عاجلمقالات رئيس التحرير

ترامب ينصاع للحوثي الإرهابي ويفقد أمريكا هيبتها !!

القاهرة / سامي العثمان

لم تعد التحركات الأمريكية تجاه جماعة الحوثي تفصيلًا عابرًا في مشهد اليمن والمنطقة، بل أصبحت اختبارًا واضحًا لجدية واشنطن في حماية الاستقرار الذي تتحدث عنه كلما وقفت أمام الكاميرات. فحين تتبدل اللغة من الحزم إلى التفاوض، ومن الوعيد إلى البحث عن تفاهمات، يحق للمتابع أن يسأل: ما الذي تغير، ومن الذي اضطر إلى مراجعة حساباته؟ إن السياسة لا تُقاس بالتصريحات النارية وحدها، وإنما بما تحققه على الأرض وبقدرتها على ردع من يهدد أمن الدول والممرات البحرية.

والسعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإقليمي، ليست طرفًا هامشيًا يمكن تجاهل مخاوفه ثم انتظار أن تبقى النتائج كما هي. إن أي مقاربة تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم مشكلة يمكن تأجيلها، لا خطرًا يحتاج إلى معالجة جادة، تفتح الباب أمام مزيد من التعقيد. ومن هنا يبدو أن دعم الجماعة أو منحها مكاسب سياسية بلا ضمانات حقيقية قد يتحول إلى اعتراف غير مباشر بفشل سياسة الضغط، مهما حاول أصحاب القرار تقديم الأمر في صورة انتصار دبلوماسي. وهذا ما يجعل المواقف السياسية موضع اختبار مستمر، لا مجرد مناسبة للاحتفال الإعلامي أو تسجيل النقاط أمام الجمهور.

أيها السادة، إن جوهر الأزمة لا يكمن في الكلمات التي تُقال داخل قاعات التفاوض، بل في الرسالة التي تصل إلى الأطراف على الأرض. عندما يرى الحوثيون أن التصعيد قد ينتهي بمكافأة سياسية، فقد يستنتجون أن سياسة فرض الأمر الواقع تمنحهم نفوذًا أكبر مما تمنحهم إياه التسوية المتوازنة. وعندما يشعر الحلفاء بأن مخاوفهم لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به حسابات واشنطن، فإن الثقة تتعرض للاهتزاز، حتى لو استمرت المصالح المشتركة قائمة. ولا يعني ذلك أن الحوار مرفوض في كل الظروف؛ فالدبلوماسية قد تكون ضرورة لإنهاء الحروب وحماية المدنيين، لكنها لا تصبح ناجحة لمجرد انعقاد الاجتماعات أو صدور البيانات. النجاح الحقيقي هو أن يفضي الحوار إلى التزامات واضحة، وآليات مراقبة، وضمانات تمنع العودة إلى التهديد. أما التفاهم الذي يترك أسباب الأزمة قائمة، فقد لا يكون إلا هدنة مؤقتة تشتري الوقت للطرف الأقوى في الميدان. لذلك فإن الحكم على أي خطوة أمريكية يجب أن يستند إلى نتائجها الفعلية، لا إلى الأسماء التي يختار المسئولون إطلاقها عليها. ومن دون هذه المعايير، ستبقى التصريحات قابلة للتأويل، وستظل الشعوب تدفع كلفة قرارات لا تملك التأثير المباشر فيها.

لقد اعتادت الإدارات الأمريكية أن تقدم نفسها بوصفها الضامن الأول لأمن الملاحة الدولية، وأن تؤكد أن استهداف السفن التجارية أمر لا يمكن التساهل معه. لكن المصداقية تُختبر حين تتعارض الشعارات مع القرارات، وحين يصبح المطلوب من الحلفاء تقبل تسوية لا تبدد المخاطر التي يواجهونها. فالبحر الأحمر ليس ساحة بعيدة عن حياة الناس، بل هو ممر حيوي تتصل به التجارة وأسعار السلع وسلاسل الإمداد وأمن دول كثيرة. وأي اضطراب مستمر فيه ينعكس على المنطقة والعالم، ولا سيما على الدول القريبة من مساراته. ومن ثم فإن التعامل مع تهديدات الحوثيين لا يجوز أن يتحول إلى ملف إعلامي يشتد حضوره وقت التصريحات ثم يتراجع عند أول اختبار سياسي. المطلوب موقف متماسك يربط بين وقف الاعتداءات واحترام القانون الدولي وحماية حرية الملاحة، مع فتح طريق واقعي لتسوية يمنية لا تمنح السلاح سلطة فوق الدولة. وإذا غابت هذه العناصر، فستظل البيانات مهما كانت قوية عاجزة عن إقناع المتضررين بأن الخطر قد انتهى، أو بأن سياسة واشنطن تسير نحو نتيجة يمكن الاعتماد عليها. فالمصلحة الدولية لا تتحقق بتجاهل المخاطر، بل بمعالجتها قبل أن تتسع وتفرض على الجميع أثمانًا أعلى وأكثر تعقيدًا.

والسعودية لا يمكن اختزال موقفها في انتظار ما تقرره العواصم الأخرى، ولا اعتبارها متلقيًا لنتائج تفاوض لا تشارك في صياغة ضماناته. فالأمن السعودي يرتبط مباشرة باستقرار اليمن، وبمنع استخدام أراضيه منصة لتهديد الجوار، وبإنهاء الظروف التي تسمح للجماعات المسلحة بفرض إرادتها على السكان. وقد أثبتت التجارب الإقليمية أن تجاهل جذور الأزمات لا يلغيها، بل يتركها تتراكم حتى تعود في صورة أكثر تعقيدًا. ومن حق الرياض أن تطالب بموقف دولي واضح يرفض الاعتداءات، ويمنع تدفق الدعم الذي يطيل الصراع، ويشجع الحل السياسي الذي يحفظ لليمن وحدته ومؤسساته. كما أن الشراكات الدولية لا تُقاس بعدد اللقاءات والعبارات الودية، بل بمدى احترام المصالح المتبادلة والوفاء بالالتزامات. فإذا شعرت أي دولة بأن أمنها أصبح ورقة في مساومات الآخرين، فمن الطبيعي أن تعيد تقييم أدواتها وتحالفاتها وفق ما تقتضيه مصالحها. وهذه ليست دعوة إلى القطيعة، بل تذكير بأن التحالف القوي لا يستقيم من دون وضوح وثقة ومسئولية مشتركة. وعلى هذا الأساس، يصبح احترام الشراكة التزامًا عمليًا يظهر في القرارات والتنسيق وتبادل المعلومات، لا عبارات بروتوكولية عابرة.

إن المدنيين في المين هم من يدفعون الثمن الأكبر كلما طال الصراع وتراجعت فرص التسوية. فالمواطن الذي ينتظر راتبًا منتظمًا، أو مدرسة تعمل، أو مستشفى قادرًا على تقديم العلاج، لا تعنيه كثيرًا المعارك الكلامية بين العواصم إذا لم تتحول إلى تحسن ملموس في حياته. كما أن استمرار الانقسام يضعف مؤسسات الدولة ويمنح القوى المسلحة مجالًا أوسع لفرض القيود على المجتمع والاقتصاد. ولهذا فإن أي سياسة أمريكية أو إقليمية ينبغي أن تُقاس بقدرتها على تقليل معاناة اليمنيين، لا بمجرد ما تحققه من مكسب تفاوضي مؤقت. ولا يمكن بناء سلام مستقر إذا جرى تجاهل مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة، أو إذا بقيت الجماعات المسلحة قادرة على تعطيل الاتفاقات متى شاءت. إن التسوية الجادة تحتاج إلى مشاركة يمنية واسعة، وضمانات أمنية، ومساندة اقتصادية، ومسار سياسي لا يختزل البلاد في طرف واحد. أما تقديم تنازلات بلا مقابل واضح، فقد يبعث برسالة خاطئة مفادها أن التصعيد وسيلة فعالة لانتزاع الاعتراف والمكاسب. والنتيجة عندئذ ليست سلامًا راسخًا، بل أزمة مؤجلة تنتظر فرصة جديدة للانفجار. ولا يجوز أن تتحول احتياجات الناس إلى هامش في حسابات القوى، بينما تتقدم المصالح السياسية الضيقة على متطلبات الحياة اليومية.

إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يراهن كثيرًا على تقديم قراراته باعتبارها صفقات ناجحة، لكن السياسة الدولية ليست متجرًا تُحسم فيه النتائج بإعلان الفائز أمام الجمهور. فقد تبدو التسوية إنجازًا في العناوين، بينما تكشف تفاصيلها لاحقًا عن تنازلات لم تُقابل بضمانات كافية. وإذا كان الهدف من التفاوض تقليل الأخطار وحماية المصالح الأمريكية، فلا بد من السؤال عما إذا كانت الخطوات المتخذة تحقق هذه الأهداف فعلًا، أم أنها تكتفي بإبعاد المشكلة عن المشهد لفترة قصيرة. فالقوة لا تعني إصدار التهديدات وحدها، كما أن المرونة لا تعني منح الطرف الآخر فرصة لتثبيت مكاسبه. القيادة المسئولة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتعرف أن الاتفاق الذي لا يملك أدوات تنفيذ واضحة قد يتحول إلى إعلان حسن نية لا يغير الواقع. ومن هنا فإن أي تقارب مع الحوثيين سيظل موضع تساؤل ما لم يقترن بوقف يمكن التحقق منه للهجمات، واحترام حرية الملاحة، وخطوات عملية تمنع إعادة بناء القدرات المستخدمة في التهديد. أما الاحتفاء المبكر بالنتائج قبل اختبارها، فقد يجعل الإعلان نفسه عبئًا سياسيًا إذا عادت الأزمة إلى الواجهة. فالمصداقية لا تُمنح تلقائيًا لمن يتولى المنصب، وإنما تُبنى من خلال قرارات متسقة ونتائج يمكن للناس ملاحظتها بوضوح.

وتزداد خطورة الرسائل المتناقضة حين تصل إلى أطراف متعددة في وقت واحد. فالحليف الذي يسمع تأكيدات عن الشراكة والأمن يتوقع أن يجد تلك الكلمات حاضرة عند اتخاذ القرارات الصعبة، لا أن يكتشف أن حسابات أخرى قد تقدمت على حساب مخاوفه. والخصم الذي يسمع تهديدًا ثم يرى انفتاحًا بلا شروط واضحة قد يقرأ المشهد بطريقة مختلفة، فيعتقد أن الصبر على التصعيد يمكن أن يفرض تنازلات إضافية. وبين هاتين القراءتين تتراجع الثقة ويصبح إصلاحها أكثر كلفة. ولا يحتاج الأمر إلى مبالغة في وصف ما يجري؛ فالمعيار بسيط: هل تقل المخاطر أم تزيد؟ وهل تقترب المنطقة من تسوية تحترم سيادة الدول أم تستمر في تدوير الأزمة؟ إن واشنطن مطالبة بأن توضح أهدافها، وأن تنسق مع شركائها، وأن تربط أي تفاهم بالتزامات قابلة للقياس. كما أن على الأطراف الإقليمية أن تتمسك بحلول تحمي مصالحها وتمنح اليمنيين فرصة حقيقية لاستعادة الدولة. أما الغموض السياسي، فقد يمنح كل طرف فرصة لتفسير الاتفاق كما يشاء، ويترك أسباب الخلاف كامنة تحت سطح هادئ مؤقتًا. وكلما زاد الالتباس في الرسائل، ازدادت الحاجة إلى توضيح رسمي صريح يبدد الشكوك ويمنع إساءة فهم المقاصد والالتزامات.

ولا ينبغي أن يُفهم الاعتراض على التنازلات غير المضمونة باعتباره رفضًا للسلام أو رغبة في استمرار الحرب. فالسعي إلى إنهاء النزاع هدف ضروري، لكن الطريق إليه لا يمر عبر تجاهل التهديدات أو التعامل مع نتائج التصعيد بوصفها حقائق لا يمكن تغييرها. السلام الذي يستحق اسمه هو الذي يحمي المدنيين، ويضمن حرية الحركة والتجارة، ويعيد القرار الأمني إلى مؤسسات الدولة، ويمنع تحويل السلاح إلى وسيلة دائمة لابتزاز المجتمع والدول المجاورة. أما الاتفاق الذي يوقف المواجهة مؤقتًا بينما يترك أدواتها جاهزة للاستخدام من جديد، فإنه قد يمنح العالم استراحة قصيرة لا أكثر. ومن واجب الوسطاء أن يوضحوا ما الذي سيحدث إذا خُرقت التعهدات، وكيف ستُراقب الالتزامات، ومن سيضمن وصول المساعدات وعدم استخدامها وسيلة للضغط. كما يجب أن يكون صوت اليمنيين حاضرًا في أي مسار سياسي، لأن مستقبل بلادهم لا يمكن أن يُصاغ بالكامل في اجتماعات خارجية. هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الاحتفال بأي إعلان، وهي التي تحدد إن كان الاتفاق بداية حل أم مجرد فصل جديد من المساومات. ولهذا يجب ألا تُقاس التسوية بسرعة الإعلان عنها، بل بقدرتها على الصمود أمام الاختبارات وتقديم ضمانات حقيقية للمجتمع.

إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات المتبادلة، بل إلى سياسة يمكن قياس نتائجها بوضوح. وإذا أرادت الإدارة الأمريكية إثبات أن تحركاتها ليست تراجعًا أمام الضغط، فعليها أن تعرض ما تحقق من التزامات محددة، وأن تشرح كيف ستُحمى الملاحة، وكيف سيُمنع تجدد الهجمات، وكيف ستُساند المؤسسات اليمنية بعيدًا عن منطق المكافأة على التصعيد. كذلك فإن الشراكة مع السعودية وسائر الدول المعنية ينبغي أن تقوم على التشاور الجاد، لا على مطالبتها بقبول الأمر الواقع بعد أن تُتخذ القرارات. فاستقرار الخليج والبحر الأحمر مصلحة مشتركة، وأي خلل فيهما يتجاوز حدود دولة واحدة. ومن الحكمة أن تدرك واشنطن أن النفوذ لا يُصان بالتصريحات وحدها، وأن احترام الحلفاء جزء من قوة السياسة الخارجية لا تفصيل ثانوي فيها. وفي المقابل، فإن الدول الإقليمية مطالبة بالعمل معًا لدعم مسار سياسي قابل للحياة، وتخفيف المعاناة الإنسانية، ومواجهة مصادر التهديد وفق القانون. عندها فقط يمكن أن تتحول الدبلوماسية من عنوان جذاب إلى عملية جادة تغيّر الوقائع وتمنح شعوب المنطقة فرصة للخروج من دائرة الخوف والاضطراب. إن العمل المشترك، حين يستند إلى الوضوح واحترام المصالح، يظل أكثر فاعلية من القرارات المنفردة التي تثير الشكوك وتضعف الثقة.

وفي نهاية المطاف، لا تُحسم مسألة النصر أو الهزيمة بمجرد وصف سياسي يطلقه هذا الطرف أو ذاك، وإنما بما تتركه القرارات من آثار طويلة المدى. فإذا أدت التحركات الأمريكية إلى خفض التهديدات، وضمان أمن الملاحة، وفتح الطريق أمام دولة يمنية قادرة على حماية مواطنيها، أمكن اعتبارها خطوة مفيدة تستحق التقييم الإيجابي. أما إذا انتهت إلى تفاهمات غامضة، وتركت أسباب الأزمة قائمة، وأضعفت ثقة الشركاء، فإنها ستبدو أقرب إلى إخفاق في إدارة الملف مهما رُفعت حولها من عبارات النجاح. ومن هنا فإن عنوان الهزيمة لا ينبغي أن يكون مجرد شعار، بل سؤالًا سياسيًا يفرض نفسه على نتائج كل قرار: من الذي حصل على مكاسب حقيقية، ومن الذي تحمل المخاطر، وهل اقترب الناس من السلام أم ابتعدوا عنه؟ إن السعودية تملك حق الدفاع عن أمنها ومصالحها، واليمنيون يستحقون دولة مستقرة لا تتحكم فيها البنادق، والمنطقة تحتاج إلى شراكات صادقة لا إلى مفاجآت متكررة. ويبقى الحكم النهائي مرتبطًا بما سيحدث على الأرض، لأن الوقائع وحدها هي التي تكشف قيمة الوعود، وتحدد إن كانت الدبلوماسية قد فتحت باب الحل أم اكتفت بتأجيل الأزمة. ولهذا ستظل النتائج العملية هي الفيصل، مهما تبدلت التصريحات أو اختلفت التفسيرات التي تقدمها الأطراف لتبرير قراراتها أمام الرأي العام.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى