليشيات تصديرها للخارج سرعان ما تصدعت أمام تقارير الانتهاكات، وشهادات النازحين، ومواقف المجتمعات المحلية التي عبّرت صراحة عن رفضها لها. هذا التآكل في المصداقية جعل الخطاب الدعائي للدعم السريع موجّهًا إلى فراغ، بلا قاعدة اجتماعية حقيقية تسنده.
في هذا السياق، اكتسب الجيش قوة إضافية لم تأتِ من السلاح، بل من الشرعية الشعبية المتجددة. فحين يقف المجتمع خلف مؤسسة الدولة، تصبح المعركة غير متكافئة، لأن الميليشيات تفقد أهم ما تحتاجه للاستمرار: القبول، أو حتى الحياد المجتمعي. ومع غياب هذا القبول، تتحول أي محاولة لإعادة التمركز إلى مغامرة محفوفة بالانكشاف والفشل.
كما أن هذا الالتفاف الشعبي ساهم في تحجيم أي محاولات لإعادة تدوير خطاب الميليشيات سياسيًا. فالمجتمع الذي ذاق ويلات الفوضى لم يعد قابلًا لتصديق سرديات “الشراكة” أو “التمثيل”، وأصبح أكثر حساسية تجاه أي طرح يتجاوز الدولة أو يساوي بينها وبين قوة مسلحة خارجة عن القانون. وهذا الوعي الشعبي يشكّل، في ذاته، ضمانة مستقبلية لعدم تكرار التجربة.
وهكذا، لم يسقط مشروع الميليشيات عسكريًا فقط، بل سقط اجتماعيًا وأخلاقيًا. فحين تخسر القوة المسلحة معركتها مع المجتمع، تصبح هزيمتها مسألة وقت، مهما امتلكت من سلاح أو مال. وفي المقابل، عزز الشعب السوداني موقع الجيش بوصفه الإطار الوحيد القادر على استيعاب البلاد، وحمايتها من الانزلاق نحو التفكك الشامل.
إن التفاف الشعب حول جيشه في هذه المرحلة لا يعني إنكار التحديات أو تجاهل الحاجة إلى الإصلاح، لكنه يعكس إدراكًا جمعيًا بأن الدولة –برغم أزماتها– تظل الخيار الوحيد الممكن، وأن البديل الميليشياتوي لم يكن سوى وصفة مؤكدة للفوضى. وبهذا الوعي، يكون السودانيون قد أسهموا، بقدر ما أسهم الجيش، في إسقاط مشروع الميليشيات، ووضع السودان مجددًا على طريق استعادة الدولة وسيادتها.
ومع استمرار التفاف الشعب السوداني حول الجيش، بدأت الدعاية المضادة تفقد أي قدرة على التأثير الحقيقي. فالمحتوى الإعلامي الذي اعتمدت عليه الميليشيات، سواء عبر منصات التواصل أو عبر شبكات محسوبة عليها، لم يعد يجد جمهورًا متفاعلًا إلا في نطاق ضيق، وغالبًا ما كان هذا التفاعل مدفوعًا بالخوف أو بالمصلحة لا بالقناعة. ومع الوقت، أصبح هذا الخطاب يُقابل بالسخرية أو بالرفض الصريح، وهو مؤشر واضح على انهيار فعاليته النفسية والسياسية.
لقد حاولت ميليشيات حميدتي استغلال المعاناة الإنسانية لتوجيه الاتهام إلى الجيش، إلا أن هذا المسعى اصطدم بحقيقة يعرفها المواطن جيدًا: أن جذور الأزمة تكمن في وجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة، لا في محاولة الدولة استعادة سيادتها. هذا الإدراك جعل محاولات قلب الحقائق غير قابلة للحياة، لأن الذاكرة الجمعية للسودانيين ما زالت تحتفظ بصور الانتهاكات التي ارتُكبت في ظل سيطرة الميليشيات، وما خلّفته من خراب اجتماعي واقتصادي لا يمكن محوه بخطاب إعلامي.
كما لعبت الروابط الاجتماعية والعشائرية دورًا مهمًا في تحجيم نفوذ الميليشيات. فالمجتمع السوداني، بطبيعته المتماسكة، سرعان ما نقل التجارب والخبرات بين المناطق، لتتشكل صورة موحدة عن حقيقة ما جرى. هذه الشبكات الاجتماعية التقليدية كانت أقوى من أي حملة دعائية رقمية، لأنها اعتمدت على الشهادة المباشرة والثقة المتبادلة، لا على الرسائل المصنوعة بعناية لأغراض سياسية.
في المقابل، استفاد الجيش من هذا المزاج الشعبي العام دون أن يحوّله إلى أداة دعاية فجّة. فحضوره ظل مرتبطًا بالأفعال لا بالشعارات، ما عزز مصداقيته. ومع كل منطقة تُؤمَّن، وكل مرفق يُعاد تشغيله، كان الشعور العام يتعزز بأن الدولة –رغم ضعف إمكاناتها– تحاول استعادة دورها الطبيعي. هذا التراكم الهادئ للثقة كان أحد أهم أسباب صمود الالتفاف الشعبي واستمراره.
ومن اللافت أن هذا الدعم الشعبي لم يكن محصورًا في فئة أو منطقة بعينها، بل اتخذ طابعًا وطنيًا عامًا. فقد أدرك السودانيون، من مختلف الخلفيات، أن السماح بترسيخ نموذج الميليشيات يعني فتح الباب أمام تفكك شامل، لا يمكن لأي طرف السيطرة على نتائجه. هذا الإدراك جعل الوقوف خلف الجيش خيارًا عقلانيًا لحماية المستقبل، لا مجرد رد فعل آني على ظروف الحرب.
كما أن فشل الدعاية المضادة انعكس في عجز الميليشيات عن إنتاج خطاب سياسي بديل. فبعد أن استُهلك خطاب المظلومية والتمثيل، لم يبقَ لديها ما تقدمه سوى التهديد أو الابتزاز بالقوة. وهذا النوع من الخطاب لا يبني شرعية، بل يسرّع في نزعها، ويحوّل القوة المسلحة إلى عبء حتى على من يضطرون للتعامل معها. وهنا، وجدت الميليشيات نفسها في مواجهة مجتمع لا يمنحها الغطاء، ولا يقبل روايتها، ولا يرى فيها مستقبلًا.
على المستوى النفسي، شكّل هذا التحول الشعبي ضربة قاصمة لميليشيات الدعم السريع. فالمقاتل الذي يشعر أنه مرفوض اجتماعيًا، ومحاصر أخلاقيًا، يفقد الدافع للاستمرار، وتضعف قدرته على الصمود. ومع تصاعد هذا الشعور، ظهرت مؤشرات واضحة على تراجع الالتزام والانضباط داخل صفوف الميليشيات، مقابل ازدياد الثقة واليقين داخل صفوف الجيش، المدعوم ببيئة اجتماعية حاضنة.
كذلك، أسهم سقوط الدعاية الميليشياوية في تحرير النقاش العام داخل السودان. فلم يعد الخوف أو الالتباس يهيمن على الحديث عن طبيعة الصراع، وبدأت الأصوات المجتمعية تعبّر بوضوح عن رفضها لأي مساواة بين الجيش وميليشيات خارجة عن القانون. هذا الوضوح الفكري يُعدّ مكسبًا استراتيجيًا، لأنه يقطع الطريق أمام محاولات إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة تحت شعارات مختلفة.
ومع اتساع الفجوة بين الميليشيات والمجتمع، أصبحت قدرتها على إعادة التموضع شبه معدومة. فحتى في المناطق التي تحاول التسلل إليها، تواجه رفضًا صامتًا أو مقاومة اجتماعية غير مباشرة، تتجلى في غياب التعاون، وتسريب المعلومات، ورفض توفير الموارد. هذه المقاومة المجتمعية، وإن لم تكن مسلحة، إلا أنها فعّالة في إنهاك أي قوة غير نظامية.
وهكذا، فإن التفاف الشعب السوداني خلف جيشه لم يكن مجرد موقف عاطفي، بل عملية تاريخية أعادت ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة في لحظة مفصلية. لقد أثبتت التجربة أن الدولة –برغم أزماتها– تظل الإطار الوحيد القادر على جمع السودانيين، وأن أي مشروع يتجاوزها بالقوة مصيره السقوط، مهما امتلك من أدوات دعاية أو عنف.
وبذلك، يتضح المشهد: ميليشيات فقدت مشروعها، وخطابها، وحاضنتها الاجتماعية، في مقابل جيش استعاد شرعيته من الناس قبل أن يفرضها في الميدان. وهذا التحول الشعبي العميق هو ما يجعل هزيمة الميليشيات ليست فقط نتيجة عسكرية، بل نتيجة اجتماعية وسياسية شاملة، تمهّد لمرحلة جديدة يستعيد فيها السودان معناه كدولة لا كساحة صراع بين قوى منفلتة.
(7)
هزيمة الميليشيات وترسيخ سيادة الدولة
تتجه المعركة في السودان، مع تراكم الوقائع السياسية والميدانية، نحو نهايتها المنطقية، حيث لم يعد الصراع مفتوح الاحتمالات كما كان في بداياته، بل أصبح مسارًا واضح الاتجاه: دولة تستعيد سيادتها، وميليشيات تتقهقر نحو الهزيمة. هذه النهاية لم تأتِ فجأة، ولم تكن نتيجة ضربة واحدة حاسمة، بل ثمرة مسار طويل من الاستنزاف والانكشاف وفقدان المشروعية، انتهى بسقوط مشروع الدعم السريع كقوة قادرة على فرض نفسها داخل معادلة الحكم.
لقد تبيّن مع مرور الوقت أن ميليشيات حميدتي لم تكن تملك مقومات الاستمرار كفاعل سياسي أو عسكري مستقل. فالقوة التي لا تستند إلى شرعية قانونية، ولا تحظى بقبول شعبي، ولا تمتلك رؤية وطنية جامعة، محكوم عليها بالانهيار مهما طال الزمن. وقد كشفت الحرب أن الدعم السريع كان مشروع سلطة بلا دولة، وسلاحًا بلا أفق، ونفوذًا قائمًا على الفراغ لا على البناء.
ومع تراجعها الميداني، سقط آخر ادعاء حاولت الميليشيات التمسك به، وهو قدرتها على فرض واقع بديل. فالمناطق التي خرجت من سيطرتها لم تشهد فراغًا دائمًا، بل عادت إليها الدولة تدريجيًا، بجيشها ومؤسساتها، رغم كل الصعوبات. هذا الواقع وحده كفيل بإثبات أن الدولة، حتى وهي مجروحة، تظل أقوى من أي كيان مسلح يعمل خارجها.
سياسيًا، ترافقت الهزيمة الميدانية مع عزلة متزايدة. فقد فقدت ميليشيات الدعم السريع قدرتها على المناورة الدولية، وانكشف خطابها أمام المجتمع الإقليمي والدولي، الذي بات يرى فيها عنصر تهديد للاستقرار لا شريكًا محتملًا. ومع العقوبات، وتقييد الحركة، وتجفيف الموارد، تقلص هامشها أكثر، وأصبح بقاؤها عبئًا حتى على من حاولوا سابقًا التعامل معها كأمر واقع.
أما على المستوى الداخلي، فقد فقدت الميليشيات أخطر ما يمكن أن تفقده أي قوة مسلحة: الخوف الذي كانت تفرضه. فحين يكسر المجتمع حاجز الرهبة، ويتوقف عن النظر إلى القوة بوصفها قدرًا لا يُرد، تبدأ نهايتها الفعلية. ومع تزايد حالات الانشقاق، والفرار، والتفكك التنظيمي، أصبح واضحًا أن الدعم السريع لم يعد كتلة متماسكة، بل مجموعات منهكة تحاول النجاة أكثر مما تحاول الانتصار.
في المقابل، لم يكن انتصار الدولة السودانية انتصار شخص أو قيادة بعينها، بل انتصار فكرة الدولة نفسها. فقد أثبت الجيش السوداني، رغم التحديات والضغوط، أنه المؤسسة الوحيدة القادرة على حمل عبء السيادة، وضمان وحدة البلاد، ومنع تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح بين الميليشيات. وهذا الدور، بما له وما عليه، أعاد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية في لحظة كادت تنزلق فيها البلاد نحو التفكك.
إن ترسيخ سيادة الدولة بعد هذه المعركة لا يعني نهاية التحديات، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها إعادة البناء. فالحرب كشفت هشاشة البنية السياسية والاقتصادية، وأظهرت الحاجة الملحة إلى إصلاحات عميقة تضمن عدم تكرار تجربة القوة الموازية. غير أن الفارق الجوهري هو أن هذه الإصلاحات باتت ممكنة فقط بعد إسقاط مشروع الميليشيات، لأن أي حديث عن دولة في ظل وجود سلاح منفلت كان مجرد وهم.
لقد خرج السودان من هذه المواجهة بدروس قاسية، أهمها أن التعايش القسري بين الدولة والميليشيات ليس حلًا، بل تأجيل للانفجار. وأن التساهل مع الكيانات المسلحة خارج القانون، مهما كانت الذرائع، يؤدي في النهاية إلى تهديد الجميع، دولةً ومجتمعًا. وهذا الوعي الجمعي هو أحد أهم مكاسب هذه المرحلة، لأنه يشكّل خط دفاع معنويًا ضد أي محاولة مستقبلية لإعادة إنتاج الفوضى.
كما أن نهاية المعركة وضعت حدًا لمحاولة تحويل السودان إلى رهينة لمشاريع شخصية أو عائلية. فقد أثبتت الوقائع أن الحكم بالقوة لا يصنع دولة، وأن الثروة والسلاح لا يمنحان شرعية، وأن الشعوب –مهما طال صبرها– لا تقبل في النهاية أن تُحكم بالخوف. هذه الحقيقة، التي سقطت عليها ميليشيات الدعم السريع، ستظل درسًا حاضرًا في الذاكرة السياسية السودانية.
إن هزيمة ميليشيات الدعم السريع ليست مجرد انتصار عسكري، بل لحظة فاصلة في استعادة المعنى السياسي للدولة. فالدولة التي تحتكر السلاح، وتفرض القانون، وتخضع للمساءلة، هي وحدها القادرة على حماية مواطنيها، وبناء مستقبلهم. وكل ما عدا ذلك، مهما بدا قويًا في لحظة ما، يظل كيانًا هشًا، قابلًا للسقوط عند أول اختبار حقيقي.
وهكذا، يُغلق هذا الكتاب صفحته الأخيرة على حقيقة واضحة: أن السودان، رغم الجراح، اختار طريق الدولة لا طريق الميليشيات، وأن المعركة التي بدأت كصراع مسلح انتهت بكشف جوهري لمعنى الشرعية والسيادة. لقد انهزم مشروع حميدتي لأنه افتقر إلى الأساس الوطني، وانتصر الجيش لأنه كان التعبير الأخير عن بقاء الدولة.
ومع هذا الانتصار، لا يُطلب من السودانيين الاحتفال بالنصر بقدر ما يُطلب منهم حمايته. فالدولة التي تُستعاد بالدم والتضحيات، يجب أن تُصان بالعقل والعدل والإصلاح. وهذه هي المعركة القادمة، معركة ما بعد السلاح، التي لا تقل أهمية عن سابقتها، والتي ستحدد ما إذا كان السودان سيغلق صفحة الفوضى إلى الأبد، أم يتركها مواربة لعودة أشباحها من جديد.
ومع اقتراب هذه النهاية، يتضح أن سقوط ميليشيات الدعم السريع لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة حتمية لمسار كامل من الأخطاء البنيوية. فالميليشيات التي قامت على الولاء الشخصي، وعلى اقتصاد الحرب، وعلى منطق الغنيمة، لم تكن مؤهلة أصلًا للانتقال من دور القوة المسلحة إلى دور الفاعل السياسي. وعندما حاولت القفز على الدولة بدل الاندماج فيها، اصطدمت بحدود لا يمكن تجاوزها: حدود المجتمع، وحدود الجغرافيا، وحدود الشرعية.
لقد كشفت المعركة أن الدولة، حتى في أضعف حالاتها، تمتلك قدرة كامنة على إعادة إنتاج نفسها، بينما تفتقر الميليشيات إلى أي قابلية للاستمرار خارج منطق العنف. فكلما طالت الحرب، ازدادت كلفة بقاء الدعم السريع، لا على الدولة وحدها، بل على الميليشيات نفسها. الموارد تنضب، العلاقات تتآكل، والتحالفات المؤقتة تتفكك عند أول اختبار حقيقي. وهنا، تبدأ القوة التي بُنيت على السرعة والصدمة في التآكل البطيء.
ومن المفارقات اللافتة أن حميدتي، الذي سعى لتقديم نفسه باعتباره رجل المرحلة، انتهى إلى أن يكون رمزًا لفشل نموذج الميليشيات. فبدل أن يفرض نفسه شريكًا في بناء الدولة، أصبح عنوانًا لانقسامها، وبدل أن يُنظر إليه كقائد، بات يُنظر إليه كعقبة أمام الاستقرار. ومع كل يوم يمر، تتسع الفجوة بين الصورة التي حاول تصديرها، والواقع الذي كشف محدودية مشروعه.
في هذا السياق، تبرز أهمية ما تحقق للجيش والدولة، ليس فقط بوصفه انتصارًا على خصم مسلح، بل بوصفه استعادة لاحتكار القرار الوطني. فالسيادة لا تُقاس فقط بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على منع ظهور قوى موازية تفرض شروطها بالسلاح. ومع تفكك الدعم السريع، يعود القرار تدريجيًا إلى مركزه الطبيعي داخل مؤسسات الدولة، وهو شرط أساسي لأي عملية سياسية أو اقتصادية جادة في المستقبل.
كما أن نهاية هذه المعركة أعادت طرح سؤال الدولة بشكل مباشر: أي سودان يُراد بناؤه؟ سودان تحكمه القوة العارية وتعدد الجيوش، أم سودان تقوم فيه السلطة على مؤسسة واحدة تخضع للمساءلة؟ هذا السؤال، الذي فُرض بالقوة في بداية الصراع، بات اليوم محسومًا في وعي قطاع واسع من السودانيين، ممن أدركوا أن كلفة الدولة، مهما كانت مرتفعة، تظل أقل بكثير من كلفة الفوضى.
ولا يمكن تجاهل أن هذه النهاية تحمل رسالة واضحة للداخل والخارج معًا. داخليًا، مفادها أن أي مشروع سياسي لا يمر عبر الدولة مصيره الفشل. وخارجيًا، أن السودان ليس ساحة مفتوحة لتجارب النفوذ غير المنضبط، وأن التعامل مع الميليشيات كبدائل للدولة لا ينتج استقرارًا، بل يفاقم الأزمات. هذا الإدراك الدولي المتأخر، لكنه المتحقق، يُعدّ أحد مكاسب هذه المرحلة، لأنه يحدّ من فرص إعادة تدوير الفوضى تحت مسميات جديدة.
إن ترسيخ سيادة الدولة بعد هزيمة الميليشيات لا يعني العودة إلى ما قبل الأزمة، بل يتطلب وعيًا بأن ما قبلها لم يكن وضعًا مثاليًا. غير أن الفرق الجوهري هو أن مسار الإصلاح لا يمكن أن يبدأ إلا بعد إنهاء السلاح المنفلت. فالديمقراطية، والعدالة، والتنمية، جميعها مفاهيم تفقد معناها حين تتعدد البنادق، وحين يصبح العنف وسيلة للتفاوض.
وفي هذا الإطار، تمثل نهاية الدعم السريع فرصة تاريخية لا يجب التفريط فيها. فرصة لإعادة بناء الجيش على أسس مهنية واضحة، وإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ووضع ضمانات تمنع نشوء أي قوة موازية مستقبلًا. فالدروس التي كُتبت بالدم لا يجوز تجاهلها، لأن تجاهلها يعني فتح الباب لتكرار المأساة بصيغ مختلفة.
وهكذا، لا تُختتم هذه المعركة بإعلان نصر فقط، بل بإغلاق مرحلة كاملة من العبث المسلح، وفتح صفحة جديدة عنوانها الدولة الواحدة، والسلطة الواحدة، والسلاح الواحد. لقد انهزم مشروع حميدتي لأنه قام على نقيض الدولة، وانتصر الجيش لأنه بقي، رغم كل العواصف، التعبير الأخير عن بقائها.
وبهذا المعنى، فإن نهاية المعركة ليست نهاية الصراع من أجل سودان أفضل، لكنها نهاية الوهم القائل إن الميليشيات يمكن أن تكون بديلًا عن الدولة. ومن هنا، يبدأ التحدي الحقيقي: تحويل هذا الانتصار من واقع عسكري إلى مسار سياسي واجتماعي يعيد للسودان استقراره، ويمنح شعبه حقه في دولة تحميه لا ترعبه، وتخدمه لا تستغله.
الخاتمة
بعد أن استعرضنا مسارات الصراع بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع، أصبح واضحًا أن ما حدث في السودان لم يكن مجرد نزاع عابر أو صراع نفوذ سياسي، بل كان اختبارًا حقيقيًا لبقاء الدولة وسيادتها. من مدخل المشهد السوداني، مرورًا بتاريخ الجنجويد وتحولها إلى ميليشيات الدعم السريع، وصولًا إلى القيادة الحاسمة للفريق أول عبد الفتاح البرهان، يظهر جليًا أن الدولة هي الكيان الذي حافظ على استقرار البلاد، وأن أي مشروع عسكري منفلت أو عائلي مهما بلغت قوته لا يمكن أن ينجح أمام إرادة الشعب والمؤسسات الوطنية.
لقد أثبت الجيش السوداني، بقيادة البرهان، أن القوة لا تعني التفوق العسكري وحده، بل تشمل الحكمة الاستراتيجية، وضبط النفس، والقدرة على استعادة الثقة الشعبية. فمع كل انتصار ميداني، كان الجيش يعيد فرض سيادة الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويثبت للجميع أن الدولة الرسمية قادرة على حماية مواطنيها والحفاظ على وحدة الأرض والمجتمع. بينما سقطت ميليشيات الدعم السريع أمام هذا الصمود، وتضاءل نفوذها تدريجيًا تحت وطأة الانتصارات الميدانية والضغوط الدولية وفقدان الدعم الشعبي.
ويجدر بالذكر أن سقوط مشروع حميدتي لم يكن فقط نتيجة للتفوق العسكري، بل كان نتيجة استراتيجية شاملة جمعت بين التخطيط الميداني الدقيق، والتواصل الشعبي المباشر، والضبط المؤسسي، والتنسيق الدولي. هذه العوامل مجتمعة أثبتت أن الدولة، مهما تعرضت للتحديات، يمكن أن تستعيد سيادتها إذا امتلكت قيادة واضحة، وجيشًا موحدًا، وشعبًا واعيًا يدعم مؤسسات بلاده.
كما أن تجربة السودان الأخيرة تبرز أهمية وعي الشعب ودوره المحوري في مواجهة المشاريع الانفصالية أو الميليشياوية. فقد وقف المواطنون خلف الجيش، ورفضوا الانجرار وراء خطاب الدعاية المضاد، وقدموا كل أشكال الدعم الممكنة، من المعلومات الميدانية إلى حماية مناطقهم، ما أضعف ميليشيات الدعم السريع وجعل سقوطها أسرع وأكثر وضوحًا. إن الشعب السوداني أثبت مرة أخرى أنه الحصن الأساسي للدولة، وأن ولاءه لمؤسسات بلاده هو الدرع الحامي أمام أي محاولة لتفكيكها.
الفهرس
الموضوع الصفحة
المقدمة 7
(1) مدخل إلى المشهد السوداني. 8
(2) من الجنجويد إلى ميليشيات الدمار السريع 17
(3) البرهان القائد الشرعي للدولة 24
(4) ميليشيات حميدتي – صناعة الفوضى 36
(5) انتصارات الجيش السوداني 46
(6) الشعب السوداني خلف جيشه 59
(7) هزيمة الميليشيات 69
الخاتمة 78




