لماذا يحاربون السعودية؟ نجاحات المملكة التي لا يريد البعض الاعتراف بها
سلسلة كلام
بقلم: عاطف محمد ود القوس
صحيفة العروبة
بعيدًا عن السياسة ومواقفنا من الدول والحكومات، هناك سؤال يستحق أن نطرحه بإنصاف: لماذا لا يجد بعض الناس حرجًا في تجاهل النجاحات التي تحققها المملكة العربية السعودية، بينما يسارعون إلى تضخيم أي ملاحظة أو إخفاق، وكأنهم يبحثون عن صورة ناقصة يريدون تقديمها للعالم؟
أنا هنا لا أطلب من أحد أن يصفق للسعودية، ولا أقول إن كل ما يحدث فيها فوق النقد، ولا أرى أن الاختلاف السياسي يمنع الإنسان من إبداء رأيه. لكنني أؤمن بأن الإنصاف قيمة إنسانية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وأن الاعتراف بالنجاح لا ينتقص من أحد، مثلما أن النقد الموضوعي لا ينتقص من الدولة التي تتقبله وتعمل على معالجة أوجه القصور فيها.
عندما نتحدث عن السعودية، فنحن نتحدث عن دولة اختارت أن تنقل طموحاتها إلى برامج ومشروعات ومؤشرات قابلة للقياس، وأن توسع خيارات اقتصادها، وتطور خدماتها، وتستثمر في الإنسان والتقنية والبنية التحتية. وهذه تحولات لا يصح التعامل معها بالشعارات، بل بالنظر إلى الأرقام والنتائج.
السعودية بالأرقام.. ماذا تقول المؤشرات الدولية؟
في 14 أبريل 2026، أُعلن تصدر المملكة العربية السعودية مؤشر الجاهزية الرقمية لعام 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، بعد حصولها على 94 نقطة من أصل 100، لتنتقل من المركز الرابع عالميًا في العام السابق إلى المركز الأول. وهذا المؤشر لا يقيس مجرد توفر الإنترنت، بل ينظر إلى جاهزية المنظومة الرقمية والسياسات التنظيمية والحوكمة وقدرة الدولة على مواكبة التحولات التقنية.
وفي الأول من يوليو 2026، أُعلن تصدر المملكة مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية لعام 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يقارن أداء 159 اقتصادًا حول العالم. ووفقًا لهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، بلغ حجم سوق الاتصالات والتقنية في المملكة 199 مليار ريال بنهاية عام 2025، مع وصول نسبة انتشار الإنترنت إلى 100%، وبلوغ وسيط سرعة الإنترنت المتنقل 216 ميجابت في الثانية.
هذه الأرقام تعني أن التحول الرقمي لم يعد مجرد تطبيقات إلكترونية أو خدمات حكومية تُنجز عن بُعد؛ بل أصبح قطاعًا اقتصاديًا واسعًا، وبنية يعتمد عليها الاستثمار والأعمال والتعليم والتواصل والخدمات اليومية.
وفي تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية «IMD»، تقدمت المملكة أربعة مراكز لتصل إلى المرتبة الثالثة عشرة عالميًا من بين 70 اقتصادًا، والثالثة بين دول مجموعة العشرين.
والأهم أن هذا التقدم لم يأتِ في بند واحد فقط؛ فقد حققت المملكة مراكز متقدمة في مجموعة من المعايير، وحلت أولى عالميًا في خمسة منها: نمو صادرات الخدمات التجارية، وشروط التبادل التجاري، والخدمات المصرفية والمالية، والأمن السيبراني، وعدد مستخدمي الإنترنت لكل ألف نسمة. كما جاءت ضمن المراكز الثلاثة الأولى عالميًا في 17 معيارًا، وضمن العشرة الأوائل في 74 معيارًا من أصل 262 معيارًا شملها التقرير.
أما في معيار التماسك الاجتماعي، ونشاط ريادة الأعمال في مراحلها المبكرة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص لدعم التطور التقني، فقد جاءت المملكة في المرتبة الثانية عالميًا.
لسنا أمام رقم منفرد يُستخدم للدعاية، بل أمام مجموعة مؤشرات تقيس جوانب مختلفة من أداء الدولة واقتصادها. ومن حق القارئ أن يناقش منهجية هذه المؤشرات وحدودها، لكن ليس من الإنصاف تجاهل نتائجها لمجرد أن الدولة التي حققتها لا توافق أهواء بعض المنتقدين.
ما وراء الأرقام
قيمة هذه النتائج لا تكمن في ترتيب المملكة وحده، وإنما في ما تعكسه من تحولات تمس حياة الناس. فالاقتصاد الذي تتوسع فيه قطاعات التقنية والخدمات والاستثمار يفتح مجالات جديدة للعمل، ويخلق فرصًا للشركات ورواد الأعمال، ويزيد قدرة الدولة على تنويع مصادر دخلها.
ورؤية السعودية 2030، بما تتضمنه من برامج ومشروعات، تمثل مسارًا لإعادة تشكيل الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، مع الاستثمار في قطاعات متعددة، من السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية إلى التقنية والترفيه وجودة الحياة.
وبالطبع، لا تُقاس كل هذه التحولات بحجم المشروعات المعلنة أو الصور الافتتاحية وحدها. المعيار الحقيقي هو ما يلمسه المواطن والمقيم: جودة الخدمة، وفرص العمل، وتكلفة المعيشة، وكفاءة المؤسسات، وعدالة الفرص، ومدى استدامة النتائج. فالمشروعات الكبرى لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى منفعة حقيقية للناس.
ومن حق الجميع أن يتابعوا هذه التحولات ويقيّموا نتائجها، لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى ما تحقق، لا أن نتجاهل الإنجازات.
الإنسان أولًا.. بعيدًا عن السياسة
بالنسبة لي، لا تختزل علاقتي بالسعودية في موقف سياسي أو إعجاب بإنجاز اقتصادي. لقد عشت في هذه البلاد سنوات طويلة، ورأيت عن قرب قيمة الأمن والاستقرار واحترام النظام، وما تمنحه هذه الأمور للإنسان من قدرة على العمل وتربية أبنائه والتخطيط لمستقبله.
وأنا حين أكتب عن السعودية، لا أتحدث بلسان مسؤول حكومي، ولا أدعي أن التجربة خالية من الأخطاء أو أن كل مقيم عاش التجربة نفسها. أتحدث عن قناعة تكونت من المعايشة، وعن تقدير لبلد فتح أبوابه لملايين المقيمين الذين يعملون ويعيشون فيه، ويجد كثير منهم فرصًا لبناء حياتهم وإعالة أسرهم.
الإنسان أولًا؛ هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الخصومات. فلا يجوز أن يتحول الخلاف مع حكومة إلى إنكار كل ما يقدمه مجتمع، ولا أن يصبح الاختلاف السياسي مبررًا للتقليل من جهود دولة أو التشفي في نجاحاتها. وفي المقابل، لا ينبغي أن يمنعنا تقديرنا لأي بلد من قول كلمة الحق أو مناقشة ما يحتاج إلى إصلاح.
هذا هو الفارق بين النقد الذي يريد الأفضل، والخطاب الذي لا يبحث إلا عن الإدانة. النقد المسؤول يحدد موضع الخلل، ويستند إلى معلومة، ويقترح طريقًا للتحسين. أما التشويه فينتقي ما يخدم موقفه، ويتجاهل بقية الصورة، ثم يقدم رأيه وكأنه الحقيقة الكاملة.
ولا أقول إن كل من ينتقد السعودية يستهدفها، فالنقد حق، والاختلاف طبيعي، ولا يمكن وضع جميع المنتقدين في سلة واحدة. لكن من حقنا أيضًا أن نسأل عن المعايير التي يستخدمها البعض، ولماذا تُستقبل بعض الإنجازات بالصمت، بينما تُمنح الأخبار السلبية مساحة واسعة، حتى قبل اكتمال التحقق منها.
لماذا يصعب الاعتراف بالنجاح؟
قد تختلف الدوافع من شخص إلى آخر؛ فهناك من تحكمه خصومة سياسية، وهناك من يتأثر بخطاب إعلامي انتقائي، وهناك من لا يرى إلا ما يوافق قناعاته المسبقة. لكن النتيجة واحدة عندما يصبح الموقف أهم من الحقيقة: تتراجع الموضوعية، ويُختزل بلد كامل في رواية واحدة.
السعودية ليست بحاجة إلى أن تكون الأولى في كل شيء حتى تستحق الاحترام، كما أن تقدمها في المؤشرات الدولية لا يعني أنها وصلت إلى نهاية الطريق. كل دولة لديها تحديات وأولويات تحتاج إلى مراجعة، والنجاح الحقيقي ليس في ادعاء الكمال، بل في القدرة على التطوير وتصحيح المسار وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
لكن من غير المنطقي أن نتحدث عن التنافسية العالمية والاقتصاد الرقمي والجاهزية التقنية، ثم نتجاهل تصدر المملكة مؤشرات دولية في هذه المجالات. ومن غير الموضوعي أن نطالب الدول بالتطور، ثم نبخل عليها بالاعتراف عندما تحقق تقدمًا موثقًا.
إن احترام الحقيقة يفرض علينا أن نذكر الإنجاز كما نذكر الإخفاق، وأن نزن الأمور بمعيار واحد، لا أن نغير ميزاننا بحسب الدولة التي نتحدث عنها أو الموقف الذي نتبناه منها.
كلمة أخيرة
أنا أكتب عن السعودية لأنني أرى أن الاعتراف بالنجاح فضيلة، ولأن الإنصاف لا ينبغي أن يكون انتقائيًا. أكتب عنها باعتباري إنسانًا عاش في هذه البلاد، وقدّر ما وجده فيها من أمن واستقرار وفرص، وباعتباري صحفيًا يؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن القارئ يستحق أن تصله الصورة بأكبر قدر من الدقة والتوازن.
ليس مطلوبًا من أحد أن يتبنى موقفي، ولا أن يتفق معي في كل ما أقول. المطلوب فقط أن نختلف دون أن نجحد، وأن ننتقد دون أن نشوه، وأن نمنح الأرقام والحقائق حقها قبل أن نصدر الأحكام.
فالسعودية، مثل سائر الدول، تُقيّم بما تنجزه وما تعالجه من تحديات، لا بما يريده خصومها أو محبوها وحدهم. والأرقام المنشورة تتيح للجميع أن يراجعوا النتائج ويحكموا عليها.
الإنصاف ليس مجاملة للسعودية، بل احترام للحقيقة.
عاطف محمد ود القوس





