بقلم: ياسين سالم
اليوم رحل آخر جيران والدي، رحمه الله، فغُلّقت بذلك أبواب حارةٍ كانت ذات يومٍ عامرةً بالوجوه التي عرفناها، وبالأصوات التي ملأت أزقتها، وبالأمان الذي كان يحيط بنا ونحن صغار.
رحمهم الله جميعاً، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناته، وجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وجمعنا بهم في مستقر رحمته.
إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، وما نقول إلا ما يرضي ربّنا، وإنّا لفراقكم يا أهل الحارة لمحزونون.
فوالدي رحمه الله كان من أوائل من فارقوا تلك الحارة التي قضينا فيها شطراً من مراهقتنا ، ثم لحق به سالم المزهم رحمه الله، والد الإعلامي السعودي منصور المزهم، وظلّت السبحة تنفرط حبّةً حبّة، حتى انفرطت اليوم بفراق العم أبي هايس، والد الرسام السعودي المعروف هايس الشنّو، ولم يكن عمّاً لنا بالنسب، ولكنها كانت عادة الحارة، نُسمّي كبار السن العم فلان، تقديراً واحتراماً، حتى صار الكبير فينا أباً للجميع، فكان آخر عنقود تلك الحارة الطيبة التي خلت من ساكنيها الأصليين، وتغيّرت ملامحها، ولم يبقَ فيها من يعرف وجه الجار كما كان يعرفه بالأمس.
قابلت العم أبا هايس قبل ثلاث سنوات في إحدى المناسبات، فتبسّم لي مازحاً وقال: “أصبحتَ أكبر مني سنّاً”، مشيراً إلى الشيب الذي غزا شعر رأسي ووجهي. ابتسمتُ حينها، وابتسم هو فسلّمت عليه وقبّلت رأسه، غير أنّ تلك الابتسامة اليوم أصبحت ذكرى مؤلمة، تُذكّرني بأنّ الزمن لا يرحم أحداً، وأنّ من كنّا نظنّهم باقين ما هم إلا عابرون.
حارةٌ كان كل رجالها آباءنا
أكتب اليوم لا لأرثي رجلاً واحداً، بل لأرثي حارةً بأكملها، حارةً كان فيها الجار أباً، والعم ولي أمر.
كانت من أجمل ما رأت عيني. حارة رائعة بشبابها ورجالها وشيبها ونسائها. كنا نعتبر الجميع آباءنا وأعمامنا. كان كل “شياب” الحارة بمثابة ولي أمرنا، يأمر فيُطاع، ولو ضرب أحدنا لا يرد عليه أحد ولا يلتفت له، لأننا كنا نُؤدّب اليوم وننسى في الغد، والعصر نجتمع في ساحة الحارة نلعب وكأن شيئاً لم يكن. قلوب صافية لا تحمل حقداً ولا حسداً.
وصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” كانوا كذلك، يرثوننا ونرثهم في المحبة والمسؤولية.
أتذكر إذا حصلت مناسبة عند أحد الجيران، كان أغلب الأوقات مد الولائم في “الحوش” أو أمام البيت في الطريق او “براحة” المسجد الذي يتوسط حارتنا. فكنا نحن أبناء الحارة في سننا، نكون تحت أمر العم فلان صاحب الوليمة، نأتمر بأمره، نخدم الضيوف ونحمل الصحون، ولا نأكل حتى ينتهي الكبار من العشاء، ثم نجتمع نحن الصغار على صحن واحد. يتخلل ذلك همس ونكات وتهكم على فلان وفلان، ثم يضحك أحدنا بصوت عالٍ، فيرد عليه الآخر: اسكت لا يسمعنا عم فلان! فيرد أحد “الشيبان” من بعيد: يا ولد كلوا واشربوا بدون صوت!
وكان من تمام المروءة ما قاله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره”. وقد أكرمونا حتى ظننا بيوتهم بيوتنا.
وكانت سيدات الحارة – حفظ الله من بقي منهن ورحم من مات – إذا شاهدت إحداهن طفلاً يلعب بالسيكل قرب الشارع، أو يرفع صوته على أحد رفاقه، تعتبر نفسها مسؤولة عنه مباشرة، وتهدده بكلمة كانت تعد أقوى تهديد في ذلك الزمن: “أعلم أمك!” وهذه وحدها كفيلة بأن تجعل الولد يعود إلى رشده، لأنها إذا علمت والدته، أبلغت والده، وقد يحصل ما لا تحمد عقباه.
كان الكل يراقب، كانت هناك عملية تكافل عجيبة بالنصيحة والتأديب. الكل من الجيران موكّل من بعضهم، يتخذ القرار دون الرجوع لأحد. وإذا شكا أحد الآباء من تدخل جاره عندما يزجر ابنه، لامه كل الجيران وعاتبوه ونصحوه ألا يصدق ولده، لأن المراهقين غالباً ما يغيرون الرواية حتى يسلموا من العقوبة.
قاعدة الحارة الذهبية “حتى لو كنت بريئاً .. اهرب!”
والقصص كثيرة لا تنتهي، وكلها ممتعة رغم ضيق الحال وقلة الخدمات التي يحظى بها جيل اليوم. كنا نمشي للمدرسة قرابة 4 كيلومترات ذهاباً وإياباً على الأقدام، ومع ذلك نعود بكل نشاط نلعب ونركض ونخدم أهلنا.
أتذكر يوماً كنت عائداً من البقالة ومعي أحد أبناء الجيران، فشاهدنا ابناً آخر من أبناء الحارة – هو اليوم إعلامي كبير – يمتطي سيكله وهو أصغر منا سناً بكثير، مسرعاً، فانفلتت منه الفرامل وانحرفت دراجته فاصطدمت بباب بيتنا.
ركضنا عليه فوجدناه سليماً يتفقد دراجته. ومن قوة الاصطدام خرج أغلب الجيران يعتقدون أن حادثاً وقع في الشارع القريب، لأن حارتنا كانت تفتقد للشوارع المسفلتة. المهم أننا هربنا جميعاً، ولا أعلم لماذا هربنا!
كانت القاعدة الذهبية في الحارة تقول: “حتى لو كنت بريئاً، عليك أن تهرب”، لأنك ربما ستُضرب دون سؤال، أو ستُتهم أنك تلعب وتعبث. فالحل أن تهرب حتى يهدأ الجو.
ونحن نركض، قابلنا آخرين نعرفهم يركضون عكس اتجاهنا، والذي معي يقول لي: “هج ازبن!”. وصاحب السيكل ركض لبيتهم وأغلق الباب. فصرنا في حيرة مع الذين يركضون، نلحق بهم أم نكمل طريقنا! تبين لاحقاً أن أخاهم الكبير يلحق بهم لأنهم كانوا يلعبون بالكرة وكسروا “اللمبات”.
ضحكنا يومها كثيراً، واليوم نبكي على تلك الأيام.
يا أهل الحارة، ما أوجع فراقكم! لقد ذهبتم واحداً تلو الآخر، وتركتم حارتكم خالية منكم، وقلوبنا مثقلة بذكراكم. كنتم جيراناً صادقين، وآباءً طيبين، ووجوهاً مألوفة تضيء الطريق حين نعود. واليوم صرنا نمر بتلك الأزقة فنجدها غريبة، كأنها لم تكن يوماً لنا، وكأننا لم نكن يوماً منها.
اللهم ارحم من رحلوا من أهل تلك الحارة، واغفر لهم، وثبت أقدامهم، وأكرم نزلهم، واجعل قبورهم نوراً عليهم، واجمعنا بهم في جنة عرضها السماوات والأرض.
اللهم اجعل ما قدموه من تربية وحسن جوار شفيعاً لهم يوم يلقونك.
آه ، ما اصغر الدنيا ، وداعاً عمي أبو هايس.. وداعاً يا آخر العنقود.
وعظّم الله اجرك اخي هايس واحسن الله عزائك .






