عاجلمقالات رئيس التحرير

عظم اجركم في الجامعة العربية والمنظمات الإسلامية !

القاهرة / سامي العثمان

لم تعد الجامعة العربية، في نظر قطاعات واسعة من الشارع العربي، ذلك الإطار الذي يُعوَّل عليه لحماية المصالح المشتركة وصيانة الأمن القومي العربي، بل أصبحت صورتها مرتبطة باجتماعات متكررة وبيانات محفوظة وقرارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، بينما تتوالى الأزمات على الدول العربية، وتتسع دائرة الأخطار، وتزداد التدخلات الخارجية في شئون المنطقة. وأمام هذا المشهد، يصبح السؤال مشروعًا ومُلِحًّا: ما جدوى مؤسسة عربية أُنشئت لتوحيد المواقف إذا كانت عاجزة عن تحويل هذا الهدف إلى قوة سياسية مؤثرة؟ وما قيمة اتفاقيات الدفاع المشترك إذا ظل المواطن العربي يرى المسافات تتسع بين الكلمات المنمقة والواقع القاسي؟ إن المشكلة ليست في اسم الجامعة العربية، ولا في المبنى الذي تحتله، ولا في عدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما في جوهر الدور الذي تؤديه، وفي قدرتها على إثبات أنها ضرورة حقيقية للأمة، وليست عبئًا إداريًّا يستهلك موارد الشعوب دون أن يمنحها ما يكفي من الأمن أو التضامن أو الأمل.

لقد بلغ الإحباط من أداء الجامعة العربية حدًّا يدفع إلى التساؤل عن جدوى استمرارها بالصورة التي نعرفها. فالعالم العربي يواجه أزمات متشابكة، من فلسطين إلى اليمن، ومن تهديدات أمن الخليج إلى اضطراب الممرات البحرية، ومن النزاعات الداخلية إلى الصراع على النفوذ والثروات، ومع ذلك لا يشعر المواطن العربي بأن هناك مظلة عربية موحدة قادرة على إدارة هذه التحديات بفاعلية. وإذا كانت الجامعة قد أُنشئت لتقريب المواقف وتنسيق السياسات وحماية المصالح المشتركة، فإن من حقنا جميعًا أن نسأل عن حصيلة هذا الدور، وأن نطالب بمراجعة شاملة لأدائها، وأن نرفض استمرار الاكتفاء بالبيانات التي لا توقف حربًا ولا تردع اعتداءً ولا تضمن تنفيذ قرار. إن المؤسسات لا تكتسب شرعيتها من تاريخ تأسيسها وحده، وإنما من قدرتها على أداء رسالتها، وكلما اتسعت الفجوة بين الرسالة والنتائج، ازدادت الحاجة إلى المحاسبة والإصلاح.

والأشد إيلامًا أن مفهوم التضامن العربي بات، في نظر المنتقدين، أقرب إلى العبارة التي تتكرر في المناسبات منها إلى منظومة عمل متكاملة تظهر عند الشدائد. فحين تتعرض دولة عربية لأزمة أمنية أو اقتصادية أو سياسية، ينتظر المواطن أن يرى تحركًا جماعيًّا واضحًا، وأن يسمع موقفًا لا يكتفي بوصف القلق، بل يحدد المسئوليات والوسائل والنتائج المطلوبة. أما أن تتحول المواقف إلى بيانات عامة، وأن تبقى القرارات رهينة اختلاف الحسابات بين العواصم، فذلك يعني أن الخلل لم يعد عابرًا، بل أصبح مرتبطًا بطريقة إدارة العمل العربي المشترك نفسها. وليس المطلوب أن تتطابق جميع الدول في كل قضية، فاختلاف المصالح أمر طبيعي، لكن المطلوب أن تتفق على حد أدنى من الثوابت التي لا يجوز التفريط فيها، وفي مقدمتها حماية سيادة الدول، ورفض الاعتداءات، وصيانة الأمن الإقليمي، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ومنع الصراعات من التحول إلى أدوات لتفكيك المنطقة واستنزاف شعوبها.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى مراجعة الجامعة العربية ليست ترفًا فكريًّا ولا مجرد غضب عابر، بل هي مطالبة بتحديد مصير مؤسسة يُفترض أن تمثل مصالح مئات الملايين من العرب. فإذا كانت بنيتها الحالية لا تسمح لها باتخاذ قرارات فعالة، فلتُراجع هذه البنية. وإذا كانت آلياتها عاجزة عن التنفيذ، فلتُطوَّر هذه الآليات. وإذا كانت الخلافات السياسية تشلّ عملها، فلتُبحث الصيغ التي تمنع الخلاف من تعطيل كل جهد مشترك. أما استمرار الوضع القائم من دون تقديم إجابات مقنعة أو نتائج ملموسة، فإنه لا يعالج أزمة الثقة، بل يفاقمها. ولا يمكن لمؤسسة أن تطالب أحدًا باحترام دورها فيما هي لا تقدم ما يكفي من الأدلة العملية على أهمية هذا الدور. فالجامعة العربية أمام امتحان حقيقي: إما أن تثبت قدرتها على التجدد واستعادة الفاعلية، وإما أن تظل عرضة للسؤال عن جدوى استمرارها بالصورة التي أصبحت موضع انتقاد واسع.

وفي قلب هذه الأزمة تبرز سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط، وما يرتبط بها من توظيف للأزمات الإقليمية والضغوط الأمنية لخدمة أهداف سياسية تتصل بإعادة ترتيب العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل. بين السعي لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية، والمقايضات السياسية التي تجعل أمن الدول ومصالحها ورقة ضغط في مفاوضات تخدم أولويات واشنطن وتل أبيب. وعندما تصبح ملفات الأمن والتسليح والتعاون الاقتصادي مرتبطة بمطالب سياسية محددة، فمن حق الدول العربية أن تتساءل عما إذا كانت هذه الشراكات تقوم على احترام استقلال قرارها، أم على محاولة دفعها إلى خيارات لا تتوافق بالضرورة مع ثوابتها الوطنية والقومية.

إن السياسة الأمريكية في المنطقة لا يجوز التعامل معها باعتبارها عملًا خيريًّا منزّهًا عن المصالح، ولا باعتبارها التزامًا تلقائيًّا بالدفاع عن كل حليف في كل الظروف. فالدول الكبرى تتحرك وفق حساباتها، وتعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير مصالحها، وقد تتباين تصريحاتها العلنية مع ما تفعله على أرض الواقع. ولذلك، فإن الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية من دون امتلاك بدائل وطنية وإقليمية يضع أي دولة أمام مخاطر سياسية واستراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن انتقاد سياسة ترامب يرفض تحويل العلاقات الثنائية إلى وسيلة لفرض تنازلات، ورفض التعامل مع أمن السعودية بوصفه ملفًّا يمكن استخدامه للضغط عليها كي تغيّر موقفها من القضية الفلسطينية أو تنضم إلى ترتيبات إقليمية دون استيفاء شروطها السياسية.

وتزداد حساسية هذه المسألة حين يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية، التي تحتل مكانة بارزة في العالمين العربي والإسلامي، وتمتلك مصالح استراتيجية واقتصادية لا يمكن فصلها عن أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية المحيطة بالمنطقة. فاستقرار المملكة ليس تفصيلًا عابرًا في معادلة الشرق الأوسط، بل هو جزء من منظومة أوسع ترتبط بأمن الطاقة والتجارة والاستثمار وحركة الملاحة. ومن ثم، فإن أي تصعيد يستهدف الأراضي السعودية أو منشآتها الحيوية أو أمن مواطنيها يستدعي موقفًا عربيًّا مسئولا يرفض تعريض أمن المنطقة للمساومة أو تحويل الأزمات إلى وسيلة لانتزاع تنازلات سياسية.

وفي هذا الإطار، يبرز الملف اليمني في صلب الضغوط التي تواجه السعودية. فالهجمات التي تنفذها جماعة الحوثيين، وما يرتبط بها من تهديدات لأمن المملكة والممرات البحرية والمنشآت الحيوية، تطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الصراع، وحدود المسئوليات الإقليمية والدولية، وطبيعة المواقف التي تتخذها القوى الكبرى عند اشتداد التهديدات. كما أن ارتباط الحوثيين بإيران، وما تقدمه طهران من دعم للجماعة وفق ما تشير إليه تقارير دولية، يجعل أمن اليمن جزءًا من ملف أوسع يتعلق بالنفوذ الإقليمي وتداعياته على دول الجوار. إن ترك التهديدات الأمنية تتكرر من دون ردع يبعث برسالة سلبية مفادها أن أمن الدول قد يصبح خاضعًا لحسابات سياسية متغيرة، ويتيح استمرار الضغط على المملكة التي ترفض التطبيع مع إسرائيل.

ومن هنا تنبع حدة الانتقاد الموجه إلى إدارة ترامب؛ إذ لا ينبغي لواشنطن أن تتعامل مع أمن السعودية باعتباره أداة تفاوض، أو أن تربط معالجة الأخطار التي تواجهها المملكة بقبولها ترتيبات سياسية لا توافق عليها. وإذا كانت الولايات المتحدة تتحدث عن الشراكة والاستقرار، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الشعارات يكمن في وضوح المواقف، واحترام سيادة الدول، والتعامل مع التهديدات الأمنية وفق معايير ثابتة، لا وفق ما تحققه من مكاسب سياسية في ملفات أخرى. ومن حق السعودية أن تطالب بموقف أمريكي واضح، وأن تنتقد أي سياسة تراها متساهلة مع مصادر التهديد، وألا تترك أمنها عرضة للشكوك بشأن جدية الشراكة الأمنية.

ولا ينبغي أن تتحول هذه القضية إلى نقاش ضيق حول موقف أمريكي بعينه، لأن جوهرها أوسع من ذلك؛ إنها تتعلق بحق السعودية في اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن الضغوط، وبحق دول المنطقة في ألا تُستخدم أزماتها وسيلة لإعادة تشكيل التحالفات السياسية على حساب القضية الفلسطينية. فإذا كانت هناك رغبة أمريكية في توسيع الاتفاقات الإبراهيمية، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر استغلال التهديدات أو تقديم التعاون الأمني باعتباره ثمنًا مطلوبًا لموقف سياسي محدد. فالشراكة الحقيقية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، لا على الإكراه، كما أن السلام المستدام لا يُبنى على تجاهل جذور الصراع أو تأجيل الحقوق الفلسطينية إلى أجل غير معلوم.

وهنا تتجلى أهمية الموقف السعودي من التطبيع مع إسرائيل. فالسعودية لا تجعل العلاقات الدبلوماسية غاية منفصلة عن مستقبل القضية الفلسطينية، وإنما تربط أي مسار نحو الاعتراف بإسرائيل بوجود طريق جاد وموثوق إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وتحقيق حل الدولتين. وهذا الموقف يضع القضية الفلسطينية في قلب الحسابات السياسية، ويرفض التعامل معها باعتبارها ملفًّا ثانويًّا يمكن تجاوزه مقابل مكاسب اقتصادية أو تفاهمات أمنية أو وعود دبلوماسية.

إن الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية ليس قرارًا بروتوكوليًّا بسيطًا، بل خطوة ذات أبعاد سياسية واستراتيجية وشعبية عميقة، ولذلك فمن حق السعودية أن تحدد شروطها وفق رؤيتها لمسئولياتها. ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يفرض عليها توقيتًا بعينه أو أن يختزل خياراتها في معادلة تقوم على تقديم تنازلات فلسطينية مقابل امتيازات ثنائية. فالمملكة دولة ذات سيادة، ولها أن تقرر متى وكيف تدخل أي اتفاق، وما الشروط التي تراها ضرورية، وما الضمانات التي تطلبها لتحقيق سلام حقيقي. ومن ثَم، فإن الضغط عليها لتغيير موقفها قبل معالجة أصل النزاع لا يمثل طريقًا إلى الاستقرار، بل يقدّم النتائج السياسية على الحل العادل الذي يفترض أن يمنح الاتفاقات معناها ومشروعيتها.

كما أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في تبادل الاعترافات أو فتح السفارات أو توسيع العلاقات الاقتصادية. فجوهرها يرتبط بحق شعب كامل في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وإنهاء الاحتلال، وتوفير مستقبل سياسي يضمن الأمن والكرامة والحقوق. وأي ترتيبات تتجاوز هذه الأسئلة قد تحقق مكاسب دبلوماسية لبعض الأطراف، لكنها لن تزيل أسباب النزاع، ولن تضمن قبولًا مستدامًا في المنطقة. ولهذا فإن الموقف السعودي الذي يربط التطبيع بمسار موثوق نحو الدولة الفلسطينية يمثل رفضًا لفصل العلاقات الإقليمية عن القضية المركزية، وإصرارًا على أن السلام لا ينبغي أن يكون غطاءً لتجاوز الحقوق أو إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة.

ويزداد هذا الموقف أهمية عندما تُطرح الضغوط الأمنية والاقتصادية في سياق السعي إلى تغيير المواقف السياسية. فليس من المقبول أن يصبح أمن الدول موضوعًا للمساومة، أو أن يُقال لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة إن عليها أن تقدم تنازلًا سياسيًّا حتى تحصل على ما تحتاج إليه من تعاون دفاعي أو تقني أو اقتصادي. وإذا كانت العلاقات بين الدول تقوم على المصالح، فإن احترام سيادة الشركاء يظل شرطًا أساسيًّا لاستمرارها. والسعودية، مثل غيرها من الدول، تملك حق تقييم ما يناسبها من اتفاقات، وحق رفض ما لا يتوافق مع أولوياتها، وحق ربط قراراتها بالمصالح الوطنية والقومية التي تراها ضرورية. ولا ينبغي أن يُفهم هذا الاستقلال باعتباره خصومة مع دولة بعينها، بل بوصفه قاعدة طبيعية للعلاقات الدولية التي تحترم إرادة الدول ولا تحاول إخضاعها للضغوط.

وفي الخلفية، تبرز التحذيرات من أن استمرار الانقسامات العربية والإسلامية يمنح القوى الخارجية مساحة أوسع لتوسيع نفوذها وإضعاف قدرة هذه الدول على الدفاع عن مصالحها. ولا يتطلب إدراك هذا الخطر افتراض أن كل ما يجري نتيجة خطة واحدة مكتملة التفاصيل؛ فضعف التنسيق، وتضارب الأولويات، وتحول النزاعات المحلية إلى ساحات للتنافس الإقليمي، كلها عوامل قد تفتح المجال أمام تدخلات تتجاوز آثارها حدود الدولة المعنية. وغياب الرؤية المشتركة يجعل كل دولة أكثر عرضة للضغوط المنفردة، ويضعف قدرة المنطقة على مواجهة التحديات المتشابكة.

إن الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن تستوعبه العواصم العربية هو أن تفكك المواقف لا يضر بالدول الضعيفة وحدها، بل قد ينعكس على الجميع، حتى الدول التي تمتلك الموارد والقوة والقدرة على حماية حدودها. فالتنافس على الممرات البحرية ومصادر الطاقة والأسواق والنفوذ السياسي لا يتوقف عند حدود دولة واحدة، كما أن الحروب الممتدة تخلق أعباء اقتصادية وإنسانية وأمنية تتجاوز ساحاتها. ولذلك، فإن حماية السعودية لا تعني السعودية وحدها، وحماية أمن البحر الأحمر ليست شأنًا يخص دولة واحدة، واستقرار اليمن ليس قضية يمكن تركها بلا تسوية، والقضية الفلسطينية ليست ملفًّا يمكن إبعاده عن حسابات الأمن الإقليمي. إن المصالح العربية مترابطة، وأي تصور جاد لمستقبل المنطقة يجب أن يأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار.

وتتضاعف أهمية هذه المسئولية حين يتعلق الأمر بمكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فالحرمان الشريفان ليسا شأنًا محليًّا أو ملفًّا سياسيًّا عابرًا، بل يحتلان مكانة دينية عظيمة في وجدان المسلمين في مختلف أنحاء العالم. وأي تهديد لهما بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو غيرها من الوسائل العدائية يثير قلقًا يتجاوز حدود المملكة، لما قد يترتب عليه من مخاطر على أمن وسلامة الحجاج والمعتمرين والمواطنين والمقيمين. ومن ثم، فإن حماية مكة المكرمة والمدينة المنورة تقتضي موقفًا يرفض الاعتداءات والتهديدات، ويؤكد أن أمن الأماكن المقدسة يجب أن تظل بعيدًا عن حسابات الصراع والنفوذ والمساومات السياسية.

وفي هذا السياق، تأتي الهجمات والتهديدات التي ارتبطت بالصراع في اليمن، ولا ما تثيره أنشطة جماعة الحوثيين المدعومة من إيران من مخاطر بشأن أمن السعودية والمنطقة. كما أن نفوذ إيران ودعمها أطرافًا مسلحة في عدد من ساحات المنطقة، بما فيها فصائل ضمن الحشد الشعبي العراقي وحزب الله اللبناني، يثير تساؤلات جدية بشأن تداعيات تمدد القوى المسلحة المرتبطة بطهران على استقرار الدول العربية وأمنها. وتختلف أدوار هذه الأطراف وظروف نشاطها من بلد إلى آخر، لذلك ينبغي تناول كل حالة وفق الوقائع والأدلة المتاحة، لكن ذلك لا يقلل من ضرورة رفض أي هجمات أو تهديدات تستهدف المملكة أو تعرض أمن الحرمين الشريفين للخطر. إن أمن مكة والمدينة لا يجوز أن يصبحا ورقة ضغط في صراع إقليمي، ولا أن يُتركا رهينة لتنافس القوى أو حسابات الجماعات المسلحة.

ولا تقتصر مسئولية حماية الحرمين الشريفين على الإجراءات الأمنية التي تتخذها المملكة العربية السعودية، وهي صاحبة السيادة والمسئولية المباشرة عن أمن أراضيها؛ بل تمتد إلى ضرورة وجود تضامن عربي وإسلامي عملي يحترم سيادة المملكة ويدعم الجهود الرامية إلى حماية الحجاج والمعتمرين وصون أمن المنطقة. ويقتضي ذلك أن تتعامل الدول الإسلامية بجدية مع أي تهديد موثوق، وأن تتبادل المعلومات ذات الصلة وفق الأطر القانونية، وأن تدعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع التصعيد، وأن ترفض استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية والأماكن المقدسة. فالتضامن الحقيقي لا يظهر في الشعارات وحدها، بل في المواقف والتعاون المسئول والإجراءات التي تسهم فعلًا في منع الأخطار.

ومن هنا تبرز مسئولية منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من الأطر والمؤسسات الإسلامية المعنية. فالمكانة الدينية والسياسية لهذه المؤسسات تمنحها فرصة مهمة لتنسيق المواقف، وحشد الدعم الدبلوماسي، والدعوة إلى احترام سيادة الدول، وتأكيد حرمة الأماكن المقدسة، والعمل على بلورة استجابة عملية للتهديدات التي تطال أمن المسلمين ومقدساتهم. وإذا كانت هذه المؤسسات تعقد الاجتماعات وتصدر البيانات عند وقوع الأزمات، فإن المطلوب أن تتبع ذلك خطوات قابلة للتنفيذ، وأن توضح ما اتُّخذ من إجراءات، وما تحقق من نتائج، وما يمكن تطويره لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء. فالمسئولية عن الحرمين الشريفين ليست عبارة تُقال في المناسبات، بل واجب يقتضي اليقظة والتنسيق والجدية، مع تجنب التصعيد غير المحسوب أو إطلاق اتهامات لا تسندها الأدلة.

إن المطلوب من المؤسسات الإسلامية ليس الدخول في صراعات مذهبية أو تحويل الخلافات السياسية إلى خصومات دينية، بل اتخاذ موقف مبدئي ثابت ضد الاعتداءات والتهديدات، أيًّا كان مصدرها، وضمان ألا تصبح المقدسات الإسلامية جزءًا من حسابات الصراع الإقليمي. كما أن واجبها يقتضي دعم الحلول السياسية التي تحد من الحروب وتمنع استخدام أراضي الدول منطلقًا لتهديد جيرانها، مع احترام سيادة كل دولة وحقها في حماية أمنها. فكلما كانت المواقف واضحة ومتوازنة ومبنية على الوقائع، ازدادت قدرتها على حشد التأييد الدولي، وتراجعت فرص استغلال المقدسات في الدعاية السياسية أو الصراعات المسلحة.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري بوصفه عنصرًا مهمًّا في دعم المملكة العربية السعودية وتعزيز التنسيق العربي. فالعلاقة بين مصر والمملكة تتجاوز المصالح الثنائية إلى قضايا الأمن الإقليمي، واستقرار البحر الأحمر، ومستقبل القضية الفلسطينية، ومواجهة الأزمات التي تهدد الدول العربية. ويمكن للتعاون بين البلدين أن يسهم في بناء موقف أكثر تماسكًا، شرط أن يستند إلى التشاور المستمر، وتحديد الأولويات المشتركة، وتنسيق الجهود الدبلوماسية والأمنية، وتجنب الانجرار إلى تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. كما أن أهمية الدور المصري لا تعني إعفاء بقية الدول العربية من مسئولياتها، بل ينبغي أن تكون مدخلًا إلى تحرك جماعي أوسع، يترجم التضامن إلى التزامات عملية ومواقف واضحة.

أما اتفاقيات الدفاع المشترك، فإنها تحتاج إلى مراجعة تتجاوز الاحتفاء بتوقيعها أو تكرار الإشارة إليها في البيانات الرسمية. فالضمانات الأمنية لا تُقاس بعدد الكلمات الواردة في النصوص، وإنما بمدى وضوح الالتزامات، ووجود آليات للتشاور والتنسيق، وتحديد وسائل الاستجابة عند وقوع الأخطار. وإذا كانت الدول العربية ترى أن أمنها مترابط، فعليها أن تضع خططًا عملية لتبادل المعلومات، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، والاستعداد للطوارئ، والتعامل مع التهديدات التي تتجاوز حدود كل دولة. أما إذا بقيت الاتفاقيات بعيدة عن التطبيق، فإنها ستفقد قدرتها على بناء الثقة، وسيظل الكل يتساءل عن الفائدة العملية منها عند وقوع الأزمات.

ف العمل العربي المشترك هو الهدف الأسمى الذي نسعى إليه جميعًا كيف وعلينا أن نزيل العقبات التي تواجهه، وهذا لا يعني منح المؤسسات حصانة مطلقة، بل يعني تطويرها لتصبح أكثر قدرة على خدمة الأهداف المشتركة. وإذا أرادت هذه المؤسسات أن تستعيد الثقة، فعليها أن تثبت أن وجودها يضيف قيمة حقيقية إلى الدول، وأنها قادرة على الانتقال من إدارة الخلافات إلى صناعة الحلول.

إن المرحلة التي تمر بها المنطقة تتطلب خطابًا سياسيًّا حاسمًا، لكنه يرتبط بالمسئولية، ولا يتنازل عن الثوابت، ويميز بين الوقائع والاتهامات، ولا يكتفي بتعداد المخاطر، بل يبحث عن وسائل عملية لمواجهتها. فمن حق الدول العربية والإسلامية أن ترفض السياسات التي تراها ضاغطة على السعودية، وأن ترفض التوجهات التي تنتقص من الحقوق الفلسطينية، وأن تطالب مؤسساتها بمراجعة جذرية لأدائها.

إن قدرة العالم العربي والإسلامي على حماية استقلال قراره، وصيانة أمن دوله، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وحماية الأماكن المقدسة، ومنع الأزمات من التحول إلى وسائل للضغط السياسي على المحك. فالمؤسسات العربية والإسلامية مطالبة بأن تثبت جدوى وجودها من خلال العمل الفعلي، وواشنطن مطالبة بأن تحترم استقلال القرار السعودي إذا كانت تتحدث عن شراكة استراتيجية، والسعودية تملك حق التمسك بشروطها وفي مقدمتها وجود مسار جاد نحو دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. كما أن الدول العربية والإسلامية مطالبة بألا تترك أمنها رهينة لتباين المواقف أو لحسابات القوى الخارجية، بل أن تعمل على بناء تعاون يحمي مصالحها المشتركة ويصون مقدساتها.

إن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فقط، بل بقدرتها على اتخاذ القرار المستقل، وبمتانة مؤسساتها، وبمدى تماسك مجتمعها، وبقدرتها على بناء شراكات متوازنة لا تقوم على الإملاء. كما أن قوة الأمة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر باسمها، بل بقدرتها على تحويل المبادئ إلى سياسات، والاتفاقيات إلى التزامات، والتضامن إلى فعل ملموس. وإذا كانت المرحلة الراهنة تكشف عن قصور في العمل العربي والإسلامي المشترك، فإنها تفرض في الوقت نفسه فرصة لمراجعة المسارات وتصحيح الأخطاء وبناء مستقبل أكثر توازنًا وأمنًا.

والسعودية ليست مطالبة بأن تتخلى عن موقفها من القضية الفلسطينية إرضاءً لأي طرف، وليست مطالبة بأن تقبل ترتيبات سياسية تحت ضغط الأزمات الأمنية، كما أن المؤسسات العربية والإسلامية ليست فوق النقد، ولا ينبغي أن تظل بمنأى عن المحاسبة. وعلى واشنطن أن تدرك أن الشراكة لا تُبنى بالإكراه، وأن السلام لا يتحقق بتجاوز حقوق الفلسطينيين، وأن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر إذا بقيت الأزمات تُدار بمنطق المقايضات والضغوط. وفي المقابل، فإن على الدول العربية والإسلامية أن تتجاوز انتظار المواقف الخارجية، وأن تعيد بناء أدواتها المشتركة على أسس واقعية واضحة، وأن تجعل حماية الإنسان والأرض والسيادة والمقدسات في مقدمة أولوياتها.

ويبقى الأمل أن يتحول الغضب من عجز المؤسسات إلى قوة تدفع نحو إصلاحها، وأن يتحول القلق من الضغوط الخارجية إلى وعي سياسي واستعداد عملي، وأن يصبح الموقف السعودي من التطبيع جزءًا من مسار عربي أوسع يربط السلام بالحقوق، والعلاقات السياسية بالعدالة، والتعاون الإقليمي بالاحترام المتبادل. فالشعوب العربية والإسلامية تستحق مؤسسات تعمل من أجلها، واتفاقيات تحميها، وسياسات لا تجعل مصيرها رهينة لتفاهمات لا تشارك في صياغتها. وتستحق المملكة العربية السعودية، كما تستحق سائر الدول العربية والإسلامية، علاقات دولية تقوم على الاحترام المتبادل وصيانة السيادة، لا على الضغط أو المساومة. كما يستحق الحرمين الشريفين أن تحيط بهما مواقف جادة ومسئولة تحمي أمنهما ومكانتهما، وتؤكد أن الاعتداء على أمن المملكة أو تهديد سلامة الحجاج والمعتمرين أمر مرفوض لا يجوز التساهل معه. حفظ الله السعودية ومصر وسائر الأوطان العربية والإسلامية، وأدام على شعوبها الأمن والاستقرار، وجعل الحكمة أساسًا للسياسة، والعدل أساسًا للسلام، والتضامن الحقيقي طريقًا إلى مستقبل أكثر أمانًا وكرامة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى