إن المتأمل في مجرى التاريخ، المتفحص لطبائع الدول في صعودها وانحسارها، يدرك أن السيادة امتحان ثقيل لا يثبت له إلا من اتسعت رؤيته وقويت عزيمته. فالملك كائن قلِق، يألف الحركة ويأنف الإقامة، فإذا طال له مقام في موضع واحد استنفر في الآفاق طموحا يطلب المماثلة، ويستدعي منافسة لا تهدأ.
كانت دمشق في عصر بني أمية موضع الثقل، ومركز القرار، وعنوان الهيبة. إليها تُدار الأقاليم، وعلى مثالها تُقاس الدولة. استقرت الخلافة فيها على صورة القوة المحكمة، تستند إلى العصبية العربية، وتقوم على وحدة المركز وصلابة البناء. بدا المجد متماسك الأركان، شديد الحضور، كأنه بلغ حدّ الاكتمال.
واكتمال الصورة يوقظ في الجهات الأخرى رغبةً في المشاركة. فحيث يرسخ المعنى في مكان، تتحرّك العقول في الأمكنة البعيدة بحثا عن موقع جديد له. من هنا لم يكن التنافس بين البيتين الأموي والعباسي نزاعا على سلطان زائل، كان اختلافا على مفهوم السيادة، وعلى الطريقة التي تُدار بها الدولة، وعلى الأفق الذي ينبغي أن تتجه إليه.
آثر العباسيون التمهّل، واتخذوا الصبر عدّة، والتنظيم وسيلة، وطول النفس نهجا. نسجوا دعوتهم في هدوء، وفتحوا لها أبواب الشرق، وجمعوا حولها طاقات رأت في التحول أفقا واسعا. وفي المقابل، ظلّ الأمويون معتمدين على إرث قديم من الولاء، مطمئنين إلى قوة المركز، واثقين بأن ما استقام زمنا يظل قائما.
ومع اشتداد التدافع، تبدّلت أدوات التأثير، واتسعت ساحات الفعل. لم يعد السيف وحده صاحب الكلمة، وبرز إلى جانبه قلم الدواوين، وحكمة الإدارة، وصبر التخطيط. فإذا كانت دمشق عنوان الحكم المتمركز، غدت بغداد عنوان الفكرة المتحرّكة. هناك انتقل الثقل من تثبيت السلطان إلى توسيع المعنى، ومن استقرار الصورة إلى رحابة الأفق. من هذا الاحتكاك تشكّلت ملامح الحضارة، ونضجت العلوم، واتخذ التدوين مساره الواسع. لم يُمحَ مجد ليقوم آخر على أنقاضه، تحوّل المعنى من صورة إلى صورة، وتبدّل مركز السيادة وفق سنن لا تعرف الجمود.
وهكذا يعلّمنا التاريخ أن المجد لا يغار إلا من شبيهه، ولا يتحسّس إلا ممن يشاركه العلوّ. فالتنافس بين القوى الصاعدة سُنّة من سنن العمران، به تُشحذ الهمم، وتُختبر العقول. من أحسن توجيهه جعله سببا للبناء، ومن أهمله تركه عبئا يثقِل الحاضر ويشوّش الآتي. ويبقى التاريخ شاهدا صامتا، لا يصدر حكما، ويترك للعاقل أن يلتقط الإشارة.
فيصل الكثيري
كاتب وأديب حضرمي





