د. علاء رزق
أيقنت السياسة الاقتصادية الوطنية أن العقود السابقة لاسيما بعد ثورة يوليو ٥٢ اتسمت بعدم قدرة الدولة المصرية على الاستجابة السريعة على صعيد السياسات، وتحقيق هوامش الأمان القوية على مستوى الاقتصاد الكلي، مع عدم وجود سعر صرف مرن، وكلها عوامل ساعدت على عدم استيعاب تداعيات الحرب بداية من التوجه نحو حرب العدوان الثلاثي ٥٦، والانزلاق فى حرب فى اليمن ، وهزيمة ٦٧، وحتى القيام فى حرب اكتوبر ٧٣. ومرورا بالدخول فى إصلاحات اقتصادية مفروضة أو سياسات تم تنفيذها بصورة غير صحيحة، الآن ، ومع وجود رؤية إستراتيجية وطنية ، تستند على سياسة خارجية مرنة ومتزنة مع جميع القوى الفاعلة،وعلى جميع الأصعدة إقتصادية، نجد أن الحاجة لا تزال قائمة إلى تنفيذ الإصلاحات بمزيد من الحسم للحد من مواطن الضعف وإطلاق العنان لنمو أقوى يقوده القطاع الخاص. ندرك تماماً حجم التغيرات والتداعيات الإقتصادية العالمية المتلاحقة وتأثيراتها السلبية على الإقتصاديات الناشئة ومنها مصر، ورغم ذلك تمكنت مصر من استيعاب واحدة من أكبر الصدمات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة جراء الحرب على غزة وفى السودان ومع ليبيا وفوق إيران وتحت اليمن، وقد تمكنت السياسات المتسقة للسياستين المالية والنقدية من امتصاص الضغوط الخارجية بفضل مرونة سعر الصرف، ومن الحفاظ على انضباط السياسات بفضل تعديلات أسعار الطاقة في أعقاب ارتفاع أسعار النفط الدولية، وضبط الإنفاق، والتوسع في تقديم الدعم الموجه لمستحقيه. وهو ما أسفر إستمرار النمو قويا، حيث بلغ 5,0٪ في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، بينما ظلت السياحة قادرة على الصمود، وارتفعت تحويلات العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية، وواصل نشاط قناة السويس (تعافيه التدريجي) عقب بعض الاضطرابات المؤقتة وسط الاضطراب الإقليمي. وكذلك أمكن إحتواء الضغوط المالية من خلال تعبئة الإيرادات المحلية وكبح الإنفاق. وارتفع التضخم على أثر انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، غير أن هذا الارتفاع كان أقل حدة مما كان متوقعا، ورغم تلك النجاحات فى بعض المؤشرات الاقتصادية المطلوبة،وأن الصدمة الاقتصادية الأخيرة قد حسنت من القدرة على الصمود في مصر، ولكن ينتاب البعض زيادة فى عدم اليقين المبنية على أن هناك مواطن ضعف كبيرة فى جسد الاقتصاد الوطني، فلا يزال الدين العام وإجمالي الاحتياجات التمويلية في مستويات مرتفعة، كما يعتمد التمويل بدرجة كبيرة على آجال الاستحقاق القصيرة، وكذلك فإنه لا تزال درجة انكشاف البنوك أمام الحكومة مرتفعة، حيث تبلغ نسبة انكشاف البنوك العاملة في مصر أمام الحكومة المركزية نحو 35% من إجمالي أصول القطاع المصرفي، وهذه النسبة المرتفعة تعزز الارتباط بين المخاطر السيادية والقطاع المصرفي. وأن المؤسسات الحكومية تزاحم بشدة ائتمان القطاع الخاص. ومن المتوقع أن يظل إجمالي الاحتياجات التمويلية في حدود 40٪ من إجمالي الناتج المحلي في الأجل القريب وأن ينخفض تدريجيا فحسب إلى أقل من 30٪ بحلول عام 2030. وبشكل أعم، لا يزال دور الدولة في الاقتصاد كبيرا بشكل مفرط.
وبالتالي فإننا نتوقع أن يتناول المؤتمر الاقتصادي الوطني المزمع عقده الشهر القادم بإذن الله، المطالبة بالتحول التدريجى نحو أدوات تمويل أطول أجلاً وقائمة على قوى السوق. مع تنويع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلي لتقليل الضغط على البنوك المحلية، واستمرارية احتواء الإنفاق وتعبئة الإيرادات المحلية لخفض إجمالي الاحتياجات التمويلية للناتج المحلي. مع تبنى آليات الحوكمة الضامنة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي من خلال مرونة سعر الصرف، وتطبيق سياسة نقدية مشددة بالقدر الملائم، وتوخي الحرص المالي، أيضاً العمل على تسريع وتيرة الإصلاحات التي تعالج مواطن الضعف المتبقية، والتى تتسق مع تعزيز إدارة الدين، والتحول نحو التمويل الأطول أجلا القائم على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتعميق أسواق الدين المحلي للحد من مخاطر إعادة التمويل وتعزيز استمرارية القدرة على تحمل الدين. والأهم من ذلك أن زيادة الحسم في تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من أصولها، وتقوية حوكمة المؤسسات المملوكة للدولة، وزيادة المنافسة ستكون كلها عوامل حاسمة لتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتهيئة الظروف المواتية لتحقيق نمو أقوى بقيادة القطاع الخاص. وللحديث بقية إن شاء الله.





