مع كل دورة انتخابية يعيش العراق ذات المشهد المتكرر ،
مفاوضات شاقة ، وتعطيل طويل ، وانتظار ثقيل يرهق الدولة والمواطن العراقي معاً ، وما انتخاب رئيس الجمهورية إلا حلقة أولى في مسلسل تشكيل السلطة الذي يتكرر هناك ، مسلسل لا تنتهي حلقاته إلا بعد مخاض سياسي مرير ،
انتخب اليوم مجلس النواب العراقي نزار آميدي رئيساً للجمهورية ، بعد أن بلغ عدد النواب المصوتين في الجولة الثانية 249 نائباً ، وبموجب السياقات الدستورية ، يؤدي الرئيس المنتخب اليمين الدستورية أولاً أمام مجلس النواب ، ليبدأ بعدها العد التنازلي للخطوة التالية ، فخلال 15 يوماً يلزمه الدستور بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة ، وهي الخطوة الأساسية التي نصت عليها المادة 76، وإيذان ببدء رحلة تشكيل الحكومة بكل تعقيداتها المعروفة ،
وما إن يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة الأكبر حتى تبدأ فصول جديدة من المعاناة السياسية ، يخوض رئيس الوزراء المكلف معركة استنزاف طويلة لإقناع الكتل المتناحرة ، وتبدأ مساومات تقاسم الوزارات كأنها غنائم حرب ، فتتحول الكفاءة إلى بند ثانوي أمام المحاصصة والتوازنات ، ثم تأتي معاناة اختيار الكابينة الوزارية ، حيث يُعرض كل اسم على طاولة المزايدات والفيتوات ، وتُفتح دفاتر الماضي ، وتُوزع الحقائب بناءً على الولاءات لا البرامج ، وكل هذا التأخير يعني شللاً إضافياً لمؤسسات الدولة ، ومشاريع معطلة ، وخدمات مؤجلة ، بينما ينتظر المواطن العراقي حكومة يرى فيها حلاً لا عبئاً جديداً ،
يبقى السؤال الأهم: إلى متى تستمر هذه الدوامة السياسية العقيمة التي يدفع ثمنها المواطن العراقي وحده؟
إن ما يشهده العراق اليوم من تعثر في انتخاب رئيس للجمهورية بعد مخاض عسير ، ثم انتظار ولادة متعسرة لرئيس وزراء ، ليس سوى عرض لمرض مزمن أصاب جسد الدولة العراقية منذ سنوات ، والسبب الجذري لهذا الشلل المتكرر مع كل دورة انتخابية هو الدستور الذي صيغ في ظروف استثنائية وعلى عجل ، والذي كرّس نظام المحاصصة الطائفية والعرقية كقاعدة للحكم بدلاً من الكفاءة والمواطنة ،
لقد حولت المحاصصة السياسية مؤسسات الدولة إلى غنائم تتقاسمها الكتل والأحزاب ، فغاب مفهوم الدولة الجامعة وحضر منطق المكونات المتصارعة ، أصبحت عملية تشكيل الحكومة أشبه بمزاد علني للحقائب الوزارية ، وتأخر تشكيلها لأشهر طويلة يعطل مصالح الناس ويجمد المشاريع ويهدر الفرص ، والنتيجة المباشرة هي فقدان الثقة لدى الناخب العراقي ، الذي بات يشعر أن صوته لا يغير شيئاً ، وأن النتيجة محسومة سلفاً في غرف التفاوض المغلقة بين زعماء الكتل ، لا في صناديق الاقتراع .
إن استمرار هذا النهج يعني استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في العراق ،
العراق لا يحتاج إلى مسكنات مؤقتة وترقيعات لتمرير رئيس أو حكومة ، بل يحتاج إلى حلول جذرية تعالج أصل الأزمة ، ولن يتحقق ذلك إلا بإعادة النظر في أسس النظام السياسي الحالي ، وتعديل الدستور بما يضمن بناء دولة مؤسسات حقيقية ، تنهي حقبة المحاصصة المقيتة ، وتعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة ، وتستعيد ثقة الشعب بعمليته السياسية ، بدون ذلك سيبقى العراق يدور في نفس الحلقة المفرغة ، ينتظر رئيساً بعد عسر ، وحكومة بعد ولادة متعسرة ، كل أربع سنوات .
ياسين سالم




