سامي العثمان. الفصل الاول من كتابي الجديد الدويلة المارقة والخيانة العظمى “
القاهرة / سامي العثمان
يسرني دعوتكم للاطلاع على الفصل الاول من كتابي ” الدويلة المارقة والخيانة العظمى “
تحياتي لكم جميعاً
دمتم بخير
المقدمة:
الخيانة مشروعًا لا حداثة
ليست الخيانة، في معناها العميق، فعلاً عابرًا ولا زلّةً سياسية يمكن ردُّها إلى سوء تقدير أو خطأ في الحسابات. فالخيانة — حين تستقر وتتمدّد وتتحوّل إلى سياسة عامة — تصبح مشروعًا مكتمل الأركان، له هندسته، ووظائفه، وأدواته، ورعاته، وأهدافه البعيدة. فالخيانة هنا لا بوصفها حادثة طارئة في مسار دولة، بل بوصفها بنية وظيفية صُمّمت، ورُعيت، ونُفِّذت بوعي كامل.
لقد اعتاد الخطاب السائد أن يختزل التطبيع مع الكيان الصهيوني في كونه قرارًا سياسيًا، أو اتفاقًا دبلوماسيًا، أو تحوُّلاً في موازين المصالح. غير أن هذا الاختزال نفسه هو أول مظاهر التضليل. فالتطبيع، في حالته الإماراتية، لم يكن مجرد فعل سياسي يخضع لجدل المصالح والضغوط، بل كان — ولا يزال — منظومة حضارية كاملة: رؤية للإنسان، وللدين، وللهوية، وللعلاقة مع العدو، ولشكل مستقبل المنطقة.
التطبيع كفعل سياسي يمكن التراجع عنه، ويمكن محاسبته، ويمكن إدراجه في سياق الضرورات.
أما التطبيع كمنظومة حضارية، فهو إعادة صياغة للوعي، وتفكيك للثوابت، وإعادة تعريف للعدو، بل وإعادة ترتيب لمعنى الخير والشر، والمقدّس والمدنّس، والمقاومة والخيانة. وحين يصل التطبيع إلى هذا المستوى، يصبح السؤال مختلفًا جذريًا: لسنا أمام قرار، بل أمام دور.
وانطلاقًا من فرضية مركزية مفادها أن الدور الإماراتي لا يمكن فهمه أو تفكيكه أو حتى نقده نقدًا جادًا إذا عُزل عن ثلاث دوائر كبرى تتداخل وتتكامل:
أولاً: الصهيونية العالمية، لا بوصفها كيانًا جغرافيًا فحسب، بل بوصفها مشروعًا حضاريًا يسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ليس بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر الاقتصاد، والثقافة، والتعليم، والدين المُعاد تدويره، ونزع فكرة العدو من الوعي الجمعي العربي والإسلامي.
ثانيًا: الماسونية، لا باعتبارها أسطورة دعائية أو فزاعة خطابية، بل كشبكة نفوذ وأفكار ورموز، تقوم على تفكيك البنى التقليدية، وإحلال الفرد المعزول محل الجماعة، والمنفعة محل القيم، واللايقين محل الإيمان، تحت شعارات براقة من قبيل “الإنسانية” و“التسامح” و“الكونية”. وحين تتحوّل من دولة إلى راعٍ رسمي لهذه المنظومة، فإننا لا نكون أمام انفتاح ثقافي، بل أمام هندسة وعي ممنهجة.
ثالثًا: هندسة التفتيت الناعم، وهي أخطر أدوات العصر الحديث، إذ لا تعتمد على الجيوش ولا الاحتلال المباشر، بل على ضرب المعاني من الداخل: تفكيك فكرة الأمة، تشويه الذاكرة التاريخية، تسفيه المقاومة، شيطنة كل خطاب تحرري، وتجفيف منابع الهوية الدينية والقومية، مع الإبقاء على قشور شكلية تمنح الإحساس الزائف بالاستمرارية.
في هذا السياق، تصبح المعابد التي تُقام في قلب العواصم العربية، والرموز التي تُرفع تحت لافتات “التسامح”، والمشاريع الثقافية التي تعيد تعريف المقدّس، علامات سياسية بامتياز، لا يمكن قراءتها قراءة عمرانية أو دينية بريئة. فالمكان، في الوعي الجمعي، ليس مجرد جغرافيا؛ إنه ذاكرة ورمز وسيادة. ومن يعبث بالمكان إنما يعبث بالمعنى.
ولا يقف الأمر عند حدود الداخل، بل يمتد ليطال الإقليم بأسره. فالدور الوظيفي لا يكتمل إلا بتأدية مهامه الخارجية: دعم الثورات المضادة، تمويل الاستبداد، محاربة أي مشروع استقلالي حقيقي، وتشويه كل تجربة تحاول كسر الهيمنة الصهيونية–الغربية، سواء كانت قومية أو إسلامية أو حتى وطنية خالصة. وهنا تتلاقى الخيانة مع الاستقرار الزائف، ويُعاد تعريف الأمن ليصبح أمن الأنظمة لا أمن الشعوب.
من ثمّ، لا نسعى إلى الإدانة الأخلاقية المجردة، ولا إلى التحريض الخطابي، ولا إلى تسجيل موقف انفعالي. إنما نسعى إلى التشريح: تشريح الدور، وتشريح الوظيفة، وتشريح المشروع، وكشف الفارق الجوهري بين دولة تخطئ، ودولة أُنشئت لتؤدي دورًا بعينه.






