عاجلمقالات

السادس من أكتوبر.. حين عبرت مصر إلى النصر

ثمة أيام لا تأتي في التقويم

بل تأتي محمّلة بأصوات الذين غابوا وبخطوات الذين رحلوا ولم تكتمل عودتهم وبقلوب أمهاتٍ ظللن حتى آخر العمر يتركن الباب موارباً، كأن الغائب قد يطرق في لحظةٍ ما ويقول: لقد عدت.

يأتي السادس من أكتوبر كل عام فنفرح… نعم، لكن فرحتنا ليست خالية من الدموع.

ففي هذا اليوم تختلط زغاريد النصر بصمت المقابر ويرتفع العلم عالياً بينما تحت التراب ترقد أسماء رجالٍ لم يروا لحظة رفعه. رجالٌ خرجوا من بيوتهم ذات صباح تركوا وراءهم قبلة سريعة ووصيةً عابرة ونظرةً طويلة ربما لم يدرك أحد وقتها أنها قد تكون النظرة الأخيرة.

كانوا يعرفون أنهم ذاهبون إلى الحرب لكنهم لم يعرفوا أيّهم سيعود.

وكانت مصر كلها تنتظر ..

تنتظر أبناءها عند شاطئ القناة وتنتظر خبراً يطمئنها وتنتظر أن ينتهي ذلك الليل الطويل الذي بدأ منذ يونيو يوماً أثقل من أن تحمله ذاكرة وطن.

ثم جاء السادس من أكتوبر.

جاء كأن القدر فتح نافذةً في جدارٍ كثيف من الحزن.

جاءت الطائرات ودوت المدافع وارتجفت الأرض تحت أقدام الرجال وانشق الماء أمام العابرين ..

لم يكن أولئك الجنود يعبرون قناة السويس وحدها بل كانوا يعبرون سنواتٍ من الانكسار ويعبرون خوفاً استوطن النفوس ويعبرون إلى لحظةٍ أرادوا لها أن تقول إن مصر مهما أثقلتها الجراح لا تموت.

عبروا ..

وفي الضفة الأخرى كانت تنتظرهم أرضٌ لم تكن مجرد تراب.

كانت ذاكرة.

كانت بيوتاً غابت عنها الطمأنينة وأطفالاً كبروا وهم يسمعون أسماء مدنٍ وأرضٍ وقناة وأمهاتٍ ظللن يسألن عن أبنائهن، ووطناً كان يريد أن يسترد شيئاً لا يُسترد بالسلاح وحده: إنها الكرامة ..

ولهذا فإن أكتوبر ليس ذكرى نصر فحسب.

إنه ذكرى وجعٍ صار مجداً ..

وذكرى رجالٍ اختاروا أن تكون أجسادهم جسراً يعبر عليه الوطن من الهزيمة إلى النصر ..

سلامٌ حتى يوم يبعثون على الذين عادوا وعلى الذين لم يعودوا.

سلامٌ على أمٍ أغلقت بابها ذات مساء ولم تعرف أن ابنها لن يفتحه مرة أخرى.

سلامٌ على زوجةٍ ظلت تحتفظ بصورة زوجها، وعلى طفلٍ كبر وفي ذاكرته أبٌ لم يمنحه الزمن فرصةً كافية ليعرفه.

سلامٌ على كل شهيدٍ لم يحمل معه إلى الجبهة سوى إيمانه بأن هناك أرضاً تستحق أن يموت الإنسان من أجلها.

وفي السادس من أكتوبر حين نرفع أعلامنا ونقول «عيد النصر» فلنتذكر أن النصر لم يكن مجانياً.

كان له ثمن من دمٍ ودمعٍ وانتظار.

ولهذا تبقى فرحتنا في أكتوبر مختلفة ..

فرحةً يجاورها الحنين ويصافحها الحزن وتظل في أعماقها خشيةٌ جميلة من أن ننسى أولئك الذين صنعوا لنا هذه اللحظة ثم غابوا عنها.

المجد والخلود السرمد لمن عبروا ..

والرحمة لمن رحلوا…

والوفاء لوطنٍ لم تنتهِ حكايته عند ضفة القناة بل بدأت منها حكاية جديدة لنقول بأعلى صوتنا

تحيا مصر🇪🇬.

بقلم/ ريان الجعفري

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى