عاجلمقالات

العرب أمام لحظة الحقيقة من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل

بقلم: الدكتور موسى أباظة التميمي

لم تعد المنطقة العربية تعيش أمام أزمات منفصلة يمكن التعامل معها كل أزمة على حدة، بل أمام مشهد استراتيجي متداخل تتقاطع فيه المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية ومعركة النفوذ على مصادر الطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

وهنا تبرز الحقيقة الأهم التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً:

العالم لا ينتظر العرب حتى يقرروا ماذا يريدون من المستقبل، وإنما يصنع المستقبل وفقاً لموازين القوة والمصلحة والقدرة على حماية القرار الوطني.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأمن العربي لم يعد مفهوماً عسكرياً بالمعنى التقليدي وحده. فالأمن اليوم يبدأ من أمن الدولة وينتقل إلى أمن الاقتصاد والطاقة والمعلومات والتكنولوجيا والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد وصولاً إلى أمن الوعي الوطني.

ومن هنا فإن حماية الخليج العربي ليست قضية تخص دول الخليج وحدها، بل قضية تتصل باستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

فمضيق هرمز على سبيل المثال ليس مجرد ممر مائي، بل شريان استراتيجي للطاقة والتجارة الدولية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة مدى حساسية هذا الممر أمام أي تصعيد عسكري أو اضطراب أمني

لكن الأخطر من الصراع العسكري المباشر هو أن تتحول المنطقة العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى

وهنا يجب أن يكون الموقف العربي واضحاً

العرب ليسوا ورقة في لعبة الأمم

ولا يجوز أن تتحول دولنا إلى ساحات اختبار للأسلحة أو إلى خطوط تماس بين مشاريع إقليمية ودولية متنافسة

لقد تغيرت طبيعة الحروب

لم تعد الحرب تبدأ بالمدافع والطائرات فقط، بل قد تبدأ بشائعة أو هجوم إلكتروني أو تعطيل منشأة أو استهداف شبكة طاقة أو اختراق منظومة معلومات أو التحكم في سلسلة توريد استراتيجية

والطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى خير مثال على هذا التحول إذ كشفت تقارير حديثة عن اعتماد برامج الطائرات المسيّرة الإيرانية على مكونات صينية وعن شبكات توريد دولية تستطيع نقل تقنيات ومكونات ذات استخدامات عسكرية عبر شركات وواجهات تجارية متعددة

وهذا يقودنا إلى سؤال عربي أكبر من كل تفاصيل الصراعات الحالية

متى ينتقل العالم العربي من رد الفعل إلى صناعة الفعل؟

إن القوة العربية الحقيقية لا تختصر في امتلاك السلاح رغم أهمية القوة العسكرية في حماية الدول وسيادتها وإنما تقوم على منظومة متكاملة من القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والإعلامية والدبلوماسية

لقد أثبتت التجارب أن الدولة التي تمتلك اقتصاداً قوياً وتكنولوجيا متقدمة ومؤسسات مستقرة وجيشاً محترفاً وسياسة خارجية متوازنة وإعلاماً مسؤولاً تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها في عالم شديد التعقيد

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية عربية جديدة للأمن القومي تقوم على التعاون وتبادل المعلومات وتطوير الصناعات الدفاعية وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية وبناء جيش عربي قوي موحد والاستثمار في الإنسان العربي قبل أي شيء آخر

كما تحتاج إلى إعلام عربي يرتقي إلى مستوى المرحلة

فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار في أوقات الأزمات بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني

والإعلام المهني لا يزرع الخوف ولا يبيع الوهم ولا يحول كل حادثة إلى مؤامرة وإنما يبحث عن المعلومة الموثوقة ويفصل بين الحقيقة والتحليل والادعاء ويضع المواطن أمام صورة واضحة يستطيع من خلالها فهم ما يجري من احداث

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في منطقتنا ليس أن نختلف في تفسير حدث سياسي وإنما أن نفقد القدرة على التمييز بين المعلومة والدعاية وبين التحليل والاتهام وبين المصلحة الوطنية والانفعال اللحظي

ومن هنا فإن مسؤولية النخب العربية السياسية والإعلامية والثقافية أصبحت أكبر من أي وقت مضى واقترح عمل مؤتمر صحافي وإعلامي تحت رعاية سمو الأمير المفدى محمد بن سلمان آل سعود سلمه الله وبحضور الدكتور / موسى اباظة التميمي الامين العام للإعلاميين العرب في أوروبا ونائب الامين العام سعادة سامي العثمان الإعلامي السعودي القدير للإشراف على هذا المؤتمر لتوحيد الجهود العربية والدولية إعلامياً

نحن أمام عالم يتغير بسرعة

تحالفات تتبدل

اقتصادات تعيد حساباتها

تكنولوجيا عسكرية تتطور

وممرات تجارية وطاقة أصبحت جزءاً من معادلات الأمن الدولي

وفي ظل هذه التحولات لا يكفي أن نسأل من يقف مع من؟

بل يجب أن نسأل السؤال الأهم

أين يقف القرار العربي؟

وأين هي المصالح العربية في هذه التحولات؟

واين جيش عربي موحد قوى يدافع عن امننا العربي

وكيف نضمن ألا يدفع المواطن العربي ثمن صراعات لا علاقة له بصناعتها؟

إنني أؤمن بأن العالم العربي يمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية والجغرافية والتاريخية ما يجعله قادراً على بناء منظومة إقليمية قوية تحمي أمنه وتصون سيادته وتحفظ مصالح شعوبه

لكن ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية واعية وإلى تعاون عربي حقيقي يتجاوز ردود الفعل الموسمية

إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة الخوف من المستقبل بل مرحلة الاستعداد له

وليست مرحلة البحث عن قوة تحمينا من الآخرين وإنما مرحلة بناء قوة تجعل قرارنا أكثر استقلالاً وقدرتنا على حماية أوطاننا أكثر رسوخاً

العرب أمام لحظة تاريخية حقيقية

إما أن نبقى نراقب العالم وهو يرسم خرائط النفوذ من حولنا وإما أن نكون شركاء في رسم مستقبل منطقتنا العربية والإسلامية

والتاريخ لا يحترم الشعوب التي تنتظر أن يقرر الآخرون مصيرها

بل يحترم الشعوب التي تمتلك الوعي والإرادة والقدرة على صناعة مستقبلها

اللهم احفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها الرشيدة وشعبها الابي العزيز بعينك التي لا تنام يارب العالمين

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى