غير مصنف
أخر الأخبار

حين تعجز الحدود عن اختصار الحكاية

بقلم/ ريان الجعفري

ذهبت اليوم إلى العباسية لا أحمل في يدي سوى ملف وبعض الأوراق وأمي التي أنهكها المرض وأثقلها الفقد.

ذهبت لأستكمل إجراءات إقامة والدتي ولم أكن أعرف أنني سأعود من هناك بحكاية أكبر من الإقامة وأعمق من ختم يوضع على ورقة.

منذ اللحظة الأولى كان تعامل الضباط المصريين شيئاً يستحق أن يُروى.

طلب مني أحد الضباط بعد أن نظر إلى بطاقتي أن أستكمل إجراءات البطاقة في التجمع الأول فاعتذرت وشرحت له أن ظروف والدتي الصحية لا تسمح لي بالتنقل بها من مكان إلى آخر وطلبت منه إن أمكن أن أتم الإجراءات في العباسية.

لم يناقشني طويلاً ولم يطلب مني أن أشرح أكثر.

استجاب مباشرة.

ثم كتب على ورقة البيانات عبارة توقفت عندها طويلاً:

«صاحبة هذا الإجراء سودانية تكرم بابنتها المصرية وأتمنى تسهيل الإجراءات لها».

قرأت العبارة أكثر من مرة.

ربما لا يعرف صاحبها ماذا فعلت بي تلك الكلمات.

لكن وصلتني الرسالة عرفت كيف يعشق المصريين أرضهم ويحترمون من ينتمون إليها بل ويكرمونه .

كان يمكن أن تكون مجرد ملاحظة إدارية عابرة لكنها بالنسبة لي كانت شيئاً آخر تماماً كانت نافذة صغيرة تسلل منها دفء كثير إلى قلب متعب.

طلب مني الصعود إلى الطابق السادس لإكمال الإجراءات وهناك استقبلني الموظف بحفاوة واحترام كبيرين ثم أكمل الإجراءات وطلب مني إحضار والدتي إلى الطابق الثالث للتصوير.

كانت أمي تسيرُ بجواري تحمل في وجهها آثار تعب لا تخطئه العين.

لم تتعافَ بعد من فقد حبيبها وقرة عينها عمر.

نظر إليّ أحد الضباط ثم نظر إليها وكأن شيئاً في ملامحها أخبره أن وراء هذا التعب حكاية طويلة.

طلب جواز سفرها ثم أخبر ضابطة أخرى بحالتها فما كان منها إلا أن طلبت مني بلطف أن نجلس في الاستراحة بالطابق الأرضي حتى لا نرهقها.

لم أشعر في تلك اللحظة أنني في مكان أذهب إليه لإنهاء معاملة.

شعرت أنني بين أناس يتحلون بإنسانية كبيرة رأوا في والدتي أولاً امرأة متعبة قبل أن يروها صاحبة ملف.

وهذا في رأيي قمة الرقي والانسانية .

سلّمت الملف إلى المسؤول فكان في غاية الذوق وكان ينادي جميع الموجودات بكلمة «أمي».

كلمة بسيطة لكنها بالنسبة لأمهات نزحن من بلادٍ تعبت فيها الأرواح من قسوة الظروف والحروب بمثابة ضماد بارد يربت على قلوبهن .

طلب مني أن أذهب لتصوير المستندات ودفع رسوم الإقامة عند الشباك رقم 30.

ذهبت، فوجدت الصف ليس قصيراً .

طلب مني أحد الضباط أن أبلغ الرجال الواقفين بأن هذا الصف مخصص للسيدات فقط.

أخبرتهم فبدأوا في المغادرة.

لكنني لمحت في يد أول من يقف في الصف جواز سفر فعرفت أنه مواطن سعودي.

قلت له إن الصف للسيدات فقال معتذراً إنه لم يكن يعلم.

ثم قال لي :

«في مصر التساوي في كل شيء لذلك لم انتبه ».

طلبت منه ألا يغادر وأن يكمل إجراءه.

قلت له إنك (ضيف مصر) وإن الجواز الذي تحمله أكن له تقديراً واحتراماً كبيرين فقد عشت في السعودية جزءاً كبيراً من عمري وعوملت فيها معاملة المواطن لا المقيم .

ابتسم وقال:

«جزاك الله كل خير وهذا من طيب أصلك».

ثم نظر إلى ورقتي وطلبها مني.

قدّمها مع أوراقه ودفع المبلغ.

رفضت.

أصررت.

وحلفت له أنني لن أقبل.

فنظر إليّ وقال:

«أنتِ لستِ بأكرم مني».

ثم غادر المكان تاركاً لي جملة أخرى لا أعرف كيف يمكن أن تُنسى:

«المبلغ الذي معك عشي فيه أولادك… هدية».

وقفت لحظتها أمام مشهد لم يكن في الحسبان.

ضابط مصري يكتب في ورقة رسمية كلمات تشبه الدعاء.

موظفون يتعاملون مع امرأة مريضة باعتبارها أماً قبل أن تكون صاحبة معاملة.

ومواطن سعودي لا تربطني به قرابة دم يدفع عني رسوم معاملتي وكأنه يعرفني منذ سنوات.

كيف لا أحب مصر؟

وكيف لا أحب السعودية؟

وكيف لا أرى في هذه التفاصيل الصغيرة ما هو أكبر بكثير من الحدود والأختام والجوازات؟

عدت إلى المسؤول وسلمته الملف.

نظر إليّ وقال وكأنه يلخص الحكاية كلها في سؤال واحد:

«لماذا لا يفتحون البلدين على بعضهما البعض ونصبح كما كنا إخوة وأحباباً؟»

تلعثمت ، لم أعرف ماذا أجيبه.

فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة لأنها تصيب مكاناً عميقاً في القلب.

خرجت من العباسية وأنا أفكر في أن البلدان لا تسكن الخرائط وحدها.

الوطن أحياناً يكون في موظف يناديك «يا أمي».

وفي ضابط يرى تعب والدتك قبل أن يرى أوراقها.

وفي رجل لا يعرفك لكنه يقول لك: «أنت لست بأكرم مني».

وفي عبارة عابرة تُكتب على ورقة رسمية فتظل عالقة في الروح أكثر من كل الأختام.

ربما نحن نبالغ حين نبحث عن الأخوة في البيانات الرسمية وعن المحبة في الخطب وعن العلاقات بين الشعوب في ممرات السياسة.

أحياناً تكون الأخوة أبسط من ذلك بكثير.

تكون في باب يُفتح لك لأنك تحمل أماً متعبة.

وفي يد تمتد إليك دون أن تسأل من أين أتيت.

وفي رجل كريم يكرمك لعبارة منك رسخت في قلبه وموقفاً صغيراً صنفه جميل .

اليوم لم أنتهِ من إجراءات إقامة والدتي فقط.

لكني غادرت العباسية وأنا أحمل يقيناً صغيراً لكنه عزيز:

أن ما بين مصر والسودان والسعودية أكبر من الأوراق وأقدم من الحدود وأبقى من السياسة.

هناك أشياء لا تستطيع الحواجز أن تفصلها.

وهناك محبة مهما أثقلتها الأيام تعرف دائماً طريقها إلى الناس.

حفظ الله هذا البلدان العزيزة على روحي وحفظ عليها أمنها وأمانها وولاة أمرها ووفق بينهم .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى