امن منا لا يتذكر اللحظة التي وقف فيها متصلبا أمام حروف اللغة، و هو في أول يوم بالقسم الدراسي، وقفنا مندهشين أمام تخطيط يدوي بدا لنا تعجيزيا و مستحيلا ساعتها ، ظننا حينها أن عملية الكتابة رحلة كاملة و تحديا صعبا سيكون علينا إنجازه ؟
من لا يتذكر أول مرة وطأت قدماه على رمال البحر ، فوقف مشدوها أمام نغمات أمواجه و طاقة الأجواء بالشاطئ الطويل ؟
من لا يتذكر أول لقاء له مع ذلك الحبيب الغائب، أولى النظرات العذراء ، و أول الوعود و كيف بدا قادرا على تقديم أكبر التضحيات و التنازلات ؟
من لا يتذكر كيف انشد عند دخوله أسوار مدينة ما لأول مرة، و كيف شعر أنها احتضنته و أشرقت فيه ؟
من لا يتذكر أول تشجيع تلقاه ، و أول راتب حصل عليه ، و أول نجاح حققه ؟
هي نفسها الدهشة الأولى التي تتقدم كل الأشياء التي نحصل عليها و كل الأحداث التي نعيشها ، و نظن أنها سرمدية و خالدة .
فكثيرة هي الأشياء التي أذهلتنا في بداياتها ، كالكتب التي اقتنيناها بناءا على العنوان فتركناها من صفحاتها الأولى…كاللقاءات التي أسقتنا الأمل و الحياة ثم تبين أنها مزيفة و مآلها الاندثار ك…الغرباء الذين نجالسهم بمقطورة القطار، فنندهش من نسيم الكاريزما الذي ينشرونه في الهواء ، و بمجرد إعلان النقاش ، يتضح أنهم أشخاص عاديون لهم من الصفات جميلها و قبيحها.
في الحقيقة كلنا نصاب بنوبات البرقة و الدهشة مما يغلف الأشياء و الناس ، و بمجرد الخوض في تعرية ذلك المجهول الكامن ، تسقط الدهشة و يصبح الأمر مألوفا و عاديا. لكن أظن أنه لولا دهشة البدايات لما استطاع الشاعر تأليف ديوان بأكمله يمدح و يمجد فيه، و لما استطعنا أن نعير لبعض الأمور اهتماما أو إعطاء فرصة لكمال محتمل أو ربما لدهشة استثنائية تدوم العمر بأكمله.
لكن رغم كل ما مرنا به من تجارب و خيبات الأمل من وراء دهشة البداية التي بنينا عليها أحلامنا ، فنحن لازلنا نتطلع إلى اللحظة الأولى في كل شيء و الذهول الذي يرافقها، تاركين المجال للوقت لكي يزكي أو يدحض في حدسنا.
مشعل اباالودع





