عاجلمقالات

أبي أحمد أمام سقوطه اصبح بين قوسين او ادنى

بقلم الدكتور/ موسى اباظة التميمي

عندما تتسع رقعة الدولة وتضيق قبضة السلطة

هناك لحظات في عمر الدول لا تحتاج فيها إلى إعلان رسمي كي يدرك المراقب أن شيئًا جوهريًا قد تغير

وإثيوبيا تقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات

فالمشهد لم يعد مجرد خلاف سياسي بين الحكومة الفيدرالية وخصومها ولم تعد الأزمة محصورة في إقليم واحد عودة القتال إلى تيغراي وامتداد المواجهات إلى مناطق أخرى ثم ظهور تحالف مسلح يضم سبع جماعات أعلنت صراحة أن هدفها إزالة حكومة أبي أحمد كلها تطورات تكشف أن قدرة المركز على احتواء الصراعات الداخلية أصبحت أمام اختبار بالغ الصعوبة

السؤال الذي يفرض نفسه

هل ما زالت أديس أبابا قادرة على إدارة إثيوبيا بالطريقة نفسها التي كانت تدير بها البلاد قبل سنوات؟

هذا هو السؤال الحقيقي

فالسيطرة على العاصمة لا تعني بالضرورة السيطرة السياسية الكاملة على دولة متعددة القوميات والأقاليم والمصالح مثل إثيوبيا

وحين تصبح جماعات كانت تقاتل بعضها بعضًا مستعدة لتوحيد صفوفها ضد الحكومة المركزية فإن ذلك يعني أن الخلاف مع السلطة أصبح بالنسبة إلى هذه القوى أكبر من خلافاتها البينية واصبح الهدف الرئيسي هو إسقاط أبي احمد وحكومته

وهذا بالضبط ما حدث في التحالف الإثيوبي الجديد الذي جمع قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى

أبي أحمد أمام واقع مختلف

أبي أحمد وصل إلى السلطة عام 2018 حاملاً وعودًا كاذبة بالإصلاح وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة ومكوناتها

لكن السنوات التالية شهدت حرب تيغراي ثم القتال في أمهرة وأوروميا وتوترات متصاعدة مع قوى إقليمية مختلفة

وبعد اتفاق بريتوريا عام 2022 كان يفترض أن تكون إثيوبيا قد دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار ولكن في وجود ابي احمد زج الدولة في مأزق كبيرة

لكن عودة الحرب في سبتمبر 2026 تهدد ذلك المسار بصورة مباشرة

وهنا تظهر المشكلة الكبرى

الدولة التي تحتاج إلى استخدام القوة في أكثر من جبهة في الوقت نفسه وتواجه تحالفات مسلحة متغيرة تكون أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على احتكارها للقوة وإدارة أراضيها سياسيًا وأمنيًا

وهذا يعني أن الحكومة فقدت السيطرة على الدولة

أخطر ما في المشهد

الأخطر ليس عدد البنادق التي يحملها الخصوم

الأخطر هو اتساع دائرة الخصوم

فحين تجتمع قوى ذات تاريخ طويل من العداء فيما بينها تحت هدف واحد ضد الحكومة المركزية فإن ذلك يكشف أن الأزمة تجاوزت حدود المنافسة السياسية التقليدية واصبح الهدف واضحاً إلا وهو تغيير النظام السياسي في البلاد

والدليل على ذلك هو توحد جميع القوى المسلحة حتى يتمكنوا حتمًا من إسقاط الحكومة

لكن مجرد حدوث هذا الاصطفاف يحمل رسالة سياسية شديدة الوضوح

هناك قوى واسعة لم تعد ترى أن مستقبلها السياسي يمكن أن يُدار من المركز بالطريقة السابقة

من يملك زمام المبادرة؟

هذه هي المعركة الحقيقية

ليست المعركة فقط بين الجيش الفيدرالي والمقاتلين في الجبال والبلدات

إنها معركة على سؤال أكبر

من يملك القدرة على تحديد مستقبل إثيوبيا؟

الحكومة؟

الأقاليم؟

القوى المسلحة؟

أم طاولة سياسية جديدة يجلس إليها الجميع؟

وكلما تأخر الوصول إلى إجابة سياسية ازدادت تكلفة الإجابة العسكرية

رسالة إلى أبي أحمد

ليس المطلوب أن يسقط أبي أحمد حتى تثبت وجود أزمة

الأزمة موجودة أمام الجميع

وليس المطلوب أن تنهار الدولة حتى يقال إن السلطة أخطأت في إدارة مرحلة معينة

فالدولة قد تبقى قائمة بينما تتراجع قدرتها على إدارة أزماتها

وهنا يجب على رئيس الوزراء أن يدرك أن القوة العسكرية تستطيع استعادة مدينة لكنها لا تستطيع وحدها استعادة الثقة وهذا مهم جدا

وقد تستطيع الطائرات المسيّرة ضرب مواقع الخصوم لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء أسباب التمرد

وقد تستطيع الحكومة استعادة أرض لكن استعادة الاستقرار تحتاج إلى تسوية سياسية أوسع

إثيوبيا أكبر من أبي أحمد

هذه هي الخلاصة التي ينبغي ألا تغيب عن أحد

إثيوبيا ليست أبي أحمد

وليست حزبًا

وليست جماعة مسلحة

وليست إقليمًا واحدًا

إنها دولة ضخمة متعددة القوميات والمصالح ومستقبلها لا ينبغي أن يكون رهينة لصراع مفتوح بين المركز والأطراف

ولهذا فإن السؤال اليوم ليس

هل سيسقط أبي أحمد غدًا؟

أنا اقول نعم سيسقط هذا العميل الذي باع نفسه ووطنه لمن يدفع

السؤال الأكثر أهمية هو:

هل يستطيع أبي أحمد أن يعيد بناء قدرة الدولة على إدارة اختلافاتها قبل أن تتحول أزمة السيطرة إلى أزمة وجود سياسي للدولة نفسها؟

هنا تكمن ساعة الحقيقة

فالحكومات لا تفقد قوتها في اللحظة التي تخسر فيها معركة واحدة

إنها تبدأ في فقدان قوتها عندما تصبح كل أزمة جديدة قادرة على فتح أزمة أخرى وعندما يتحول الخصوم المتفرقون إلى جبهة واحدة وعندما يصبح الحل العسكري مؤقتًا بينما تبقى جذور الأزمة بلا حل

إثيوبيا اليوم أمام مفترق طرق وأبي أحمد أمام أصعب اختبار سياسي منذ وصوله إلى السلطة

والتاريخ وحده سيحكم على المرحلة القادمة انه عميل

أما الشعب الإثيوبي فهو الذي يستحق قبل كل شيء دولة مستقرة وحوارًا سياسيًا حقيقيًا ومستقبلًا لا تحكمه لغة السلاح

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى