منذ نشأة المملكة العربية السعودية، لم يكن مفهوم الأمن السعودي محصوراً في حدود الجغرافيا السعودية، ولا كانت مواقفها السياسية تُقاس فقط بما يصيبها مباشرة.
السعودية، بحكم موقعها وثقلها العربي والإسلامي، ظلت حاضرة في قضايا الأمة، سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، وفي أحيان كثيرة دفعت ثمناً لمواقفها.
ولهذا أقول لكل من يخرج اليوم ليقول: «نحن سندافع عن السعودية»:
على رسلكم.
من قال لكم إن السعودية تنتظر من يدافع عنها؟
ومن قال إن المملكة لم تعرف طوال تاريخها كيف تحمي نفسها ومصالحها؟
بل الأصح أن نسأل: كم مرة دافعت السعودية عن قضايا غيرها، ودفعت من مالها ومكانتها ونفوذها وثقلها السياسي ثمناً لذلك؟
فلسطين.. القضية التي لم تكن يوماً ملفاً ثانوياً
فلسطين ليست قضية جديدة في السياسة السعودية.
وكالة الأنباء السعودية توثق أن المملكة شاركت في دعم العرب في حرب 1948، وأن الملك سعود قدّم دعماً سياسياً ومعنوياً للفلسطينيين، وأن الملك فيصل رفع القضية الفلسطينية إلى مستوى إسلامي أوسع، وكان من أبرز الداعين إلى عقد أول قمة إسلامية بعد حريق المسجد الأقصى عام 1969.
ولم تتوقف المسألة عند المواقف السياسية.
السعودية دعمت الفلسطينيين مالياً وإنسانياً وسياسياً، وواصلت الدفاع عن حقهم في إقامة دولتهم، وفي السنوات الأخيرة قادت تحركات دبلوماسية واسعة لإبقاء القضية الفلسطينية في قلب الأجندة الدولية.
وفي 2025 أكدت وزارة الخارجية السعودية أن موقف المملكة من إقامة الدولة الفلسطينية «راسخ وثابت لا يتزعزع»، وأنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
هذه ليست جملة عابرة.
هذا موقف دولة تعرف أن بعض مواقفها الخارجية قد تكون مكلفة، لكنها لا تغيّرها لمجرد أن الطريق أصبح أصعب.
الملك فيصل.. عندما أصبح النفط موقفاً سياسياً
ثم نصل إلى عام 1973.
هنا لا نتحدث عن تغريدة ولا تصريح ولا مؤتمر صحفي.
نتحدث عن حرب أكتوبر.
السعودية لم تدخل الحرب كقوة قتالية رئيسية، لكنها اتخذت قراراً سياسياً واقتصادياً كان له أثر عالمي كبير.
في أكتوبر 1973 شاركت السعودية والدول العربية المنتجة للنفط في خفض الإنتاج وفرض حظر على صادرات النفط إلى الولايات المتحدة ودول أخرى بسبب دعمها لإسرائيل.
وتشير وثائق تاريخية أمريكية إلى أن السعودية رأت في سياسة خفض الإنتاج وسيلة للمشاركة في الموقف العربي والحفاظ على جبهة عربية موحدة.
وكان الملك فيصل في قلب هذا الموقف.
لم يقل: «هذه ليست حربنا».
ولم يقل: «سننتظر من يدافع عنا أولاً».
بل استخدم واحدة من أقوى أدوات المملكة في ذلك الوقت: النفط.
وهنا يجب أن نفهم شيئاً مهماً:
الدفاع عن قضايا الأمة لا يعني دائماً إرسال الجيوش إلى الجبهات.
أحياناً يكون الدفاع موقفاً سياسياً.
وأحياناً يكون مالاً.
وأحياناً يكون دبلوماسية.
وأحياناً يكون ضغطاً اقتصادياً.
وأحياناً يكون استخداماً للثقل الدولي.
وهذا بالضبط ما فعلته السعودية في محطات كثيرة من تاريخها.
لبنان.. لم تكن السعودية متفرجاً
لبنان أيضاً شاهد على الدور السعودي.
السعودية لم تتعامل مع لبنان باعتباره شأناً داخلياً بعيداً عنها، بل شاركت في جهود عربية للتسوية ودعم استقرار الدولة اللبنانية.
وكانت اتفاقية الطائف عام 1989 محطة تاريخية مهمة في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، واستضافت السعودية الأطراف اللبنانية واحتضنت مسار الاتفاق.
وفي السنوات اللاحقة ظل الموقف السعودي يؤكد دعم سيادة لبنان واستقراره ومؤسساته، وهو موقف تؤكده البيانات السعودية الحديثة أيضاً.
وفي القمة العربية الإسلامية الاستثنائية عام 2024، التي استضافتها الرياض، جُدد التأكيد على دعم أمن لبنان وسيادته واستقراره وسلامة مواطنيه، وعلى تقديم الدعم السياسي والإنساني له في مواجهة تداعيات العدوان والأزمات.
هذه ليست دولة تبحث عن دور في دولة أخرى.
هذه دولة ترى أن استقرار محيطها جزء من أمنها الإقليمي.
واليوم.. السودان
وهنا أعود إلى السودان لأنني سوداني، ولأنني أعرف ماذا يعني أن يكون للسعودية موقف في قضية تمسنا مباشرة.
منذ اندلاع الحرب، لم يكن الدور السعودي مجرد كلام في المؤتمرات.
السعودية استضافت منبر جدة، الذي أصبح أحد المسارات الأساسية للتفاوض بين طرفي الحرب، وركز على حماية المدنيين ووقف القتال والوصول إلى حل سياسي.
وفي يونيو 2026، أكدت المملكة أمام مجلس الأمن أنها تضع استقرار السودان ووقف إطلاق النار والحفاظ على وحدة أراضيه ومؤسسات الدولة في مقدمة أولوياتها، وجددت دعمها للحل السوداني-السوداني ورفض أي إجراءات تقوض وحدة السودان أو مؤسساته، مع استمرار المساعدات الإنسانية للشعب السوداني.
هذا هو السودان.
بلد ممزق بالحرب، وشعب يعاني، ومع ذلك لم تقل السعودية: «هذه ليست قضيتنا».
بل تدخلت سياسياً وإنسانياً، واستضافت، وتوسطت، وقدمت المساعدات، وواصلت التحرك في المحافل الدولية.
اليمن.. الأمن السعودي والأمن العربي
وفي اليمن، دخلت السعودية في مواجهة مباشرة مع تهديدات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت أراضيها ومدنها ومنشآتها.
لكن حتى هنا لم تقدم المملكة المسألة على أنها دفاع عن حدودها فقط؛ ظل الخطاب السعودي يربط أمن اليمن بأمن المنطقة، ويدفع باتجاه حل سياسي.
وهذا يؤكد أن مفهوم الأمن السعودي أوسع من مجرد حماية الحدود.
والسعودية لم تتوقف عند هذه الملفات
فالسعودية دعمت دولاً وشعوباً في أزمات وكوارث مختلفة، وقدمت مساعدات إنسانية وإغاثية عبر عقود.
ووزارة الخارجية السعودية تؤكد أن المملكة تواصل تقديم المساعدات الإنسانية للدول والشعوب المتضررة من الأزمات والكوارث حول العالم دون تمييز، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤوليتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية.
هذه ليست دعاية جديدة.
هذا تراكم تاريخي.
لذلك.. لا تقولوا إنكم «تدافعون عن السعودية» وكأنها عاجزة
هنا أصل الحكاية.
السعودية اليوم تتعرض لضغوط وتهديدات وابتزازات سياسية، نعم.
وهذا طبيعي لدولة بهذا الحجم والثقل والموقع والموارد والتأثير.
لكن القول إن المملكة أصبحت محتاجة إلى من يدافع عنها، أو أن زيارة ولي العهد إلى دولة عربية تعني أنه ذهب طالباً النجدة، هو قلب للصورة.
السعودية طوال عقود كانت تدافع عن قضايا الأمة، والآن يأتي من يقول لنا: نحن سندافع عن السعودية؟
جميل.
ولكن لا تجعلوا التضامن فضلاً تمنّون به على المملكة.
فالسعودية نفسها وقفت في أوقات كثيرة مع قضايا لم تكن حدودها مهددة فيها، وتحملت بسبب مواقفها ضغوطاً سياسية واقتصادية ودبلوماسية.
الملك فيصل وحده يكفي شاهداً
تذكروا الملك فيصل.
في زمن كانت فيه الكلمة السياسية لها ثمن، استخدم النفط كسلاح سياسي في حرب أكتوبر.
لم تكن السعودية يومها تبحث عن بطولة إعلامية.
كانت تتخذ قراراً تعرف تكلفته.
وتاريخ الملك فيصل في دعم فلسطين والقضايا العربية والإسلامية لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
ومن بعده استمرت المملكة في استخدام ثقلها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في قضايا المنطقة.
واليوم هناك ولي العهد محمد بن سلمان
اليوم السعودية ليست السعودية نفسها التي كانت في سبعينيات القرن الماضي.
المملكة أصبحت قوة اقتصادية واستثمارية وسياسية أكبر، ولها حضور دولي واسع، ومشروعات تحول اقتصادي ضخمة، وشبكة علاقات دولية متشعبة.
ولهذا فإن محاولة تصويرها كدولة تنتظر من يأتي لإنقاذها لا تخدم الحقيقة.
بل ربما تخدم رواية أخرى تماماً: إضعاف صورة السعودية في الوعي العربي من خلال تصويرها محتاجة دائماً إلى الآخرين.
وهنا يجب أن نكون أكثر وعياً.
الدولة التي تقف مع غيرها لا تصبح ضعيفة.
والدولة التي تطلب التعاون عندما تحتاجه لا تصبح عاجزة.
لكن الفرق كبير بين التعاون بين دولتين وبين صناعة رواية أن دولة جاءت تستنجد بدولة أخرى.
السعودية تتعرض للضغط لأنها مؤثرة
ولنكن واقعيين.
لو كانت السعودية دولة هامشية، لما تعرضت لكل هذا الضغط.
ولو لم يكن لها وزن اقتصادي وسياسي وديني وجغرافي، لما أصبحت هدفاً دائماً لمحاولات الضغط والابتزاز والتأثير.
القوة لا تمنع الخصوم من محاولة الضغط عليك.
أحياناً القوة نفسها هي التي تجعلك هدفاً للضغط.
والسعودية واجهت الإرهاب، والصواريخ والطائرات المسيرة، وأزمات إقليمية معقدة، وحملات سياسية وإعلامية، وضغوطاً دولية واقتصادية.
ومع ذلك تجاوزت مراحل صعبة كثيرة.
وهي اليوم تملك من الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية ما يمكّنها من التعامل مع التحديات وفق مصالحها.
لذلك أقولها بوضوح
من يقول إن السعودية تحتاج إلى من يدافع عنها، وكأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها، فهو إما لا يعرف تاريخ المملكة، أو يتجاهل عمداً هذا التاريخ.
ومن يقول: «نحن سندافع عن السعودية»، فله أن يفعل ذلك إن كان صادقاً.
لكن لا تجعل من موقفك فضلاً على بلد ظل لعقود يدافع عن قضايا العرب والمسلمين، ويقدم المال والموقف والوساطة والدعم السياسي والإنساني، ويتحمل تبعات مواقفه.
السعودية لا تحتاج إلى شهادات قوة من أحد.
ولا تحتاج إلى أن تستعير هيبة من جيش آخر.
ولا تحتاج إلى أن تدخل في مسابقة: من يحمي من؟
السعودية تعرف كيف تحمي نفسها، وتعرف أيضاً كيف تقف مع غيرها.
وهذه هي النقطة التي يبدو أن بعض صناع الضجيج في الوسائط لا يريدون فهمها.
القوة ليست أن تقول: «أنا سأدافع عنك».
القوة أن تكون قادراً على الدفاع عن نفسك، ومع ذلك تختار أن تقف مع الآخرين عندما يحتاجون إليك.
وهذا، باختصار، جزء من تاريخ المملكة.
عاطف القوس





