عاجلمقالات
أخر الأخبار

الشراكة الاستراتيجية بين السودان والسعودية… مشروع للمستقبل لا اتفاق للماضي

بقلم / عاطف محمد ود القوس

تختلف الشراكات الاستراتيجية عن العلاقات التقليدية بين الدول؛ فهي لا تقوم على المجاملات السياسية أو البيانات الدبلوماسية، وإنما تُبنى على المصالح المشتركة، والتكامل الاقتصادي، والرؤية بعيدة المدى.

ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة الاستراتيجية بين جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية تمثل فرصة تاريخية تستحق أن تُدار بعقلية المشاريع الكبرى، لا بعقلية الاتفاقيات الموسمية.

السودان اليوم بحاجة إلى إعادة بناء اقتصاده ومؤسساته، واستعادة قدرته على الإنتاج وجذب الاستثمار، بينما تمضي المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة في تنفيذ رؤية 2030، التي تستهدف تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير الصناعة، والتقنية، والخدمات، وبناء شراكات دولية واسعة.

إن الحديث عن هذه الشراكة يجب ألا يقتصر على التعاون السياسي، بل ينبغي أن يمتد إلى ملفات الزراعة، والطاقة، والتعدين، والصناعة، والصحة، والتعليم، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، والبنية التحتية، والنقل، والموانئ، والأمن الغذائي، والأمن البحري.

في الزراعة، يمتلك السودان ملايين الأفدنة الصالحة للإنتاج، وموارد مائية كبيرة، بينما تمتلك المملكة الخبرة الاستثمارية، والتقنيات الزراعية الحديثة، ورؤية واضحة لتعزيز الأمن الغذائي.

وفي الطاقة، يحتاج السودان إلى تطوير بنيته الكهربائية وتحديثها، في حين راكمت المملكة خبرات واسعة في إدارة مشاريع الطاقة والبنية التحتية ضمن برامج التحول الوطني.

وفي التعليم والبحث العلمي، يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث في البلدين أن تؤسس لشراكات تركز على الابتكار، ونقل المعرفة، وتأهيل الكوادر، وهو استثمار لا تقل أهميته عن الاستثمار في الطرق أو المصانع.

أما البحر الأحمر، فهو مساحة مشتركة للمصالح الاقتصادية والأمنية، ما يجعل التنسيق بين البلدين عنصرًا مهمًا في حماية الملاحة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، خاصة مع تنامي أهمية هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.

إن السودان لا يحتاج إلى شراكة تقوم على المنح، بل إلى شراكة تقوم على الإنتاج والاستثمار ونقل الخبرة وبناء المؤسسات. كما أن المملكة لا تبحث عن علاقات شكلية، وإنما عن شركاء يمتلكون مقومات النجاح والاستقرار.

نجاح هذه الشراكة لن يُقاس بعدد مذكرات التفاهم، وإنما بعدد المشروعات التي تُنفذ على الأرض، والوظائف التي تُخلق، والمصانع التي تعمل، والمزارع التي تنتج، والجامعات التي تتبادل المعرفة، والبنية التحتية التي تُبنى.

إن العلاقات السودانية السعودية تمتلك من الروابط التاريخية والإنسانية والاقتصادية ما يؤهلها للانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا وتأثيرًا. ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل الإرادة السياسية إلى برامج عملية تعود بالنفع على الشعبين، وتؤسس لشراكة تجعل من التنمية والاستقرار عنوانًا للمرحلة المقبلة.

فالشراكات الناجحة لا تُصنع بالخطابات، وإنما تُصنع بالإرادة، والرؤية، والعمل المشترك.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى