في أعماق دارفور ، حيث بدأت شرارة الصراع قبل أكثر من عقدين ، تتكرر اليوم فصول مأساة إنسانية مروعة ، مليشيا الدعم السريع ، التي نشأت من رماد الجنجويد ، أصبحت اليوم أداة لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، بل وإبادة جماعية ، مدعومة بقوى خارجية تسعى لمصالحها الخاصة ، هذا التحقيق يستعرض التاريخ والحاضر ، مستنداً إلى تقارير دولية وشهادات رسمية ، ليكشف كيف تحولت هذه المليشيا إلى تهديد وجودي للشعب السوداني ،
جذور الشر: من الجنجويد إلى الدعم السريع
بدأت مليشيا الجنجويد عملياتها في دارفور عام 2003 ، حيث سلحت الحكومة السودانية السابقة ، بقيادة نظام الكيزان (الإخوان المسلمين) ، مليشيات قبلية محلية لقمع التمرد في الإقليم. ارتكبت هذه المليشيات جرائم حرب مروعة ، شملت حرق القرى ، تهجير السكان قسراً ، القتل على أساس الهوية العرقية ، الاغتصاب كسلاح حرب ، وتدمير النسيج الاجتماعي بالكامل ، قدم النظام السابق دعماً مباشراً بالسلاح والمال ، مما مهد الطريق لتحول الجنجويد إلى قوات الدعم السريع ، التي أصبحت اليوم قوة شبه عسكرية مستقلة ،
محاولات الإصلاح الفاشلة والانقلاب
حاولت قيادة المجلس السيادي والجيش الحاكمة في البلاد ، بعد الثورة احتواء الدعم السريع ودمج قواته في الجيش الوطني ، مع تخليص بعض مليشياته من العناصر المتطرفة ، لكن المليشيا رفضت الانصياع ، ثم ما لبثت إذ شنت انقلاباً عسكرياً في أبريل 2023 ، مستغلة دعماً خارجياً مشبوهاً ، أشار قادة الجيش السوداني ، بما فيهم ياسر العطا عضو المجلس السيادي ، في حديث متلفز ، إلى أن الدعم الخارجي وتحديداً من الإمارات العربية المتحدة كان السبب الرئيسي وراء هذا الرفض ، يبدو أن هناك نية سيئة واضحة ، حيث تسعى جهات خارجية لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية في المنطقة على حساب الشعب السوداني ،
أكد ياسر العطا أن الدعم السريع يضم عناصر كيزانية متطرفة ، وأن استبعاد ضباط وجنود من الجيش بسبب أفكارهم المتطرفة أو فسادهم أدى إلى انخراطهم السريع في صفوف المليشيا ،
جرائم مروعة منذ اندلاع الحرب:
منذ بدء القتال في أبريل 2023 ، ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم مروعة، تشمل القتل الجماعي ، الاغتصاب الممنهج ، تدمير المستشفيات والمدارس ، النهب الشامل ، والتطهير العرقي ، تقارير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشونال توثق هذه الانتهاكات ، خاصة في دارفور ، حيث أعلنت الولايات المتحدة في يناير 2025 أن الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية ضد مجتمعات غير عربية ،
الدعم الخارجي المستمر:
تستمر المليشيا في جرائمها بفضل دعم خارجي شامل ،،
عسكري (أسلحة وطائرات بدون طيار) ، مالي (تمويل مباشر) ، سياسي ودبلوماسي (حماية في المحافل الدولية) ، وإعلامي (نشر روايات مغلوطة) ، الإمارات متهمة بشكل مباشر بتقديم هذا الدعم ، رغم نفيها ، مما يثير تساؤلات حول مصالحها في موارد السودان الطبيعية ،
الخسائر الإنسانية الهائلة:
أدت الحرب إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة:
– قتلى: أكثر من 150,000 شخص، وفق تقديرات دولية تشمل القتل المباشر والأمراض والجوع ،
– حالات اغتصاب موثقة: حوالي 4,400، مع تقارير عن عشرات الآلاف غير المسجلة ،
– نازحون داخلياً: 7.3 مليون.
– لاجئون خارجياً: 4.3 مليون.
– أطفال يتامى: حوالي 1,050,000.
– أرامل: حوالي 150,000.
هذه الأرقام ، المستمدة من تقارير الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية ، تعكس أكبر أزمة نزوح في العالم ،
الخسائر الاقتصادية والثقافية:
تقدر الخسائر الاقتصادية بمئات المليارات من الدولارات ، تتراوح بين 500 و700 مليار ، تشمل تدمير البنية التحتية ، القطاعين الصناعي والزراعي ، وانهيار الاقتصاد الوطني ، أما الخسائر الثقافية ، فشملت تدمير متاحف وممتلكات عامة وخاصة ، بما في ذلك المتحف القومي السوداني ، الذي نهبته المليشيا ودمرت معظم محتوياته ،
تقارير عن الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي:
1. تقرير خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (نوفمبر 2025): يعبر عن قلق شديد بشأن تقارير عن الاتجار بالنساء والفتيات للاستغلال الجنسي في الفاشر ، دارفور ، تحت سيطرة الدعم السريع ،
2. تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الاتجار بالبشر لعام 2024: يشير إلى خلط الاوراق السودانية بين التهريب والاختطاف والجرائم المتعلقة بالاتجار ،
3. تقرير معهد كريستيان ميشيلسن (CMI) عن التهريب والاتجار في السودان (2014، ما زال ذا صلة): يناقش تفاقم هذه الجرائم بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية ، والآن مع الصراع ،
4. تقرير شبكة “شبكة” (أبريل 2025): يؤكد زيادة التهريب والاتجار بسبب الاضطرابات السياسية ،
إشارات إلى بيع الأعضاء أو استخراجها
1. تقرير “أنهار الدماء – الهروب من دارفور” (نوفمبر 2025): يذكر صراحة الاتجار بالبشر المؤدي إلى استخراج الأعضاء البشرية ، مع التركيز على دارفور تحت نشاط الدعم السريع/الجنجويد ، ويسرد قصة 108 شخصاً ومؤسسات اجنبية مشتبه بها .
2. مقال في الغارديان (سبتمبر 2024): يناقش التجارة غير المشروعة بالأعضاء عالمياً ، وتورط بعض الدول ، دون تركيز مباشر على السودان ،
الخلاصة: ضرورة المحاسبة ،
في ظل هذه الجرائم المستمرة ، يجب على القيادة السودانية الحالية رفع قضايا دولية ضد الداعمين للمليشيات، مطالبتهم بالتعويضات ، وفرض عقوبات صارمة. لا يمكن السماح باستمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة ، فالشعب السوداني يستحق عدالة وسلاماً يحميان كرامته ووجوده .
ياسين سالم
نائب رئيس تحرير صحيفة العروبة اليوم





