في خضم التصعيد الإقليمي، يكثر الكلام، وتعلو النبرة، وتختلط العاطفة بالتحليل. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن إيران لا تُهزم بالانفعال، ولا تُفهم بالشتم، ولا تُردع بالبيانات وحدها. فالدول لا تُواجه بالمشاعر، بل تُواجه بالفهم العميق والبناء المؤسسي طويل النفس.
المشكلة الأساسية في كثير من الخطابات المتداولة اليوم أنها تختزل السلوك الإيراني في تفسير سطحي مفاده أنه مجرد “رد فعل” على الوجود الأمريكي في المنطقة. هذا الطرح، رغم انتشاره، يعاني من خلل تحليلي خطير، لأنه يتجاهل الوقائع التاريخية، ويقود إلى استنتاجات خاطئة، وبالتالي إلى سياسات غير فعالة.
أولاً: التاريخ لا يكذب
إذا عدنا إلى التسلسل الزمني، سنجد أن كثيرًا من العمليات العدائية المرتبطة بإيران تجاه دول الخليج العربي سبقت مرحلة ما بعد 1991، بل وسبقت حتى التوسع الأمريكي الكبير في المنطقة.
محاولة انقلاب البحرين عام 1981، تفجيرات الكويت الكبرى عام 1983، خطف الطائرة الكويتية عام 1984، محاولة اغتيال أمير الكويت عام 1985، أحداث الحج واقتحام السفارة السعودية في طهران عام 1987، ثم أحداث الجابرية عام 1988… كل هذه الوقائع تشكل نمطًا متماسكًا من السلوك العدائي المنهجي.
هذه ليست ردود فعل على قواعد عسكرية لاحقة، بل مؤشرات مبكرة على مشروع قائم بذاته.
ثانيًا: طبيعة الأهداف تكشف طبيعة المشروع
لو كانت إيران تتحرك فقط بدافع مقاومة الوجود الأمريكي، لكان استهدافها منصبًا بشكل أساسي على مصالح أمريكية مباشرة. لكن ما حدث فعليًا كان مختلفًا جذريًا:
الاستهداف طال قادة دول، منشآت وطنية، ناقلات نفط، سفارات، ومجتمعات داخلية.
هذا النمط لا يعكس “مقاومة وجود أجنبي”، بل يعكس مشروع نفوذ يستهدف الدولة الخليجية نفسها: سيادتها، استقرارها، وهويتها.
ثالثًا: البنية… لا الحدث
أخطر ما في السلوك الإيراني ليس الحدث، بل البنية التي تنتج هذا الحدث.
منذ الثمانينيات، اعتمدت إيران نموذجًا ثابتًا يقوم على:
بناء شبكات محلية، توظيف الانتماءات العابرة للحدود، الاستثمار في المظلومية، وتغذية الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية.
في البحرين ظهر نموذج التنظيم الانقلابي، في الكويت خلايا التفجير والضغط السياسي، وفي السعودية لاحقًا شبكات “حزب الله الحجاز”.
هذا ليس رد فعل، بل “نظام عمل” متكامل.
رابعًا: من الخطأ اختزال القضية في العاطفة
وصف السلوك الإيراني بأنه “حقد” أو “عداء دفين” قد يكون مقبولًا في الخطاب التعبوي، لكنه ضعيف في التحليل الاستراتيجي.
الأدق أن نقول:
إن سلوك النظام الإيراني تجاه دول الخليج العربي هو سلوك مركب يجمع بين الأيديولوجيا الثورية، التنافس الإقليمي، استخدام الوكلاء، ومعاقبة الدول التي رفضت الاصطفاف معه.
هذا التوصيف لا يعتمد على النوايا، بل على الوقائع المتكررة عبر الزمن.
خامسًا: المشكلة ليست في الفهم فقط… بل في نوع الرد
إذا كان التهديد الإيراني مؤسسيًا وطويل النفس، فإن الرد لا يمكن أن يكون موسميًا أو إعلاميًا.
إيران تبني نفوذها عبر:
هوية، ذاكرة، تعليم، وشبكات.
وبالتالي، فإن الرد الخليجي الفعّال يجب أن يكون عبر:
هوية وطنية جامعة، ذاكرة تاريخية دقيقة، نظام تعليمي واعٍ، منظومة قانونية صارمة، أجهزة أمنية ذكية، وعدالة اجتماعية تمنع الاختراق.
الفرق بين رد الفعل والاستراتيجية هو أن الأول يستهلك، والثاني يبني.
الخلاصة
الخطأ الأكبر ليس في قوة الخصم، بل في سوء فهمه.
حين نختزل مشروعًا طويل النفس في تفسير سطحي، فإننا نمنحه ميزة إضافية: ميزة الغموض.
إيران ليست لغزًا… لكنها أيضًا ليست ظاهرة بسيطة. هي مشروع متكامل، بدأ مبكرًا، واستمر بتكيف عالٍ، ويعمل بأدوات متعددة.
ولهذا، فإن مواجهتها لا تكون بالشعارات، بل ببناء نموذج مضاد بنفس العمق، ونفس الصبر، ونفس القدرة على الاشتغال عبر الزمن.
“الدولة التي لا تفهم خصمها بعمق… ستُدار استراتيجيًا من قبله دون أن تشعر.”
المستشار والمفكر الكويتي د/ ناصر المصري





