قد يظنّ الناس أنّ الفقر أو الألم هو أثقل ما يلقاه الإنسان، ويظهر الخطر الأعمق حين تمضي أيامه وهو لا يعلم لِمَ ينهض ولا إلى أي مقصد يتوجه. فالحياة إذا سارت بلا سؤال أطفأت نور القلب شيئا بعد شيء، وملأت النفس فراغا لا يسدّه شيء. وهكذا يخبو الضوء الذي كان ينعش الداخل، وتتكرر الأيام كما تتكرر الظلال على جدار ساكن. والقلب لا يفقد هداه دفعة واحدة؛ يبدأ الأمر من ضعف الشغف، ثم ضعف الفضول، ثم انطفاء الدهشة، حتى يغدو الصباح امتدادا ليوم مضى، لا بداية تورث معنى. ومتى فقد المرء دهشته خمد في صدره ذلك السؤال الذي تنهض به الأعمال. فالإنسان يتعب حين تنفصل أفعاله عن مقصد يضيء الطريق. وقد يسير في الدرب نفسه سنين طويلة، وتختلف آثار الخطوات بحسب ما تحمله النية؛ فمن نهض لغاية راشدة وجد في المشقة سكينة، ومن نهض بلا مقصد وجد في اليسر مشقة. والمعنى يُرى في الأعمال الصغيرة كما يُرى في الكبيرة؛ في سلام يقال بصدق، وفي جهد يسير يُسدّ به خلل، وفي لحظة يتوقف فيها المرء ليسأل نفسه: هل هذا الطريق ما أريده حقا؟
ومع كل صحوة صادقة يدرك الإنسان أن العمر لا يُستعاد، وأن الحكمة تبدأ من ترتيب الداخل. فالأيام التي تمضي بلا انتباه تُثقِل النفس ولو بدا صاحبها راضي الملامح؛ فقد يكون الظاهر مهذبًا والباطن موحشا كبيتٍ مرتّب لا حياة فيه. والمعنى إذا غاب من الجوهر لا تعوّضه الحركات المنتظمة، ولا تنوب عنه العادات إذا خلت من الوعي الذي يحييها.
وتصفو الحياة حين يُردّ لكل فعل قيمة، ولكل عادة نية، ولكل جهد ثمرة تُرجى. فإذا رأى الطبيب عمله أمانة نهض له بقلب حاضر، وإذا شعر المعلّم أنّ كلماته تفتح للعقول باب الفهم بقي فكره حيا، وإذا أدرك ربّ الأسرة أن رعايته غرس مبارك وجد في أيامه سكينة تتكاثر. فإذا سكن القصد القلب أشرق الطريق، وخفّت الأعباء، واستوت للنفس خطواتها.
ويقوى المعنى في الداخل حين يسأل الإنسان نفسه على بصيرة: لِمَ أفعل ما أفعل؟ ويثبت حين يحفظ وعيه من عادة تطمس البصائر وتترك الأيام تتشابه بلا وجهة. فإذا رجع القصد إلى القلب تجددت الحياة، وظهرت منافذ هدى تهدي إلى السير بثبات.
وحين يستعيد الإنسان وجهته… يحيا.
ويجد للحياة طعمًا لا تعرفه الأيام التي تُقطع بغير مقصد.