عمران عبدالله – صحفي يمني
في كل مرة تفتح فيها الميليشيا الحوثية جبهة جديدة لا تتغير خريطة القتال وحدها تتغير معها خريطة حياة الناس يغادر الناس بيوتهم تتسع طرق النزوح تضيق المدن التي تستقبلهم وتدخل مجتمعات أخرى في مواجهة مع عبء لم تختره ولم تستعد له ثم تبدأ الحكاية المعروفة نازحون جدد احتياجات جديدة استجابة جديدة وتمويل جديد
لكن النزوح في اليمن لم يعد دائمًا رحلة واحدة من مكان الخطر إلى مكان الأمان فقد يجد الإنسان الذي خرج من بيته نفسه بعد فترة قصيرة مضطرًا إلى التحرك مرة أخرى لأن المكان الذي قصد إليه لا يملك ما يكفي ليستوعب موجة جديدة أو لأن تكاليف السكن والمعيشة والخدمات تصبح عبئًا لا تستطيع الأسرة احتماله أو لأن مساحة الأمان نفسها تضيق تحت ضغط موجات النزوح المتتالية
وهكذا تتحول الحرب إلى ماكينة لإنتاج أزمات متتالية كلما اتسعت جبهة اتسع معها الخلل في الأمن وكلما طال الصراع تآكلت البنى والخدمات وكلما خرج الناس من مكان وجدوا أنفسهم أمام هشاشة أخرى ومن هنا يأتي النزوح الثانوي حين يهرب الإنسان من الخطر فيجد أن المكان الذي قصده لا يملك دائمًا ما يكفي ليمنحه الاستقرار الذي خرج يبحث عنه
وهنا لا يعود السؤال فقط كم شخصًا نزح وكم خيمة نحتاج وكم شاحنة يمكن إرسالها هذه أسئلة ضرورية لكنها تأتي بعد سؤال أسبق منها لماذا يصبح إنتاج النزوح فعلًا متكررًا ثم يطلب من العمل الإنساني أن يتكفل كل مرة بتبعاته
نملك منظومة إنسانية تعمل ونملك منظمات تعرف كيف تستجيب ونملك خبرات تراكمت خلال سنوات الحرب لكننا نواجه أزمة تكبر أسرع من قدرة الاستجابة على الاحتمال الموارد تضيق الاحتياجات تتسع والجهات الإنسانية تجد نفسها في كل مرة مطالبة بأن تبدأ من جديد في اللحظة التي لم تكن قد فرغت فيها بعد من آثار الموجة السابقة
ومع كل موجة جديدة لا يدفع النازح وحده ثمن الحرب فالمجتمعات المضيفة تدفع أيضًا من مساكنها المحدودة ومن خدماتها ومن قدرتها على تحمل ارتفاع الطلب على الماء والغذاء والصحة والتعليم والعمل وهكذا يصبح النزوح أزمة تمتد من الأسرة التي تركت منزلها إلى القرية أو المدينة التي فتحت أبوابها لها ثم إلى النظام الإنساني نفسه الذي يجد أن موارده مطالبة باستيعاب أزمة أكبر من الخطة التي سبقتها
وهنا يصبح العمل الإنساني أمام مسؤولية تتجاوز مجرد الوصول إلى المتضررين
العمل الإنساني لا يملك أدوات السياسة ولا يفترض به أن يتحول إلى طرف في الصراع لكنه يملك شيئًا آخر القدرة على نقل ما يحدث للمدنيين من هامش المشهد إلى صلب النقاش الدولي وربط تكرار النزوح بما يسبقه من تصعيد ووضع كلفة الأزمة الإنسانية في مكانها الصحيح داخل أي نقاش سياسي أو أمني حول اليمن فالمساعدات تعالج الضرر حين يقع أما تقليل تكرار الضرر فيحتاج إلى أدوات أخرى تعمل بالتوازي
وهنا تقع مسؤولية الأمم المتحدة وشركائها الدوليين في أن تجعل ما تراه في الميدان جزءًا من الضغط السياسي والدبلوماسي لا أن يبقى محصورًا في نداءات التمويل كل موجة نزوح جديدة يجب أن تفتح معها سؤالًا عن الجهة التي صنعتها وعن البيئة التي سمحت بتكرارها وعن الأدوات التي يمكن أن تدفع الميليشيا الحوثية وإيران وأذرعها نحو خيارات سياسية توقف هذا العبث وتضع حدًا لدورة إنتاج الصراع والنزوح
فالمساعدات تستطيع أن تحمل شيئًا من العبء عن الناس لكنها لا تستطيع وحدها أن توقف اليد التي تدفعهم إلى الطريق
ومن هنا تصبح المبادرات الإضافية ذات قيمة أكبر فالمملكة تستطيع أن تكون قوة إسناد للنظام الإنساني عندما تتسع الأزمة أسرع من موارده وتستطيع عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وشراكاته مع المنظمات أن تضيف قدرة تمويلية وتوسع مساحة الاستجابة وتساند في الإيواء والحماية ودعم المجتمعات التي تستقبل موجات النزوح وهذه القدرة لا تحتاج إلى أن تحل محل الأمم المتحدة حتى تكون مؤثرة ولا تحتاج إلى أن تحمل وحدها عبء أزمة يصنعها الصراع بل أن تدخل في الوقت الذي تصبح فيه الموارد القائمة أضيق من الصدمة
وهذا النوع من الإسناد لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلًا عن النظام الإنساني القائم بل باعتباره توسيعًا لقدرة الاستجابة عندما تتجاوز الأزمة الحدود التي رسمت لها الخطط والموارد فالنازح الذي يصل اليوم لا ينتظر دورة تمويل جديدة كي يأكل ولا ينتظر اكتمال الترتيبات المؤسسية حتى يجد سقفًا يحمي أسرته ولا يستطيع المجتمع المضيف أن يؤجل احتياجاته حتى تصل الموارد
لكن المال وحده لا يغلق الطريق الذي يفتح منه النزوح كل مرة تبقى هناك مسؤولية دولية أوسع في التعامل مع الميليشيا الحوثية والمدى الإقليمي الذي تستند إليه وفي التعامل مع دور إيران وأذرعها بوصفه جزءًا من البيئة التي تساعد على استمرار الصراع وفي دفع الأطراف نحو مسار سياسي يوقف القتال ويقلل من قدرة الحرب على إنتاج موجات جديدة من النزوح والانهيار
فاحتواء النزوح لا يبدأ عند الخيمة فقط يبدأ قبلها عند السؤال عن الحرب التي صنعت الطريق إليها والاستجابة لا تنتهي عند توزيع المساعدات بل يجب أن تمتد إلى التفكير في كيفية تقليل الحاجة إلى هذه المساعدات في المرة التالية وكلما اتسعت قدرة الإسناد الإنساني وجب أن تتسع معها إرادة الاحتواء وإلا سنظل ننجح في إنقاذ الناس لحظة ونفشل في تقليل عدد اللحظات التي يحتاجون فيها إلى الإنقاذ
اليمن لا يحتاج إلى قدرة أكبر على احتمال الحرب فقط يحتاج إلى أن تتجمع حول أزمته قدرة إنسانية تحمي الناس وقدرة سياسية تضغط من أجل خفض أسباب النزوح ومسار دبلوماسي يدفع نحو تسوية تقلل مساحة الصراع وأدوات أمنية ودولية تتعامل مع استمرار التهديدات بما يتناسب مع آثارها على المدنيين يحتاج إلى من يرمم ما تهدم وإلى من يعمل في الوقت نفسه على ألا يستمر الهدم
عندما تتحرك الميليشيا الحوثية لتفتح جبهة جديدة يجب ألا تكون الاستجابة الإنسانية هي الحركة الدولية الوحيدة التي تبدأ يجب أن تتحرك معها السياسة والدبلوماسية وسائر الأدوات الدولية المشروعة حتى يصبح وقف إنتاج الأزمة جزءًا من الاستجابة لها وحتى لا يبقى اليمنيون يدفعون ثمن حرب تفتح جبهة ثم تترك للعالم مهمة جمع المال لإنقاذ من خلفتها
وفي هذه الدائرة يدفع اليمنيون من بيوتهم وأمنهم وحياتهم وتدفع المجتمعات المضيفة من مواردها المحدودة وتدفع الجهات الإنسانية من قدرتها ومواردها وتدفع المملكة من مواردها حين تتدخل لتوسيع مساحة الاستجابة الإنسانية في اليمن بوصفها مساندا إنسانيا يخفف شيئاً من عبء الأزمة بينما يبقى الثمن الذي يفترض أن تدفعه السياسة الدولية وضغطها على ايران واذرعها للوصول إلى سلام يوقف إنتاج الصراع والهشاشة أقل حضورا من ثمن الحرب نفسه
وهنا تصبح المفارقة أوضح من كل أرقام النزوح وحجم المساعدات فنحن نعرف من يدفع كلفة الحرب ونرى كل يوم من يدفع كلفة إنقاذ من خلفتها لكن السؤال الذي يبقى معلقا هو من يدفع كلفة الوصول إلى السلام حينما لايتحمل المجتمع الدولي دفع هذه الكلفة
حين تدفع الإنسانية ثمن الحرب فهل تدفع السياسة ثمن السلام





