القاهرة / محمود مرسي
اصدر زميلنا رئيس التحرير والمؤلف والإعلامي السعودية إصداره الجديد / مصر تاريخ وحضارة ليؤكد للعالم تاريخ وحضارة مصر الضاربة في جذور ارضها التي امتدت لأكثر من ٧٠٠٠ عام ولذلك يسر صحيفة العروبة اليوم ان تنشر مقدمة الكتاب كسبق صحفي لاول صحيفة تنشر الكتاب في العالم العربي
المقدمة:
مصر حضارةٌ وتاريخ
ليست مصر سطرًا في كتاب التاريخ، ولا فصلًا منتهيًا في حكايات البشر، بل هي الفكرة التي سبقت التدوين، والذاكرة التي لم تنقطع، والحضارة التي حين قامت لم تقم على أنقاض غيرها، بل قامت من ذاتها.
هنا، على ضفاف النيل، تعلّم الإنسان لأول مرة أن الاستقرار قوة، وأن النظام ليس قيدًا بل حياة، وأن الأرض حين تُحَبّ تُنبت حضارة لا مجرد زرع. ومن هذا الموضع الفريد خرج معنى الدولة، ومعنى القانون، وتشكّلت أولى صور العيش في ظل فكرة كبرى تتجاوز الفرد إلى المجتمع.
عرفت مصر الدين قبل أن يعرف البشر الفلسفة، وسألت عن الإله قبل أن تسأل عن الكون، ولم يكن التوحيد فيها لحظة عابرة أو استثناءً تاريخيًا، بل كان بحثًا مبكرًا عن معنى العدل، والخلود، والغاية من الوجود. وفي هذا السياق الروحي العميق، تشكّلت رؤية الإنسان للعالم، لا بوصفه فوضى، بل نظامًا تحكمه قيم ومعانٍ، وهي الرؤية التي انعكست على حياة المصري القديم في تشريعه وفنه وسلوكه.
وكانت مصر سلة غذاء العالم القديم، لا لأنها الأغزر أرضًا فحسب، بل لأنها الأقدر على التنظيم والإدارة. فحين اجتمعت الجغرافيا مع العقل، تحوّل الفيض إلى ثروة، وتحولت الزراعة إلى قوة، وصارت القدرة على الإطعام امتدادًا طبيعيًا للسيادة الحضارية، لا مجرد نشاط اقتصادي عابر. ومن هنا فهمت الأمم المحيطة أن مصر ليست مجرد أرض خصبة، بل دولة تعرف كيف تُدير مواردها وتوظّفها.
وعبر العصور، لم تكن مصر يومًا هامشًا في الشرق الأوسط، بل كانت قلبه النابض، وقوة سياسية وعسكرية يُحسب حسابها. دولة حين تحضر يتغير ميزان المنطقة، فلم تكن قوتها في السلاح وحده، بل في مكانتها، وفي ثقلها التاريخي، وفي قدرتها على الجمع بين الصلابة والحكمة.
وفي عمق تاريخها، تشكّلت علاقات راسخة مع محيطها العربي، وفي مقدّمته الجزيرة العربية والخليج. علاقات لم تصنعها المصالح المؤقتة، ولا التحالفات العابرة، بل الدين المشترك، واللغة الواحدة، والمصير المتداخل، فكانت مصر دائمًا عنصر استقرار، وركيزة أساسية في معادلة الأمن العربي.
ومع ذلك، فإن الحديث عن مصر لا يكتمل عند حدود الماضي، لأن هذه الحضارة لم تُبنَ لتُعلَّق على جدران المتاحف، بل لتعيش وتتجدد وتعيد إنتاج ذاتها مع كل عصر. فمصر التي عرفت الفراعنة عرفت الفتح، وعرفت الدولة كما عرفت الرسالة، وظلت في كل مرحلة قادرة على التكيّف دون أن تفقد جوهرها أو تنفصل عن جذورها.
لم تكن قوة مصر في تاريخها وحده، بل في قدرتها الدائمة على صهر الزمن داخل هويتها، فلا يطغى عصر على آخر، ولا يُلغى جديدٌ قديمًا، بل تتراكم الخبرة، وتتشكّل الشخصية، وتبقى الدولة قائمة على فكرة الاستمرار. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب؛ فهو لا يقرأ مصر بوصفها تاريخًا منقطعًا، ولا يقدّمها في صورة مثالية متخيّلة، بل يعرضها كما هي: حضارة إنسانية كبرى ساهمت في تشكيل الوعي البشري، وكان لها وما زال دور محوري في محيطها الإقليمي والدولي.
إن قراءة تاريخ مصر ليست استدعاءً للماضي بدافع الحنين، بل فهمٌ للحاضر واستشرافٌ للمستقبل، لأن من يعرف مصر يدرك أن هذه الأرض لم تُخلق لتكون هامشًا، ولا قُدِّر لها يومًا أن تكون عابرة.






