عاجلمقالات
أخر الأخبار

 تصفيق بلا أثر

كثير من الأقوال تستحسنها الآذان، وتأنس لها النفوس، وتلتفّ حولها المجالس، من غير أن تُضيف إلى العقول فهما، ولا إلى البصائر اتساعا. قبول الناس للكلام لا يدلّ بذاته على عمقه، كما أن شيوعه لا يشهد له بالأثر. فكثيرا ما يُستقبل الخطاب بحفاوة، ثم يُطوى مع انفضاض المجلس، كأن غايته انتهت عند حدود السماع. والنفوس تميل بطبعها إلى ما يوافق مألوفها، ويجامل تصوّراتها، ويُبقيها في دائرة الاطمئنان. هذا الميل إذا وُجه في الخطاب صنع كلاما يُجيد استرضاء السامعين أكثر مما يُجيد مخاطبة عقولهم. تُقدَّم الفكرة المألوفة في صيغة محسّنة، وتُعاد المعاني المستقرّة بألفاظ منمقة، ويغدو الرضا علامة الحكمة، وكثرة القبول قرينة الصواب. من هنا يظهر هذا الضرب من الخطاب الذي يُرضي الجمهور، ولا يُنشئ وعيا؛ لأنه يخاطب العادة أكثر مما يخاطب العقل، ويستثمر الراحة بدل أن يستدعي التفكير. يمرّ في السمع مرور الماء الفاتر، لا يوقظ حسا، ولا يترك أثرا. وهو خطاب ينجح في الانتشار، لأنه لا يُكلّف المتلقّي عناء المراجعة، ولا يُخرجه من دائرة ما ألفه.

وقد شهدت المجالس، في أزمنة مختلفة، أصواتا طاغية الحضور، قويّة العبارة، تُشعل العاطفة وتستنهض الشعور، فتغادر الجموع مجالسها مفعمة بالانفعال، وقد ظنّت أنها أدركت المعنى كلّه. غير أن هذا التأثير كان مشدودا إلى اللحظة، متعلّقا بحرارة الصوت؛ فإذا خفّت الحماسة خبا معها الأثر، ولم يبقَ في الذهن ما يُعين على الفهم أو يهدي إلى مراجعة. كان التأثير واسعا، وكان البناء أضيق.
وعلى الضدّ من ذلك، يقف الكلام الذي يبني وعيا؛ كلام لا يطلب الإعجاب السريع ولا يحرص على التصفيق، ويضع الفكرة في موضع الفحص، ويحمّل القارئ مسؤولية النظر. هذا النوع من الكلام قد يُربك قليلا، وقد يستدعي ضيقا مؤقّتا، لأنه ينقل المتلقّي من الاطمئنان إلى السؤال، ومن التلقّي إلى المشاركة في الفهم.
يتجلّى الفرق بين النمطين في صورة الخطيب الذي يُكثر من العبارات المصقولة، ويُعيد المعاني ذاتها في أثواب متعدّدة، فيخرج الناس معجبين بالأسلوب، خفيفي الزاد من الفكرة؛ وفي صورة الكاتب الذي يفتح بابا لم يكن منظورا، فيتوقّف القارئ عنده، ويُعيد النظر فيما كان يظنه محسومًا.
والفرق بينهما كالفرق بين من يُنشد ليصرف السائرين عن وعورة الطريق، ومن يحمل مصباحا يدلّهم على مواضع الخطوة؛ الأوّل محبوب السماع، والثاني أبقى أثرا. ومثل ذلك من يضع مرآة أمام الجمهور، فيرون آراءهم مُزيّنة، ومواقفهم مُبرّرة، فيزدادون رضا؛ في مقابل من يعرض ميزانا تُوزن به الأفكار، فينكشف لكل امرئ موضع قوله وقيمة حجّته.
بناء الوعي يقوم على احترام العقول، لا على مجاراة الأذواق، ولا على استرضاء السامعين. هو عمل تراكمي يبدأ بسؤال صادق، ويتقوّى بنقاش هادئ، ويثمر فهما أرسخ مع الزمن.
ليس كل ما يُصفق له يُتبع، ولا كل ما يُعجب يُفهَم. فكثير من التصفيق صوت مرتفع لفراغ واسع؛ يملأ اللحظة، ثم يترك العقل كما كان، لم يزد بصيرة، ولم ينقص جهلا. وما لا يترك أثرا بعد سكونه، فليس خطابا، ولو علا له التصفيق.
                     فيصل الكثيري
                      كاتب وأديب حضرمي
                      🖋فتى جدة
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى