منقول/
من بعد زواج متعة ثلاثي الأضلاع دام ٤٦ سنة وقع خلاف لم تحسب له طهران حساب خط الرجعة ،
كان حلف الغدر : ( إيران وإسرائيل وأمريكا ) ، ثلاثيٌّ يتقن الخيانة ، ويتقاسم النفوذ على دماء المنطقة ،
في عام 2007 ، صدر كتاب بالغ الأهمية للباحث الأمريكي من أصل إيراني تريتا بارسي بعنوان :
“Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States”
ترجمته الدقيقة ( التحالف الغادر ) الصفقات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة ،
بارسي ليس مجرد باحث أكاديمي ، بل كان مستشاراً في السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ، كما أنه مؤسس ومدير المجلس الوطني الإيراني الأمريكي ( NIAC ) ، وقد استند في كتابه إلى أكثر من 130 مقابلة شخصية مع مسؤولين سياسيين وأمنيين من الأطراف الثلاثة ، إضافة إلى وثائق دبلوماسية وسجلات رسمية لم تُنشر سابقاً ،
العدو الظاهر والحليف الخفي :
يرى بارسي أن العلاقة بين إيران وإسرائيل لم تكن يوماً علاقة عداء مطلق ، كما يُروَّج لها في الإعلام ، بل علاقة قائمة على ( الندية الحذرة والمصالح المشتركة ) ، فخلال الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات ، كانت إسرائيل هي المزود الأكبر لطهران بالسلاح ، رغم أن الخطاب الإيراني في العلن كان يصِف إسرائيل بـ( الشيطان الأصغر ) ، بل وثّق الكتاب أن 80٪ من الأسلحة التي استخدمتها إيران في الحرب تمّ الحصول عليها عبر إسرائيل ، بتنسيق أمريكي مباشر ، فيما عُرف لاحقًا بفضيحة :
( إيران – كونترا ) ، ليس ذلك فحسب ، بل يشير الكتاب إلى أن إيران في بداية الثمانينيات عرضت على إسرائيل استخدام مطاراتها ( وتحديداً في طَبَريز ) في حال قررت شنّ غارات جوية على المفاعل النووي العراقي ، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة العملية ، وإن كانت تُغلّف بالعداء الظاهري ،
قواسم طائفية ونفس سياسي مشترك !
يشير بارسي بوضوح إلى أن إيران وإسرائيل كيانان طائفيان وأقليّان في البنية الثقافية والسياسية للمنطقة ، ويشتركان في هاجس واحد :
تفكيك البنية السنية العربية التي كانت دوماً مركز ثقل الإسلام السياسي والحضاري ،
فالصهيونية والصفوية كلاهما يعاديان الإرث العربي الإسلامي ، وكلاهما يعيد قراءة الفتح الإسلامي بوصفه ( خطأً استراتيجياً ) ينبغي تصحيحه ، ولو بعد قرون ، بوسائل جديدة :
الدولار ، الميليشيات ، العقوبات ، والصفقات الخلفية ،
ولهذا فإن العدو الحقيقي بالنسبة لهذين الكيانين ليس بعضهما ، بل المشرق العربي في هويته السنية ، وهو ما يفسّر الحروب التي أشعلتها إيران في العراق ، وسوريا ، ولبنان ، واليمن ، بدعم ضمني أمريكي إسرائيلي في بعض المراحل ،
ليس عداء بل غدر مؤقت :
حين تُطلق إيران صواريخ على إسرائيل ، لا يُنظر إلى ذلك داخل دوائر القرار باعتباره إعلان حرب وجودية ، بل يُقرأ على أنه ( رسالة تفاوضية خشنة ) ،
وهذا ما يفسّر أن المواجهات بين حزب الله وإسرائيل مثلاً لم تتجاوز حدود ( الضربات الظرفية ) ، وأن التفاهمات بين الطرفين كانت دوماً أسرع من نار القذائف ، فكلّما انسدّت قنوات التفاوض ، اشتعلت الجبهات ، وحين يُعاد فتح القنوات ، يعود الهدوء ولو مؤقتاً ، فالخريطة ليست ثنائية ( عدو – صديق ) ، بل مثلثة الأضلاع : كل طرف يرى الآخر نِدّاً وشريكاً مؤقتاً أو دائماً في إقتسام الكعكة ،
الغاية المشتركة : تصحيح التاريخ وإعادة تشكيل المنطقة ،
يرى بارسي بوضوح شديد ، أن كلًّا من إيران وإسرائيل تسعيان بطرق مختلفة إلى تصحيح ما تعتبرانه ( خللاً تاريخياً ) وقع في القرن السابع الميلادي ، حين زحف العرب من صحرائهم ، وأسقطوا عرش كسرى وقيصر ، وأقاموا حضارة جديدة نقلت البشرية من عبادة البشر إلى عبادة الله ،
هذا ( الخلل ) حسب المنظور الصهيوني والصفوي ، يجب أن يُصحّح ، لا بالسيوف كما كان في السابق ، بل بالتحالفات الدولية ، وتفكيك الجيوش العربية ، وتحويل الشعوب إلى شعوب خائفة تبحث عن الخبز لا الكرامة ، وعن الكهرباء لا السيادة ،
الخلاصة :
العداء بين إيران وإسرائيل ليس حقيقياً ، بل غطاء لحلف مصلحي غادر ، يديره الأمريكي ويتقنه الطرفان ،
فالخلاف بينهما ليس على المبادئ ، بل على الحصص ، والمشكلة ليست في سقوط صاروخ هنا أو هناك ، بل في سقوط البوصلة لدى من ظنّ أن ما يجري هو حرب ( حق وباطل ) ، بينما هو في حقيقته مجرد لعبة مصالح لا مكان فيها للصدق ولا للوفاء ،
لا تصدّقوا المسرح ، فالمشهد أعمق من الدخان ، والعدوّ لا يرسل السلاح لحليفه وقت الحرب ، ثم يعاديه في نشرات الأخبار .
•( مجتزأ من كتاب حلف الغدر ).
الحقيقة كما هي !؟
القاهرة / سامي العثمان

