سماح الشغدري/ صحفية يمنية مقيمة في ألمانيا
لم يعد ما يجري في مضيق هرمز مجرد تصعيد عسكري، بل لحظة اختناق حقيقية للاقتصاد العالمي، مع احتجاز نحو 400 ناقلة نفط و130 سفينة حاويات في واحد من أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم. فالممر الذي يمر عبره ما بين 10% إلى 20% من إمدادات الطاقة العالمية لم يعد فقط تحت التهديد، بل أصبح فعليًا نقطة ضغط تعيد تشكيل توازنات السوق والاقتصاد الدولي.
خلال الأيام القليلة الماضية، تسارعت الضربات داخل إيران، مع اتساع نطاق العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، واستهداف متكرر للبنية التحتية العسكرية ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي المقابل، واصلت طهران إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، إضافة إلى هجمات امتدت إلى نطاق إقليمي أوسع، مع تأكيدها أن عملياتها تأتي ضمن ما تصفه بـ”الدفاع المشروع”، ورفضها الصريح لأي مسار تفاوضي في المرحلة الحالية.
سياسيًا، يبدو المشهد أكثر انغلاقًا. فواشنطن استبعدت المسار الدبلوماسي، بينما أكدت طهران أنها لم تطلب وقف إطلاق النار أو التفاوض. هذا التصعيد لا يبقى في حدوده العسكرية، بل ينتقل مباشرة إلى الأسواق، حيث تتحول الضربات إلى اضطرابات في الإمدادات وقفزات في الأسعار.
في هذا السياق، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوسيع الضربات، مع تركيز خاص على جزيرة خرج، التي تُعد المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. كما تبرز ضمن النقاشات داخل الإدارة الأميركية سيناريوهات تتعلق بالسيطرة على تدفقات النفط من الجزيرة، وهو ما يفسر – وفق هذا الطرح – تجنب استهداف البنية النفطية بشكل مباشر في بعض الضربات السابقة، رغم الإعلان عن تدمير أهداف عسكرية فيها، إلى جانب تصريحات مثيرة للجدل حول إمكانية قصفها مجددًا.
وتكشف تصريحات ترمب خلال الأيام الأخيرة عن تباين لافت في الخطاب الأميركي، إذ تجمع بين تأكيد استمرار العمليات العسكرية وطرح سيناريوهات تصعيدية، في مقابل إشارات سابقة تحدث فيها عن إمكانية التوصل إلى اتفاق بشروط مختلفة. هذا التداخل في الرسائل يعكس حالة من عدم الاستقرار في المقاربة السياسية، ويزيد من ضبابية المشهد أمام الأسواق وحلفاء واشنطن على حد سواء.
في المقابل، رفعت إيران سقف التهديد، وأكدت أنها قد تستهدف منشآت طاقة مرتبطة بمصالح أميركية في الخليج، بينما أشار “الحرس الثوري” إلى أن مرور السفن عبر المضيق قد يخضع لشروط وإجراءات، في خطوة تعكس استخدام الممر البحري كورقة ضغط استراتيجية. وهنا يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر بحري إلى أداة ضغط جيوسياسية تُستخدم للتأثير في الاقتصاد العالمي بأكمله.
تشير التقديرات إلى أن نحو 400 ناقلة نفط و130 سفينة حاويات أصبحت عالقة، في وقت تعرضت فيه ما لا يقل عن 19 سفينة تجارية لهجمات أو أضرار منذ بدء النزاع، بينها سفن تابعة لشركات عالمية. ولم يعد التهديد محصورًا بالمضيق، بل امتد إلى موانئ كانت تُعد آمنة نسبيًا، مثل ميناء صلالة في سلطنة عمان، ما أدى إلى اهتزاز الثقة في أمن الملاحة البحرية في المنطقة بأكملها.
انعكست هذه التطورات سريعًا على سلاسل الإمداد العالمية. فقد ارتفعت تكاليف نقل الحاويات بنسبة 12% منذ بداية الصراع، مع قفزات حادة في بعض المسارات، أبرزها المسار بين شنغهاي والشرق الأوسط الذي تجاوزت زيادته 70%، بينما ارتفعت تكاليف الشحن إلى البرازيل بنسبة 60% نتيجة إعادة توجيه السفن. كما قفزت أسعار وقود السفن بنحو 50% خلال فترة قصيرة، ما زاد الضغط على شركات النقل البحري.
وهو ما يعني عمليًا أن تكلفة نقل السلع الأساسية — من الغذاء إلى الإلكترونيات — بدأت بالفعل في الانتقال تدريجيًا إلى المستهلك النهائي في مختلف أنحاء العالم، مع لجوء الموردين إلى فرض رسوم طوارئ لتغطية التكاليف المتزايدة.
ومع تصاعد المخاطر، اضطرت شركات الشحن الكبرى مثل “ميرسك” و**“هاباغ لويد”** إلى التخلي عن المسارات التقليدية عبر قناة السويس والبحر الأحمر، واللجوء إلى الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 10 إلى 15 يومًا لكل رحلة، ويضاعف استهلاك الوقود، ويضغط على القدرة التشغيلية للأساطيل العالمية.
لكن التأثير لا يتوقف عند النقل. فالأزمة بدأت تضرب قطاعات استراتيجية:
في الأمن الغذائي، يشكل الشرق الأوسط نحو 40% من صادرات اليوريا عالميًا، ما يعني أن أي تعطل في هذه الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الزراعة، ومن ثم أسعار الغذاء عالميًا.
وفي قطاع التكنولوجيا، تبرز مخاوف بشأن إمدادات الهيليوم المستخدم في صناعة أشباه الموصلات، ما قد يبطئ سلاسل إنتاج التكنولوجيا المتقدمة.
أما في السلع الاستهلاكية، فقد بدأت تكاليف التأمين والوقود المرتفعة بالانتقال تدريجيًا إلى الأسعار النهائية.
بالتوازي، تتصاعد أزمة الديزل، الذي يمثل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي العالمي. فالمضيق يمر عبره ما بين 10% إلى 20% من إمدادات الديزل المنقولة بحرًا، ومع تعطل الملاحة، قد يفقد السوق ما بين 3 إلى 4 ملايين برميل يوميًا، إضافة إلى نحو 500 ألف برميل بسبب توقف بعض المصافي. ويكمن الخطر في أن الديزل ليس مجرد منتج نفطي، بل هو الوقود الذي تقوم عليه سلاسل الإنتاج والنقل، ما يجعل أي اضطراب فيه سريع الانتقال إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وقد انعكس ذلك على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار الديزل بوتيرة أسرع من النفط الخام، مع قفزات حادة في أوروبا والولايات المتحدة، في وقت سجلت فيه هوامش أرباح المصافي مستويات قياسية، مقابل ضغوط متزايدة على المستهلك والنمو الاقتصادي، ما يعزز المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.
في خلفية هذا المشهد، تتضح ملامح استراتيجية إيرانية قائمة على الاستنزاف، لا تعتمد على مواجهة مباشرة، بل على رفع كلفة الشحن والتأمين وتعطيل التجارة الدولية عبر أدوات منخفضة الكلفة مثل الطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تدويل المواجهة عبر تحالف لحماية الملاحة، مع إبقاء خيار استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية مطروحًا، ما يرفع من احتمالات التصعيد.
ورغم هذه الدعوات، لم تُظهر معظم الدول حتى الآن التزامًا واضحًا بالمشاركة، في ظل مخاوف من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في منطقة شديدة الحساسية، وهو ما يعكس حسابات دقيقة بين حماية المصالح الاقتصادية وتجنب الانخراط العسكري المباشر.
هذا التردد الدولي، إلى جانب تضارب الإشارات السياسية، يضيف طبقة إضافية من عدم اليقين، لا تقتصر آثارها على المسار العسكري، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة، التي تتأثر بشكل مباشر بوضوح أو غموض القرارات السياسية في مثل هذه الأزمات.
في ظل غياب أفق واضح للحل، يواجه آلاف البحارة العالقين على متن السفن واقعًا قاسيًا، بين مخاطر عسكرية وضغوط نفسية متصاعدة، في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في قطاع الشحن منذ جائحة كورونا.
ما يجري اليوم يعكس تحولًا في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد المواجهة تُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل بمدى القدرة على التأثير في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية.
ولعل المفارقة الأبرز أن المعركة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يملك القدرة على تعطيل حركة العالم.
وفي عالم يعتمد على هذه التدفقات بشكل يومي، قد لا تكون أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُخاض عبر الممرات البحرية، حيث يمكن لعنق زجاجة واحد — كمضيق هرمز — أن يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بأكمله.





