رئيس المنتدى الإستراتيجي للتنمية والسلام
تناولنا فى المقالين السابقين أن الدولة المصرية تواجه حالياً تحديات أمنية وإقتصادية وإجتماعية كبيرة،وأن وصف الرئيس السيسى لـ “ترامب” بأنه “قادر على إيقاف الحرب” يعكس إدراك مصر العميق لموازين القوى الدولية، خاصة بعد دخول الحرب على إيران أسبوعها السادس، وقبل هذه الأسابيع،كان العالم يستعد لخفض الفائدة وزيادة إستثمارات الذكاء الإصطناعي مع وجود فائض كبير محتمل من النفط والغاز، لكن بمجرد دخول الحرب من الباب خرج كل ذلك من النافذة، ولكن لم يخرج بعد التأكيد بأن إيران قد تراجعت بالفعل في معظم المجالات، وأنها لا تزال قادرة على إمتلاك وإستخدام سلاح نووي محدود كورقة حاسمة فى وجه الولايات المتحدة الأمريكية التى تسعى لهجوم مفاجئ تضعف به الروح المعنوية للايرانيبن ،وتجبر إيران على قبول الهيمنة، والتفاوض، وهو ما ترفضه إيران لتعجل من بيضة الهلاك وهى الفتنة إلى تمحص الناس، ويسود فيها الباطل. لذلك فإن الآثار التى أحدثتها حرب إيران وإتساع الصراع فى الشرق الأوسط على الإقتصاد العالمي ستكون كارثية، خاصة وأن التكلفة المبدئية لهذه الحرب من وجه نظرنا تعادل قيمة ما حصل عليه الرئيس ترامب من دول الخليج لمنع آثارها الجسيمة والتى تقدر ب 6 تريليون دولار ، ومع بلوغ سعر النفط إلى 120 دولار للبرميل، ومع إحتمالية أن يرتفع أكثر، إذا بقي مضيق هرمز مغلقا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ركود وتضخم عالمي غير مسبوق، مشفوعا بزيادة من حالة اللايقين التى تسيطر على الإقتصاد العالمي الآن، بعد أن أعتقد الرئيس ترامب أنه قادر على الحد من الأضرار الإقتصادية للحرب بالحد من القتال إذا ما أصيبت الأسواق بالذعر. لكن الضرر قد وقع بالفعل،وعلى عكس الحروب التجارية التي أشعلها خاصة مع الجانب الصيني، فهو لا يستطيع أن يسيطر على جميع زمام الأمور لتتدحرج بيضة الهلاك على آتون حرب عالمية ثالثة وأخيرة، فالحرب العالمية الأولى عام 1914 كانت حرب لإنهاء الحروب،إذ ساد وإنتشر الإعتقاد بأنه من غير المعقول أن يتكرر صراع عالمي بهذا الحجم،ومع ذلك اندلعت الحرب العالمية الثانية في عام 1939.ومع إندلاع الحرب الباردة في عام 1945 وانتشار تكنولوجيا الأسلحة النووية إلى الاتحاد السوفيتي، غدت إمكانية نشوب صراع عالمي ثالث متوقعا ومخططا له.ففى مارس 2025، أطلق الإتحاد الأوروبى حزمة دفاعية شاملة بعنوان “إعادة تسليح أوروبا” أو “تأهب 2030” لإستثمار ما يصل إلى 800 مليار يورو، أما فيما يخص التعامل الأمريكي مع الصين، فهى حرب تجارية كما قلنا سابقاً ،وأنها ستؤدي إلى تدمير إقتصادي متبادل بدأته الولايات المتحدة بقطع إمدادات النفط عن الصين عبر حرمانها من موارد فنزويلا أولا ثم إيران وليس أخرا ، وهو ما قد ترد عليه الصين عبر التخلص من سندات الخزانة الأمريكية، ما يتسبب في فوضى مالية متبادلة تصيب الاقتصادين العالميين. بالفعل نحن أمام سطحية فجة لعقلية الهيمنة الأمريكية التى ترفض التعامل مع الصين على قدم المساواة، وتسعى لتطبيق إستراتيجية قسرية تهدف إلى خنق الصين عبر منعها من الوصول إلى الموارد الحيوية، وإجبارها على شراء النفط والمعادن الأساسية بالدولار ومن مصادر في نصف الكرة الغربي، ما يبقيها تابعة ماليا للنظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن. ولكن ما يجعلنا نميل إلى أن بيضة الهلاك تتدحرج على آتون حرب عالمية ثالثة هو أن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت مدفوعة إلى حد كبير بـالإستعراض الإعلامي والربح الشخصي للقائمين عليها على حساب العمق الإستراتيجي الحقيقي، وهو ما يفسر إقالة رئيس أركان أركان الجيش الأمريكي الجنرال راندي جورج ، مع مسئول قيادة التحول والتدريب “T2COM” التي تهدف إلى تسريع تطوير ونشر التقنيات في الجيش الجنرال ديفيد هودن .لذا فإن من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تسير نحو مخاطر كبيرة من عدم الإستقرار ،بل وبوادر الدخول فى إرهاصات حرب أهلية، نتيجة للضغوط الإقتصادية الحادة، والهشاشة المالية، واتساع هوة عدم المساواة، والانقسامات الاجتماعية الحادة بها. نحن بالفعل أمام بيضة الهلاك التى تتدحرج بالفعل على طريق تقربها من هوة حرب عالمية ثالثة، وخاصة بعد ردود الفعل المتصاعدة من الصراعات الحالية، والتي تشبه إلى حد كبير الديناميكيات التي أشعلت فتيل الحربين العالميتين الأولى والثانية، ما يضع البشرية أمام مرحلة مصيرية تحتم على الجميع التفكير بجدية في عواقب هذه السيناريوهات الكارثية قبل فوات الأوان. وللحديث بقية إن شاء الله.
د/ علاء رزق





