عاجلمقالات
أخر الأخبار

حين تصبح التنمية مشروعاً لاستعادة الدولة

عمران عبدالله / كاتب يمني 

لا أسوأ من الحروب إلا الاعتياد عليها.

فهي لا تكتفي بما تخلفه من خراب وما تهدمه من طرق ومبان ومؤسسات بل تمتد إلى ما هو أخطر

إلى طريقة تفكير الناس أنفسهم ومع الزمن يعتاد المجتمع إدارة أزماته أكثر مما يعتاد صناعة مستقبله ويصبح البحث عن النجاة اليومية أولوية تتراجع أمامها الأسئلة الكبرى المتعلقة بالبناء والنهوض واستعادة العافية

ولسنوات طويلة ارتبط اسم اليمن بالإغاثة والاحتياج والطوارئ وكان ذلك أمرا مفهوما في بلد أثقلته الصراعات وأرهقته الانقسامات وأضعفت مؤسساته بسبب حرب شنتها جماعات متطرفة جنوبا وشمالا غير أن المشكلة لا تبدأ حين يحتاج الناس إلى المساعدة بل حين يصبح الاحتياج قدرا دائما وحين تتحول الاستجابة الطارئة من جسر للعبور إلى إقامة طويلة داخل الأزمة

فالإغاثة ضرورة أخلاقية وإنسانية لا غنى عنها لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني وطنا هي تحفظ الحياة أما التنمية فتعيد تشكيل شروطها الإغاثة تمنع السقوط والانهيار المبكر أما التنمية فتمكن من الوقوف من جديد وبين الإغاثة والتنمية ثمة خيط رفيع يتمحور حوله عزيمة وإرادة وأشقاء مخلصون ودعم غير منقطع النظير

ولهذا لا يبدو السؤال الحقيقي في اليمن اليوم متعلقا بحجم ما قدم من مساعدات بقدر ما يتعلق بطبيعة الأثر الذي تتركه فالقضية ليست كم أنفقنا بل ماذا بنينا وليست كم وزعنا بل ماذا استعدنا من قدرة المجتمع والدولة على العمل والاستمرار

ومن هنا تكتسب التجارب التنموية قيمتها الحقيقية فقيمة المدرسة ليست في جدرانها بل في الإنسان الذي تمنحه فرصة أوسع للحياة وقيمة المستشفى ليست في مبناه بل في الطمأنينة التي يعيدها إلى الناس كما أن قيمة دعم المؤسسات لا تكمن في استمرارها الإداري فحسب بل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وهي الثقة التي كثيرا ما تكون أول ضحايا الحروب وآخر ما تستعيده المجتمعات الخارجة منها

وفي هذا السياق يمكن فهم جانب مهم من الدعم الذي قدمته المملكة العربية السعودية لليمن خلال السنوات الماضية فالأهمية لا تكمن في ضخامته وحدها رغم أنه يعد من أكبر برامج الدعم الإنساني والتنموي المقدمة لليمن بل في مسار التحول الذي رافقه من الاستجابة للاحتياجات العاجلة إلى الإسهام في بناء مقومات الاستقرار والتنمية وتعزيز قدرة المؤسسات والمجتمعات على النهوض

ذلك أن قيمة العطاء لا تقاس فقط بما يقدمه اليوم بل بقدرته على تقليل الحاجة إليه غدا وهذه هي الفلسفة التي تجعل التنمية أكثر من مشروع خدمي وتجعل دعم التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية وتمكين الشباب استثمارا في المستقبل لا مجرد معالجة للحاضر

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن السلام لا يبدأ عند توقيع الاتفاقات فقط بل يبدأ حين يشعر الناس أن لديهم ما يستحق التخطيط له وما يستحق البقاء من أجله وما يمنح أبناءهم فرصة لأن يحلموا بحياة أفضل من حياة آبائهم

ولهذا لم تعد التنمية في اليمن بندا مكملا في برامج التعافي بل أصبحت في جوهرها جزءا من مشروع أكبر مشروع استعادة الدولة نفسها

فالأوطان لا تستعاد بالشعارات كما أنها لا تنهض بالمساعدات وحدها وما لم تتحول المساندة إلى قدرة والعون إلى مؤسسة والاحتياج إلى فرصة فإن الأزمات تظل قادرة على العودة بأسماء مختلفة ووجوه جديدة

ومن هنا تكتسب المقاربات التنموية أهميتها الحقيقية لأنها لا تكتفي بمداواة آثار الأزمة بل تعمل على ترميم العناصر التي تقوم عليها الدولة في الأصل الإنسان والمؤسسة والخدمة العامة والثقة بالمستقبل وترميم يمنيتنا الشاملة من البنيان إلى الإنسان

وفي هذا المعنى تحديدا يمكن قراءة جانب مهم من الدور الذي اضطلعت به المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية ليس فقط بوصفها مانحا قدم دعما سخيا في لحظة حرجة بل بوصفها شريكا راهن على قدرة اليمنيين على النهوض وسعى إلى أن يكون الدعم جسرا نحو التعافي والتعافي طريقا إلى التنمية والتنمية مدخلا إلى الاستقرار

فالدولة لا تعود دفعة واحدة بل تعود مدرسة تستأنف رسالتها ومستشفى يستعيد دوره ومؤسسة تؤدي واجبها ومرتبات يعتاش الناس عليها وطاقة يعيشون معها وشابا يجد مكانه في الحياة بدلا من أن يبحث عنه خارج وطنه

وحين تصبح التنمية مشروعا لاستعادة الدولة فإن ما يبنى لا يقتصر على الطرق والمباني والخدمات بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك كله استعادة الثقة بأن هذا الوطن مهما أثقلته الحروب ما زال قادرا على النهوض من بين أنقاضه وصناعة مستقبله بيديه ودعم الشقيقة .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى