المملكة العربية السعودية والقضية الفلسطينية.. تاريخ من المواقف لا تمحوه حملات التشكيك
القاهرة / سامي العثمان
حين يُطرح السؤال: ماذا فعلت المملكة العربية السعودية للقضية الفلسطينية؟ فإن الإجابة لا ينبغي أن تُستمد من سجال عابر، أو من موقف سياسي منفرد، أو من قراءة مبتسرة لمرحلة من مراحل التاريخ، وإنما من مراجعة مسار طويل من المواقف والوثائق والتحركات السياسية والدبلوماسية والمساهمات المالية والعسكرية. فالقضية الفلسطينية لم تكن بالنسبة إلى المملكة ملفًا طارئًا فرضته تطورات المنطقة، ولم يكن الاهتمام بها وليد حسابات ظرفية أو استجابة لضغوط إعلامية، بل حضرت في سياستها منذ السنوات الأولى لتأسيس الدولة السعودية الحديثة، وظلت حاضرة في مواقف ملوكها المتعاقبين، على اختلاف الظروف الدولية والإقليمية، وتباين أدوات التأثير المتاحة في كل مرحلة. ومن الإنصاف، قبل إصدار الأحكام، أن نضع هذه المسيرة في سياقها التاريخي، وأن نحتكم إلى الوثائق التي تركها صناع القرار أنفسهم، لا إلى الانطباعات التي تتغير بتغير الخصومات السياسية.
لقد ظهرت ملامح الاهتمام السعودي بفلسطين قبل نكبة عام 1948 بسنوات طويلة، ففي أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936، كان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يتابع تطورات الأوضاع في فلسطين، وأبدت المملكة دعمها للعرب الفلسطينيين في مواجهة السياسات التي هددت وجودهم وحقوقهم في أرضهم. ثم جاء مؤتمر لندن سنة 1939، الذي انعقد لبحث مستقبل فلسطين في ظل تصاعد الهجرة اليهودية والصراع على الأرض، لتشارك المملكة في النقاش السياسي من خلال الأمير فيصل، الذي كان يتولى حقيبة الخارجية، وأعلن في كلمته موقفًا مؤيدًا لحقوق العرب الفلسطينيين ورافضًا لفرض ترتيبات تنتقص من حقهم في وطنهم. وهذه المحطة وحدها كافية لتفنيد الادعاء بأن الموقف السعودي من فلسطين لم يتبلور إلا بعد قيام دولة إسرائيل، أو أنه كان مجرد استجابة لموجة التضامن العربي التي أعقبت النكبة؛ فالمملكة كانت حاضرة في النقاش الدولي قبل ذلك، وكانت تدرك أن القضية لا تتعلق بنزاع حدودي محدود، بل بمصير شعب وحقه في تقرير مستقبله.
ولعل من أهم الشواهد على طبيعة الموقف السعودي ما جرى في فبراير 1945، حين التقى الملك عبد العزيز برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، في لقاء تناول جملة من القضايا، كان من بينها مستقبل فلسطين. وقد نقلت وثيقة دبلوماسية أمريكية معاصرة تفاصيل ما رواه الملك للمسؤول الأمريكي ويليام إدي عن ذلك اللقاء، وهي وثيقة محفوظة ضمن مجموعة الوثائق الدبلوماسية الأمريكية الرسمية. ووفقًا لما ورد فيها، فإن تشرشل استند إلى ما قدمته بريطانيا للملك خلال سنوات سابقة، وإلى علاقات الصداقة والتحالف بين الطرفين، ليطلب منه المساعدة في التوصل إلى تسوية بشأن فلسطين، ورأى أن على الزعيم العربي أن يسهم في تهيئة الرأي العام العربي لقبول تنازلات في مواجهة المشروع الصهيوني. لكن رد الملك عبد العزيز، كما سجلته الوثيقة في صيغة نقل قريبة من كلامه، كان حاسمًا؛ فقد أكد صداقته لبريطانيا وامتنانه لها، لكنه رفض أن يكون ذلك مبررًا للموافقة على ما اعتبره خيانة للدين وللمسلمين، وتدميرًا لشرفه وضميره. ولم يكتف برفض الطلب، بل حذر من أن تشجيع الصهيونية سيؤدي إلى سفك الدماء واضطراب واسع في البلاد العربية، وأن أي صيغة تخص فلسطين لا بد أن تقوم على موافقة العرب. وتكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها لا تنقل رواية متأخرة صيغت لخدمة دعاية سياسية، وإنما تسجل تقريرًا أرسله المسؤول الأمريكي في جدة إلى وزير الخارجية الأمريكي في الثاني والعشرين من فبراير 1945، أي بعد أيام قليلة من اللقاء.
وهنا ينبغي أن نتوقف أمام دلالة هذا الموقف؛ فالملك عبد العزيز كان يتعامل مع بريطانيا بوصفها قوة كبرى ذات نفوذ وتأثير، وكانت المملكة في مرحلة بناء الدولة وتثبيت أركانها، ولم تكن تملك من أدوات القوة ما تملكه الإمبراطوريات الكبرى، ومع ذلك لم يجعل حاجته إلى الصداقة والتحالف سببًا للتنازل عن موقفه من فلسطين. لقد فرّق بين الوفاء للعلاقات الدولية وبين التفريط في الحقوق العربية، وأدرك أن الصداقة السياسية لا تمنح أحدًا حق مطالبة الآخر بالتخلي عن مبادئه. وهذه هي القيمة الحقيقية للموقف: أن المملكة لم تجعل حسابات المصلحة الآنية أعلى من حق الشعب الفلسطيني، ولم تقبل أن تتحول علاقاتها الدولية إلى قيد يمنعها من التعبير عن موقفها.
وفي اللقاء التاريخي الذي جمع الملك عبد العزيز بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد «كوينسي» في الرابع عشر من فبراير 1945، طرح الملك رؤيته بوضوح، وأكد الحقوق العربية في فلسطين، وحذر من أن استمرار الهجرة اليهودية والاستيلاء على الأراضي سيؤديان إلى أزمة خطيرة. وتُظهر مذكرة المحادثة الرسمية أن روزفلت قدم للملك تطمينات تتعلق بسياسة الولايات المتحدة، وقال إنه لن يتخذ، بصفته رئيسًا للسلطة التنفيذية، إجراءً من شأنه أن يكون معاديًا للعرب، كما أكد أن أي قرار أساسي بشأن فلسطين ينبغي ألا يُتخذ دون التشاور مع العرب واليهود. ثم جاءت رسالة روزفلت المؤرخة في الخامس من أبريل 1945 لتجدد هذه التأكيدات، وتؤكد أن السياسة الأمريكية في هذا الشأن لم تتغير.
غير أن وفاة روزفلت بعد أيام قليلة فتحت الباب أمام مرحلة مختلفة، وجاءت إدارة هاري ترومان لتدفع باتجاه سياسات لم تتفق مع تطلعات العرب، ولا مع ما كان الملك عبد العزيز يأمل أن تلتزم به واشنطن. ومن المهم هنا أن نقرأ الوثائق بدقة؛ فرسالة روزفلت لم تكن تعهدًا أمريكيًا مطلقًا يمنع أي قرار إلى الأبد، وإنما تضمنت تأكيدًا على التشاور مع العرب واليهود، وعلى ألا يتخذ الرئيس إجراءً معاديًا للعرب. ومع ذلك، فإن انتقال السياسة الأمريكية إلى مسار أكثر دعمًا للمشروع الصهيوني أثار اعتراضات عربية وسعودية واضحة، وأظهر أن الملك عبد العزيز لم يكن يكتفي بإعلان موقف أخلاقي، بل كان يحاول توظيف علاقاته الدولية والاتصالات المباشرة مع قادة العالم لحماية المصالح الفلسطينية. لقد طرق أبواب القوى الكبرى، وناقشها، وواجهها بالحجة، وسعى إلى تثبيت الحقوق العربية في المحافل التي كانت تُصاغ فيها القرارات المصيرية.
ثم وقعت نكبة عام 1948، وأُعلنت قيام دولة إسرائيل، وبدأت حرب تركت آثارًا عميقة في حياة الفلسطينيين وفي تاريخ المنطقة بأسرها. وفي تلك الحرب شاركت دول عربية عدة بقواتها، وكانت المملكة العربية السعودية من بينها، فأرسلت قوات للمشاركة في القتال إلى جانب الجيوش العربية. وتورد وثيقة أمريكية رسمية أُعدت خلال الهدنة في الحرب تقديرًا للقوات العربية، يذكر وجود نحو ثلاثة آلاف جندي سعودي، مع وضع علامة استفهام بجوار الرقم، كما يذكر أعدادًا للقوات المصرية وغيرها من القوات العربية. وهذه الملاحظة مهمة؛ إذ ينبغي التعامل مع الأرقام باعتبارها تقديرات استخباراتية عسكرية في زمن الحرب، لا إحصاءً نهائيًا لا يقبل المراجعة. لكن الثابت من هذه الوثيقة ومن السجل التاريخي أن السعودية لم تكتف بالمواقف السياسية، بل شاركت عسكريًا في الحرب، وأسهمت بقواتها في الجهد العربي دفاعًا عن فلسطين.
ولا يصح أن تتحول المقارنة بين أعداد القوات المصرية والسعودية إلى منافسة تنتقص من تضحيات أي شعب عربي. فمصر كانت دولة ذات ثقل سكاني وعسكري كبير، وكانت مشاركتها في حرب 1948 واسعة، كما شاركت دول عربية أخرى بإمكاناتها المتفاوتة. أما المملكة، فقد كانت دولة حديثة التكوين، ذات عدد سكان وإمكانات عسكرية مختلفة، ومع ذلك أرسلت قواتها إلى ميدان القتال. وليس من الإنصاف أن يُقاس صدق الموقف الوطني بحجم الجيش وحده، أو أن يُختزل الدعم في عدد الجنود الذين شاركوا في معركة بعينها؛ فالدعم العسكري جانب من جوانب النصرة، لكنه ليس الجانب الوحيد، ولا ينبغي أن يحجب ما قدمته الدول العربية الأخرى. إن القضية الفلسطينية أكبر من أن تُستخدم أداة لتصفية الحسابات بين الشعوب، وأسمى من أن تتحول تضحيات المصريين أو السعوديين أو غيرهم إلى مادة للتجريح المتبادل.
وبعد النكبة، لم تتوقف العلاقة السعودية بالقضية الفلسطينية عند حدود المشاركة العسكرية، بل اتسعت لتشمل الدعم السياسي والمالي والإغاثي، ومساندة المؤسسات المعنية باللاجئين الفلسطينيين، والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة ما ترتب على اقتلاعه من أرضه. فالمأساة لم تنته بانتهاء العمليات العسكرية، بل بدأت بعدها مرحلة طويلة من اللجوء والتشرد وفقدان الممتلكات، وأصبح ملايين الفلسطينيين في حاجة إلى التعليم والرعاية الصحية والغذاء والسكن والخدمات الأساسية. ومن هنا برزت أهمية المساهمات السعودية في دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وفي تمويل المشروعات الإنسانية والتنموية التي تستهدف الفلسطينيين في أماكن وجودهم المختلفة. وقد وثقت الوكالة نفسها مساهمات سعودية كبيرة، من بينها إعلان المملكة في عام 2015 عن حزمة اتفاقات دعم للاجئين الفلسطينيين، أشارت الوكالة إلى أنها رفعت إجمالي مساهمات المملكة عبر الصندوق السعودي للتنمية منذ عام 1994 إلى ما يقارب نصف مليار دولار.
وفي عام 2019 أعلنت المملكة تقديم خمسين مليون دولار إلى الميزانية الأساسية للأونروا، وهي مساهمة وصفتها الوكالة بأنها ذات أهمية كبيرة لاستمرار خدماتها، ولا سيما في مجالات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة. كما أعلنت الوكالة في عام 2020 تلقيها خمسة وعشرين مليون دولار من المملكة للمساعدة في استمرار تقديم الخدمات إلى ملايين اللاجئين الفلسطينيين. وهذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية جافة؛ إنها تعني مدارس تواصل فتح أبوابها أمام الطلاب، ومراكز صحية تستمر في أداء عملها، وأسرًا تجد ما يعينها على مواجهة ظروف قاسية، وأطفالًا لا يُحرمون من حقهم في التعليم بسبب واقع اللجوء. وقد لا تحل المساعدات الإنسانية وحدها أصل المشكلة السياسية، لكنها تخفف آثارها على الإنسان، وتحمي الحد الأدنى من مقومات الحياة إلى أن يتحقق الحل العادل.
أما في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، فقد اتخذ الموقف السعودي من القضية الفلسطينية بُعدًا أكثر تأثيرًا على مستوى السياسة الدولية، خصوصًا بعد حرب أكتوبر 1973. ففي تلك المرحلة لم تعد أدوات التأثير مقتصرة على البيانات السياسية أو المساعدات المالية، بل برز النفط بوصفه أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية التي يمكن توظيفها في الضغط على الدول المؤثرة في مسار الصراع. وقد شاركت المملكة في قرار حظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة ضمن سياق الموقف العربي من دعم واشنطن لإسرائيل، وربطت استمرار الحظر بضرورة تغيير السياسات التي تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالأراضي العربية التي احتلتها. وتكشف الوثائق الأمريكية السرية التي أفرج عنها لاحقًا أن القيادة السعودية كانت تنظر إلى الحظر باعتباره أداة سياسية مرتبطة بإنهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية عادلة، وأن موقف الملك فيصل من القدس والأراضي العربية المحتلة كان عنصرًا أساسيًا في تحديد مدى استعداد المملكة لاستخدام نفوذها النفطي
.وليس من الدقة أن نصور قرار النفط وكأنه أنهى الصراع أو أجبر القوى الكبرى وحده على تغيير سياساتها، فالتاريخ لا يُختزل في سبب واحد، ولا تتحقق التحولات الدولية بأداة منفردة. لكن من الإنصاف القول إن المملكة استخدمت في تلك المرحلة ورقة اقتصادية ذات تأثير عالمي، وربطت مصالحها النفطية بموقف سياسي واضح من الاحتلال الإسرائيلي، وأظهرت أن دعم فلسطين لا يقتصر على التعاطف اللفظي، وأن الدول التي تمتلك أدوات ضغط يمكنها أن توظفها في الدفاع عن قضايا المنطقة. لقد أدرك الملك فيصل أن القوة الاقتصادية لا تكتسب قيمتها الحقيقية من حجم الإيرادات وحده، بل من القدرة على استخدامها في خدمة موقف سياسي، وأن النفط الذي تتطلع إليه الأسواق العالمية يمكن أن يصبح وسيلة لإيصال رسالة عربية إلى العواصم الكبرى.
ومن المهم أيضًا النظر إلى ما قدمته المملكة في مسار العمل السياسي الفلسطيني والعربي. فقد دعمت الجهود الرامية إلى الاعتراف بالتمثيل السياسي الفلسطيني، وساندت منظمة التحرير الفلسطينية في مراحل من تطورها، وشاركت في الجهود العربية التي انتهت إلى الاعتراف بها ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني في قمة الرباط عام 1974. وكان لهذا المسار أثر مهم في تثبيت الشخصية السياسية الفلسطينية، وفي نقل القضية من مجرد ملف تتفاوض بشأنه الدول نيابة عن الفلسطينيين إلى قضية لها ممثلها الوطني المعترف به عربيًا. وقد أشارت دراسات تاريخية إلى دور المملكة في دعم منظمة التحرير الفلسطينية وفي المساهمة في تمويل بعض المؤسسات المرتبطة بالعمل الفلسطيني، وإن كانت طبيعة العلاقات والمساعدات قد تأثرت أحيانًا بالخلافات السياسية التي شهدتها المنطقة.
وهنا تظهر نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون عند تقييم السياسة السعودية: فالدول لا تتحرك في فراغ، ولا تتخذ قراراتها بمعزل عن التوازنات الإقليمية والدولية، وقد تختلف الحكومات العربية في تقدير الوسائل والطرق التي تحقق مصلحة فلسطين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تخليها عن أصل القضية. وقد شهدت العلاقات العربية، ومنها العلاقات السعودية المصرية، مراحل من التوتر الحاد، خصوصًا في ستينيات القرن العشرين، حين دخلت مصر في حرب اليمن، ووقفت المملكة في الجانب المقابل ضمن صراع إقليمي معقد. وقد بلغ حجم الوجود العسكري المصري في اليمن ذروته بنحو سبعين ألف جندي في صيف 1965، وفق دراسات تاريخية، واستمر التدخل حتى الانسحاب المصري في أواخر عام 1967.
لكن من الخطأ أن نستخدم هذا الصراع لتفسير كل ما جرى في حرب يونيو 1967، أو أن نحمل طرفًا عربيًا واحدًا مسؤولية الهزيمة، فالهزيمة كانت نتيجة عوامل عسكرية وسياسية واستخباراتية واستراتيجية متعددة، ولا يمكن اختزالها في ملف اليمن وحده. كما أن وجود القوات المصرية في اليمن كان جزءًا من أزمة عربية أوسع، ولم يكن مبررًا لتحويل الخلاف بين القاهرة والرياض إلى خصومة دائمة أو إلى اتهام متبادل بالخيانة. وقد أظهرت المصالحة العربية في مؤتمر الخرطوم عام 1967 أن تجاوز الخلافات كان ضرورة لحماية ما تبقى من الموقف العربي بعد الهزيمة، وأن استعادة التضامن كانت أهم من استمرار النزاع. ومن هنا فإن الاستشهاد بما جرى بين عبد الناصر والملك فيصل ينبغي أن يكون مدخلًا لفهم تعقيد السياسة العربية، لا ذريعة لإهانة مصر أو السعودية أو التقليل من تضحيات أي منهما.
وتُنسب إلى تلك المرحلة روايات عن زيارات ومحادثات طلبت فيها القاهرة دعم الرياض، وعن دور سعودي في مساندة الاقتصاد المصري بعد سنوات من الإنفاق العسكري في اليمن. ومهما اختلفت تفاصيل الروايات المتداولة، فإن الثابت تاريخيًا أن العلاقات السعودية المصرية شهدت محاولات للمصالحة والتعاون، وأن المملكة قدمت دعمًا ماليًا وسياسيًا لمصر في مراحل مختلفة، كما ساهمت دول عربية في مساندة مصر بعد حرب 1967 وفي حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر. ولا ينبغي أن نعامل الحكايات المنقولة عن القمح أو تكاليف الجيش في اليمن باعتبارها وثائق قاطعة ما لم نتحقق من نصوصها وسياقها؛ فالمقال التاريخي الجاد لا يحتاج إلى رواية غير موثقة كي يثبت حقيقة الموقف السعودي، إذ إن الوثائق الدبلوماسية والمساهمات المعلنة والمواقف السياسية تقدم أدلة أوضح وأقوى.
وعلى امتداد العقود التالية، استمر الدعم السعودي لفلسطين بأشكال متعددة، من المساعدات الإنسانية إلى التمويل التنموي، ومن التحرك الدبلوماسي إلى المشاركة في المبادرات العربية والدولية. وقد طرحت المملكة في عام 1981 مشروعًا للسلام عُرف بمشروع الأمير فهد، ثم تبنت قمة بيروت العربية عام 2002 مبادرة السلام العربية التي أصبحت واحدة من أبرز المبادرات العربية الجماعية لحل الصراع. وقد قامت المبادرة على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، مقابل إقامة علاقات طبيعية في إطار تسوية شاملة. وبصرف النظر عن المواقف الإسرائيلية من المبادرة، فإن طرحها يعكس سعيًا سعوديًا إلى وضع تصور سياسي متكامل يربط السلام بإنهاء الاحتلال، لا بفرض واقع جديد على الفلسطينيين أو مطالبتهم بالتنازل عن حقوقهم.
إن الدفاع عن الموقف السعودي لا يتطلب الادعاء بأن كل خطوة سياسية كانت كاملة، أو أن كل قرار اتخذته المملكة في تاريخها لم يكن محل اختلاف أو نقاش، فهذه صورة لا تنطبق على أي دولة في العالم. لكنه يتطلب إنصاف الوقائع وعدم محو تاريخ طويل من المواقف بسبب خلاف سياسي آني، أو بسبب رواية مبتورة تتجاهل الوثائق. فالمملكة دعمت القضية الفلسطينية قبل قيام إسرائيل، وواجه الملك عبد العزيز تشرشل برفض واضح للمساومة على الحقوق العربية، وخاطب روزفلت بشأن فلسطين، وأرسلت قواتها للمشاركة في حرب 1948، ثم ساهمت في دعم اللاجئين والمؤسسات الفلسطينية، واستخدمت ثقلها الاقتصادي في حرب 1973، وساندت التحركات السياسية العربية التي عززت الاعتراف بالتمثيل الفلسطيني، وقدمت على مدى عقود مساعدات إنسانية وتنموية موثقة.
والأهم من كل ذلك أن القضية الفلسطينية ليست ملكًا لدولة عربية واحدة حتى تحتكر الحديث باسمها، وليست ميدانًا لتوزيع شهادات الوطنية على الشعوب والحكومات وفق الأهواء. فمصر لها تاريخها وتضحياتها ودورها العسكري والسياسي، والسعودية لها تاريخها ومواقفها وأدواتها في الدعم، والأردن وسوريا ولبنان والعراق وسائر الدول العربية لكل منها صفحات في هذا الملف، كما أن الشعب الفلسطيني نفسه هو صاحب القضية الأول، وصاحب الحق في تقرير مستقبله. ولا ينبغي أن يؤدي الاعتزاز بالدور السعودي إلى إنكار أدوار الآخرين، كما لا يجوز أن تتحول الإشادة بتضحيات دولة عربية إلى وسيلة للنيل من دولة أخرى. إن قوة الموقف العربي لا تُبنى على التنازع حول من قدم أكثر، بل على الاعتراف بما قدمه كل طرف، وعلى إدراك أن القضية أكبر من الحسابات الضيقة.
ولذلك، حين يُعاد طرح السؤال: ماذا فعلت المملكة العربية السعودية للقضية الفلسطينية؟ فإن الإجابة لا تكون بالصراخ ولا بالمزايدة، وإنما بفتح الوثائق وقراءة التاريخ. لقد كان هناك ملك رفض أن يجعل صداقته لبريطانيا ثمنًا لقبول المشروع الصهيوني، وهناك مراسلات رسمية مع رئيس أمريكي تناولت الحقوق العربية، وهناك جنود سعوديون شاركوا في حرب فلسطين، وهناك مواقف سياسية واقتصادية اتخذتها المملكة في لحظات مفصلية، وهناك ملايين الدولارات التي ذهبت إلى دعم اللاجئين والبرامج الإنسانية والتعليمية والصحية. قد يختلف الناس في تقييم بعض السياسات أو في تقدير مدى نجاحها، وهذا حق مشروع، لكن إنكار أصل هذه المواقف أو تصوير التاريخ السعودي وكأنه خلا من نصرة فلسطين ليس قراءة موضوعية، بل انتقاء يخاصم الوثيقة ويتجاهل الوقائع.
إن نصرة فلسطين لا تُقاس بعبارة واحدة، ولا تُختزل في معركة واحدة، ولا تنتهي عند حدود التبرع المالي أو البيان السياسي. إنها مسيرة تتعدد فيها الوسائل، وتتغير فيها الظروف، ويبقى معيارها الأهم هو الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ومساندته في مواجهة الاحتلال، والعمل من أجل قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق اللاجئين في حل عادل لقضيتهم. ومن هذا المنطلق، فإن التاريخ السعودي في القضية الفلسطينية يستحق أن يُقرأ كاملًا، لا أن يُنتزع منه موقف ويُترك سائر المسار، وأن يُناقش بإنصاف، لا أن يُحاكم بمنطق الخصومة. وإذا كانت الوثائق قد سجلت موقف الملك عبد العزيز أمام تشرشل، ورسالة روزفلت التي جددت التأكيدات بشأن فلسطين، وإذا كانت سجلات الأمم المتحدة قد وثقت مساهمات المملكة في دعم اللاجئين، وإذا كانت الوثائق الأمريكية قد سجلت استخدام النفط أداة ضغط في عام 1973، فإن هذه الشواهد جميعًا تقول إن العلاقة السعودية بالقضية الفلسطينية لم تكن ادعاءً بلا سند، بل كانت مسارًا سياسيًا وإنسانيًا ممتدًا، له محطاته وأدلته وتضحياته. ومن حق المملكة أن يُذكر لها ما قدمته، ومن حق الفلسطينيين أن يستمر دعمهم حتى ينالوا حقوقهم كاملة، ومن حق التاريخ أن يُروى كما وقع، لا كما تشتهي الخصومات. ففلسطين ليست ساحة لمحو فضل أحد، ولا نصرتها تحتاج إلى الإساءة إلى أحد؛ إنها قضية حق، وكل جهد صادق في سبيلها يستحق أن يُنصف ويُذكر.





