عاجلمقالات
أخر الأخبار

بين “تحالف هرمز” وخيار جزيرة خرج

كيف تفكر إدارة ترمب في معركة الطاقة والملاحة

بقلم: سماح الشغدري/ صحفية يمنية مقيمة في ألمانيا

في قلب التوتر المتصاعد في الخليج، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الجيوسياسي بوصفه نقطة تقاطع حساسة بين أمن الطاقة والتوازنات العسكرية في المنطقة. ومع تصاعد الأزمة، تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكأنها تتحرك على مسارين متوازيين في التعامل مع هذه المواجهة: مسار دبلوماسي يسعى إلى تشكيل تحالف دولي لإعادة فتح الممر البحري الحيوي، ومسار آخر أكثر حساسية يتمثل في دراسة خيار السيطرة على النفط الإيراني في جزيرة خرج.

هذا التحرك يعكس محاولة أميركية لإعادة رسم معادلة الأمن والطاقة في الخليج، في لحظة تتداخل فيها حسابات الجغرافيا السياسية مع رهانات الاقتصاد العالمي.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة الدولية وعلى استقرار الإمدادات النفطية.

وفق مصادر تحدثت إلى موقع أكسيوس، يسعى ترمب إلى تشكيل تحالف من عدة دول، من بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، لإعادة فتح مضيق هرمز، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن هذا التحالف خلال هذا الأسبوع. وتأتي هذه الخطوة في سياق تحركات دبلوماسية متسارعة تقودها واشنطن لحشد دعم دولي لتأمين الملاحة التجارية في المضيق، في محاولة لتقاسم أعباء تأمين الممر البحري وتقليل الكلفة العسكرية والاقتصادية لأي مواجهة محتملة في المنطقة.

غير أن التحرك الأميركي لا يقتصر على المسار البحري فقط. فبحسب مسؤولين أميركيين، يدرس ترمب خيار السيطرة على النفط الإيراني في جزيرة خرج، وهو سيناريو قد يتطلب نشر قوات أميركية على الأرض إذا ظلت ناقلات النفط عالقة ولم تتمكن من استئناف حركة الشحن بشكل طبيعي. وهو ما يعني عملياً نقل المواجهة من مستوى الضغط البحري إلى مستوى التأثير المباشر على شريان الصادرات النفطية الإيرانية، إذ تمثل الجزيرة المركز الأهم لتصدير النفط الإيراني بما يقارب 90٪ من صادراته النفطية.

وفي منشور له يوم السبت على منصة تروث سوشال، قال ترمب إن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأخرى سترسل سفناً حربية لإعادة فتح الملاحة التجارية في المضيق، داعياً الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة إلى المشاركة في هذا الجهد. ويعكس هذا التوجه محاولة أميركية لتحويل أمن المضيق من مسؤولية أحادية إلى مهمة دولية تشارك فيها الدول الأكثر اعتماداً على نفط الخليج.

وأكد ترمب هذا التوجه في تصريحات أدلى بها يوم الأحد للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية الأميركية، حيث قال إنه يطالب دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى الدول المستوردة للنفط بما في ذلك الصين، بالمساعدة في تأمين المضيق، في إشارة إلى رغبة واشنطن في توزيع الأعباء الأمنية المرتبطة بحماية طرق التجارة والطاقة العالمية.

وأشار ترمب إلى أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع سبع دول بشأن هذا التحالف، مضيفاً أن المهمة العسكرية المتوقعة “ستكون صغيرة” لأن إيران، بحسب تعبيره، “لم يتبق لديها الكثير من القوة النارية”.

وفي كواليس هذه التحركات، قال مسؤول أميركي إن ترمب وكبار مسؤولي إدارته أمضوا يومي السبت والأحد في سلسلة اتصالات هاتفية مكثفة مع شركاء دوليين بهدف تسريع تشكيل التحالف متعدد الجنسيات.

وفي تحول لافت في الخطاب السياسي، تحدث ترمب يوم الأحد مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بشأن هذا الجهد، رغم أنه كان قد قال قبل أيام إن “الأوان قد فات” لمشاركة المملكة المتحدة. ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً داخل الإدارة الأميركية لأهمية الدور الأوروبي في منح أي تحرك في المضيق غطاءً سياسياً دولياً أوسع.

حتى الآن، لم تعلن أي دولة التزامها العلني بالمشاركة في هذا التحالف، غير أن مسؤولاً رفيعاً في الإدارة الأميركية قال إن ترمب يتوقع أن يعلن بعض الحلفاء دعمهم خلال هذا الأسبوع لتشكيل ما يسميه البيت الأبيض “تحالف هرمز”.

وفي الوقت ذاته، يضغط ترمب على الصين للانضمام إلى التحالف قبل توجهه إلى بكين لعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في نهاية الشهر. وقال لصحيفة فايننشال تايمز إنه قد يؤجل الزيارة إذا لم تتجاوب بكين مع هذا المسعى، في مؤشر على أن أزمة المضيق باتت تتقاطع مع التنافس الأوسع بين واشنطن وبكين على النفوذ في أسواق الطاقة العالمية.

ونقلت شبكة سي إن إن عن مسؤول إيراني قوله إن بلاده قد تسمح بمرور آمن لناقلات النفط إذا جرى تداول شحنات النفط باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأميركي، وهو طرح يعكس محاولة إيرانية لربط أمن الملاحة في المضيق بإعادة تشكيل أنماط تسعير النفط والتعاملات المالية المرتبطة به.

كما وجّه ترمب تحذيراً إلى حلفاء الناتو، قائلاً لصحيفة فايننشال تايمز:
“إذا لم يكن هناك رد، أو كان الرد سلبياً، فهذا سيكون سيئاً جداً لمستقبل الناتو”.

على الأرض، تواصل الولايات المتحدة قصف أهداف إيرانية في أنحاء البلاد، مع تركيز خاص على جزيرة خرج، التي تقع على بعد نحو 15 ميلاً من الساحل الإيراني وتعالج ما يقارب 90٪ من صادرات النفط الخام الإيرانية. ولهذا السبب تُعد الجزيرة هدفاً حساساً في أي مواجهة مرتبطة بالطاقة، إذ إن تعطيلها يمكن أن يؤثر مباشرة في قدرة إيران على تصدير النفط وتمويل اقتصادها.

ولم تتوقف التصريحات اللافتة والمتناقضة للرئيس الأميركي. فقد أعلن يوم الجمعة أنه أمر بشن ضربات على منشآت عسكرية في الجزيرة مع تجنب استهداف المنشآت النفطية، لكنه قال في مقابلة مع شبكة إن بي سي يوم السبت إن الولايات المتحدة “قد تضربها بضع مرات أخرى لمجرد التسلية”.

وبين المساعي الدبلوماسية لتشكيل تحالف بحري دولي والخيارات العسكرية المرتبطة بجزيرة خرج، تبدو واشنطن وكأنها تسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الخليج، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على مستوى التحكم في معادلة الطاقة العالمية. كما أن أي تصعيد في المضيق قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية، ما يجعل الأزمة تتجاوز حدود التوتر الإقليمي لتلامس الاستقرار الاقتصادي العالمي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى