عمران عبدالله
لا تبدأ محفزات الصراع دائما من خطوط المواجهة ولا تظهر بالضرورة في صورة اشتباك مسلح أو خلاف سياسي مباشر. ففي المجتمعات التي تعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي وأمني متراكم قد تبدأ بعض مسارات الصراع من تفاصيل تبدو في ظاهرها ادارية وتنظيمية مثل الارض والسكن والعمل وحركة البناء والوصول الى الموارد
وتكشف مدينة عدن جانبا من هذه العلاقة. فخلال السنوات الماضية تراكمت قيود واجراءات امنية وادارية غير مرنة على حركة البناء والترميم ونقل مواد البناء والتعامل مع الاراضي وحوكمتها. وقد نشأت هذه الاجراءات في سياق مفهوم يرتبط بتنظيم المدينة وحماية الملكيات والحد من البناء العشوائي والتعديات. لكن المشكلة لا تكمن دائما في الغاية التي وضعت من اجلها الاجراءات وانما في ما يمكن ان ينتج عنها عندما تصبح عملية الوصول الى الارض او البناء او الاستثمار طويلة ومكلفة وغير متكافئة
فالارض في مدينة مثل عدن ليست مجرد ملكية عقارية. انها نقطة تتقاطع عندها حقوق السكن وفرص العمل والاستثمار وحركة رأس المال ومصالح الاسر والعمال والنازحين
وعندما تتعطل حركة البناء لا يتوقف الضرر عند صاحب العقار او المستثمر. تتراجع حركة مصانع البلوك والخرسانة والنقل والاعمال الهندسية والمهن اليومية وتضيق معها واحدة من اهم قنوات العمل امام شريحة واسعة من العمال الذين يعتمدون على الاجر اليومي
وتزداد حساسية ذلك في مدينة تستقبل نازحين وعمالا من محافظات ومناطق مختلفة. فالعامل الذي لا يملك اصلا ثابتا ولا دخلا منتظما لا يملك في كثير من الاحيان سوى قدرته على العمل. وعندما يتراجع الطلب على هذه القدرة تصبح الازمة الاقتصادية ازمة معيشية مباشرة تمتد من العامل الى اسرته
وفي الوقت نفسه لا يبقى رأس المال ساكنا امام القيود. فقد تنتقل بعض الانشطة والاستثمارات الى مناطق مجاورة تكون فيها اجراءات الوصول الى الارض والبناء اكثر مرونة. وهنا لا تخسر المدينة نشاطا عمرانيا فقط بل تخسر ايضا دورة اقتصادية كاملة مرتبطة به من مواد البناء الى النقل والمقاولات والعمالة
والاخطر ان سوق العمل الذي ينكمش لا يلغي حاجة الناس الى الدخل. فالاسر ما زالت بحاجة الى الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والعامل ما زال بحاجة الى اجر يومي. وعندما تتراجع البدائل المدنية يصبح الفراغ الاقتصادي مساحة يمكن ان تستفيد منها شبكات اخرى توفر دخلا او غذاء او حماية او نفوذا
ولا يمكن القول ان الفقر او البطالة وحدهما يدفعان الشباب الى الجماعات المسلحة فالصراع اليمني اكثر تعقيدا من ذلك بكثير. لكن انكماش فرص العمل يمكن ان يزيد هشاشة بعض الفئات ويجعلها اكثر تعرضا للاستقطاب عندما تجد امامها جهة مسلحة قادرة على تقديم دخل منتظم او مورد معيشي للاسرة
وهذا ما يجعل بعض التحولات الاقتصادية الصغيرة ذات اثر يتجاوز الاقتصاد نفسه. فقد يفقد عامل عمله في البناء ثم تفقد اسرته دخلها ثم تتراجع قدرتها على مواجهة تكاليف المعيشة ثم يبحث افرادها عن بدائل جديدة. وقد يعود بعض النازحين الذين فقدوا مصادر رزقهم الى مناطقهم الاصلية حيث تخضع فرص العمل لشروط القوى المسيطرة هناك وقد يتحول بعض الشباب الى سوق العمل المسلح باعتباره احد المسارات القليلة المتاحة للدخل
وفي المقابل هناك شباب بدأوا اعمالا صغيرة في المقاولات والبناء وجدوا انفسهم امام سوق متراجع وفرص محدودة وتكاليف واجراءات تجعل الاستمرار اكثر صعوبة. ومع تراجع مشاريع البنية التحتية والتنمية التي كانت توفر جزءا مهما من الطلب على المقاولين والعمال تصبح الخسارة اوسع من خسارة وظيفة فردية لتصل الى دورة اقتصادية محلية كاملة
وهنا تظهر طبقة اخرى من المشكلة. فحين تقل فرص العمل لا يحصل العمال المتبقون بالضرورة على اجور افضل بسبب ندرة العمالة بل قد يحدث العكس. يؤدي ضعف الطلب وتراجع البدائل الى بخس قيمة العمل وفرض اجور غير متكافئة على من اضطروا الى البقاء في السوق. وهكذا يتحول العمل نفسه من وسيلة للحماية من الفقر الى مورد محدود يجري التنافس عليه بشروط غير عادلة
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة العلاقة بين الارض والعمران وسبل العيش باعتبارها جزءا من منظومة واحدة. فالقيود التي تؤثر في الوصول الى الارض او البناء تؤثر في الاستثمار. وتراجع الاستثمار يضغط على سوق العمل. وتراجع العمل يضغط على دخل الاسر. وتراجع الدخل يزيد الهشاشة. والهشاشة المتراكمة قد تفتح مساحات جديدة امام الاستقطاب والشبكات المسلحة
وهذه ليست دعوة الى رفع التنظيم او الغاء الرقابة على الاراضي والبناء. فالمدن تحتاج الى حماية الملكية وتنظيم العمران ومنع التعديات. لكن السؤال هو كيف يمكن ان تحقق هذه السياسات اهدافها من دون ان تنتج في الوقت نفسه عوائق غير مقصودة امام السكن والعمل والاستثمار والوصول المشروع الى الارض
فالسياسة التي تنجح في منع التعدي على الارض لكنها تغلق بابا واسعا للعمل قد تعالج مشكلة وتنتج اخرى. والسياسة التي تضبط حركة البناء لكنها تدفع النشاط الاقتصادي الى خارج المدينة قد تنقل المشكلة بدلا من حلها. والاجراء الذي يحمي الملكية نظريا لكنه يجعل الوصول الى الحق مكلفا وبطيئا وغير متكافئ قد يعيد انتاج الهشاشة التي يفترض ان تمنعها الحوكمة
وفي عدن تتقاطع هذه المسارات مع النزوح والفقر والخدمات والسكن والعمل والامن. ولذلك فان التعامل مع الارض باعتبارها ملفا قانونيا منفصلا عن بقية هذه القضايا قد يخفي جزءا مهما من الصورة. فالاسئلة الاهم ليست فقط من يملك الارض بل من يستطيع الوصول اليها ومن يستطيع استخدامها ومن يستطيع البناء عليها ومن يستطيع الاستثمار فيها ومن يملك القدرة على تحمل كلفة الاجراءات ومن يفقد هذه القدرة
ومع تراكم هذه العوامل يمكن ان تتشكل في المدينة فجوة اجتماعية واقتصادية يصعب علاجها لاحقا. شباب يعيلون اسرا هشة ومتوسطة يفقدون مصادر دخلهم ومقاولون ناشئون تتراجع اعمالهم وعمال يوميون تتقلص فرصهم ونازحون يجدون انفسهم امام خيارات اقل ومجتمع يفقد تدريجيا بعض قدرته على الاعتماد على اقتصاده المدني
وهنا تكمن الخطورة الاكبر. فقد تبدأ المدينة بمرحلة من التراجع الاقتصادي ثم تتحول تدريجيا الى ازمة معيشية ثم تحتاج بعد ذلك الى تدخلات اغاثية لمعالجة اثار كان يمكن الوقاية من جزء منها لو جرى النظر مبكرا الى العلاقة بين الارض والعمران والعمل والاستقرار
ومن هنا فان حماية فرص العمل وتسهيل الوصول المشروع الى الارض وتنشيط قطاع البناء والتنمية لا ينبغي ان ينظر اليها باعتبارها ملفات اقتصادية منفصلة. انها ايضا جزء من الوقاية من الصراع وحماية التماسك الاجتماعي وتقليص المساحات التي يمكن ان تستغلها شبكات الاستقطاب المسلح
وفي بلد مثل اليمن قد لا يكون السؤال دائما كيف نوقف الصراع بعد اندلاعه فقط بل كيف نمنع تراكم الظروف التي تجعله قابلا للاستمرار
فحين تضيق الارض ويضيق معها السكن والعمل والدخل وتغيب البدائل المدنية لا يبقى الفراغ فارغا طويلا فقد تملؤه شبكات اخرى تقدم للشاب ما عجز الاقتصاد المدني عن تقديمه من رزق وحماية وانتماء وعندها يتحول ما بدأ كاختناق اقتصادي او اجراء تنظيمي الى محفز جديد للصراع وإطالة امده




