د. علاء رزق
تناولنا فى المقالين السابقين أن الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني لمصر، جاءت لتؤكد أن قناة السويس ممر إستراتيجى وتجاري بالغ الأهمية للصين،ولمصر ركيزة أساسية لدعم الإقتصاد، وواحدة من المراكز اللوجستية الرئيسية في العالم ،وأنه على مصر أن تستلهم النموذج التنموي الصينى الذى حطم “نموذج الأوز الطائر”،عبر نقل الصناعات كثيفة العمالة،والتى تقوم على فكرة وجود”قائد للسرب” (الدولة المتقدمة تكنولوجياً) تتبعه دول صاعدة في تشكيل يشبه حرف V.ولكى تنجح الدولة إقتصادياً، عليها المرور بثلاث مراحل متتالية داخل السرب ، مرحلة الإستيراد إلى التصنيع المحيطي، ثم مرحلة التصدير واللحاق ،أخيراً مرحلة إعادة التصدير العكسي.وهو مايجب أن تبنى عليه الدولة المصرية رؤيتها الإستراتيجية لما بعد مرحلة صندوق النقد الدولي فى ظل شراكتها الشاملة مع الصين التى طبقت أيضاً الإزاحة التاريخية وبها أعادت تشكيل تموضعها عالمياً. وتتجلى هذه الإزاحة في عدة مسارات منها الإنتقال من نظام اقتصادي مغلق إلى نظام السوق الإشتراكي،مع نمو للقطاع الخاص وجذب الاستثمارات. كذلك نقل مركز الثقل الإقتصادي والسكاني من الريف والزراعة التقليدية إلى المدن والمناطق الصناعية المتطورة.وأيضاً التحول من دولة نامية تركز على الإكتفاء الذاتي إلى قوة عظمى تقود العولمة البديلة.وهو ما يدعونا جميعاً أن نحدد مسار مستقبلى خارج المسار التاريخي المتوقع للدول النامية،لنصنع نموذجاً تنموياً يجمع بين قيادة الدولة وآليات السوق الحر (ديناميكية القطاع الخاص) وهذا يتطلب تبني ما يعرف بـالدولة التنموية الذكية،هذا المزيج نجحت فيه دول شرق آسيا، وعلى رأسها الصين، والتى طبقت إستراتيجية تكاملية الأدوار لا تصادمها،من خلال خمس ركائز أساسية: أولا:تقاسم الأدوار الإستراتيجية ما بين الدولة التى تتولى التخطيط طويل الأجل، والسوق كـمحرك ومنفذ،مع المنافسة لتشغيل المشاريع بكفاءة تفوق الإدارة الحكومية البيروقراطية. ثانياً:التنظيم الذكي بدلاً من السيطرة الخانقة، لتتحول معها الدولة إلى وضع قوانين صارمة وعادلة لحماية المنافسة، ومنع الاحتكار، وحماية المستهلك. ثالثاً: التمويل المشترك وتقاسم المخاطر بين القطاعين العام والخاص عبر تصميم عقود مرنة تساهم فيها الدولة بالأرض أو التسهيلات التشريعية، بينما يساهم القطاع الخاص برأس المال والإدارة الحديثة.رابعاً: ربط الدعم الحكومي بالحوافز والمحاسبة، فلا يجب أن تمنح الدولة إعفاءات ضريبية أو تسهيلات إئتمانية للشركات المحلية لمجرد البقاء، بل تربط هذه الحوافز بمؤشرات أداء صارمة مثل (حجم التصدير، نسبة التوطين التكنولوجي، أو خلق فرص العمل)،وإذا فشلت الشركة، يرفع السوق الغطاء عنها لتخرج من المنافسة. خامساً : الإستثمار في رأس المال البشري وشبكات الأمان، وهذا يتطلب أن تتولى الدولة توجيه النظام التعليمي لخدمة احتياجات السوق المستقبلي. وأن تفرض الدولة ضرائب عادلة مع إعادة توجيهها لبناء شبكات أمان إجتماعي قوي (صحة، تعليم، تأمين ضد البطالة) لضمان الإستقرار السياسي والاجتماعي اللازم لإستمرار النمو الاقتصادي.وبالتالى فإن ما يجب أن نؤكد عليه أن الدولة المصرية يجب أن تسعى مستقبلا إلى الإندماج في سلاسل القيمة العالمية، وهذا يستلزم البدء كمحطة تجميع نهائية،ثم التوغل التدريجي لتصنيع المكونات الحساسة وعالية القيمة داخل الدولة، ونعتقد أن ذلك مرهون باستمرارية العمل على تطوير الممرات اللوجستية المتكاملة وتوسيع الأسطول التجاري البحري لدعم حركة التجارة والربط الجغرافي ،ومرهون أيضاً بتوظيف مصر للمعادن النادرة ضمن سلاسل القيمة العالمية عبر عدة أدوار اقتصادية يجب رسمها بعد معالجة الفجوة بين ما تمتلكه مصر من معادن أرضية نادرة وبين الإستراتيجيات والسياسات المتخذة بشأن التوظيف الإقتصادى والإستراتيجى لها، وهو ما يجب أن تبنى عليه فعاليات المؤتمر الاقتصادي الوطني القادم.




