عاجلمقالات رئيس التحرير

انتقال دول الخليج للمحافظة على امنها ك الطفل المراهق ! رد على توم باراك !

القاهرة / سامي العثمان

لم يعد أمن الخليج مسألة يمكن اختزالها في حجم الترسانة العسكرية أو عدد القواعد الأجنبية المنتشرة في المنطقة، بل أصبح قضية ترتبط بطبيعة النظام الدولي نفسه، وبمدى قدرة الدول على حماية مصالحها في عالم تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه أولويات القوى الكبرى. فالمنطقة التي احتلت موقعًا محوريًا في حسابات السياسة الدولية لعقود طويلة، بفعل ثرواتها وموقعها الجغرافي وأهميتها لأسواق الطاقة والتجارة العالمية، تجد نفسها أمام مرحلة تستدعي مراجعة هادئة للأسس التي قامت عليها ترتيباتها الأمنية، لا بهدف هدم ما تحقق من شراكات، وإنما لفهم حدودها وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة. لقد مثّلت العلاقة مع الولايات المتحدة أحد الأعمدة الرئيسية في معادلة الأمن الخليجي، واستندت إلى مصالح متبادلة شملت التعاون العسكري وحماية الملاحة وضمان استقرار أسواق الطاقة ومواجهة الأخطار التي تهدد المنطقة. غير أن استمرار هذه العلاقة لا يعني بالضرورة بقاء طبيعة الالتزامات المتبادلة على صورتها السابقة، لأن السياسة الخارجية لأي دولة تتأثر بحسابات داخلية وخارجية متغيرة، وقد تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتبدل مصادر التهديد أو تتسع دوائر المنافسة الدولية. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين التحالف بوصفه أداة مهمة لتحقيق المصالح، والاعتماد الكامل عليه بوصفه ضمانة لا تحتمل التغير. فالتحالفات تمنح الدول فرصًا أوسع للحركة، وتوفر لها قدرات وخبرات قد يصعب امتلاكها منفردة، لكنها لا تعفيها من التفكير في مستقبل أمنها ولا من الاستعداد للظروف التي قد تتطلب منها اتخاذ قرارات مستقلة. وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الدعوات الأمريكية التي تطالب دول الخليج بتحمل مسئولية أكبر عن أمنها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة، كما لا يصح التعامل معها بوصفها إعلانًا حتميًا عن نهاية الدور الأمريكي. إنها، في جوهرها، مؤشر يستحق الدراسة، لأنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف تستطيع دول الخليج أن تحافظ على شراكاتها الدولية، وفي الوقت نفسه تعزز قدرتها على حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية، دون أن تجعل أمنها مرهونًا بالكامل بإرادة طرف آخر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رؤية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتستند إلى قراءة واقعية لموازين القوة ومصالح الأطراف المختلفة، وإلى إدراك أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بقرار منفرد أو صفقة سلاح، وإنما يتكون تدريجيًا من منظومة متكاملة تجمع بين القوة العسكرية والكفاءة الاقتصادية والتنسيق السياسي والقدرة على التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

لقد كشفت التحولات التي شهدتها المنطقة عن حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن امتلاك أدوات القوة لا يضمن وحده منع الأزمات، وأن وجود حلفاء أقوياء لا يلغي احتمال تعرض الدول لمخاطر مباشرة تمس منشآتها الحيوية ومصادر ثروتها وطرق اتصالها بالعالم. فالأمن لا يُقاس فقط بما تملكه الدولة من أسلحة، وإنما أيضًا بقدرتها على اكتشاف التهديد في الوقت المناسب، والتعامل معه بكفاءة، وتقليل آثاره إذا وقع، ثم استعادة الاستقرار دون أن تتعرض مؤسساتها واقتصاداتها لاضطراب طويل الأمد. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الخليج، حيث تتركز منشآت الطاقة والموانئ ومراكز النقل والخدمات الأساسية في نطاق جغرافي تتصل أجزاؤه بشبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية. وأي تهديد لهذه المنشآت لا يقتصر أثره على الدولة التي تقع داخل حدودها، بل قد يمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة وتكاليف النقل والتأمين، بل إلى ثقة المستثمرين في استقرار البيئة الاقتصادية بأكملها. ولهذا فإن حماية المنشآت الحيوية ينبغي ألا تُعامل باعتبارها مهمة عسكرية منفصلة، وإنما جزءًا من مفهوم أشمل للأمن الوطني، تتكامل فيه مسئوليات المؤسسات الدفاعية والأجهزة المدنية والقطاعات الاقتصادية ومرافق الاتصالات والطاقة. فالدولة التي تستطيع اعتراض هجوم، لكنها لا تملك خططًا لاستمرار الخدمات الأساسية أو إصلاح الأضرار سريعًا، قد تجد نفسها أمام أزمة تتجاوز نتائجها المباشرة. والدولة التي تنجح في حماية منشآتها، لكنها تفتقر إلى التنسيق بين أجهزتها أو إلى المعلومات الدقيقة في أثناء الطوارئ، قد تهدر جانبًا مهمًا من قدراتها. ومن هنا تأتي أهمية بناء أنظمة إنذار مبكر، وتطوير وسائل الاستطلاع والمراقبة، ورفع مستوى حماية البنية التحتية، ووضع خطط عملية لاستمرار الإمدادات والخدمات عند وقوع الاضطرابات. كما أن التدريب المشترك واختبار سيناريوهات الطوارئ ينبغي أن يتحولا إلى ممارسة مستمرة، لا إلى إجراءات موسمية تستدعيها الأزمات ثم تتراجع أهميتها مع انحسارها. فالمخاطر الحديثة لا تأتي دائمًا في صورة مواجهة عسكرية تقليدية واضحة، بل قد تتخذ أشكالًا متعددة تتداخل فيها الوسائل العسكرية والتقنية والاقتصادية، ويصعب أحيانًا الفصل بين مقدماتها ونتائجها. ولذلك فإن الاستعداد الفعلي لا يتحقق بمجرد زيادة الإنفاق، بل يتطلب تحديد مواطن الضعف بدقة، وتوجيه الموارد إلى المجالات الأكثر أهمية، وضمان أن تعمل عناصر المنظومة الأمنية في إطار واحد، بحيث لا تكون القوة مجرد امتلاك للأدوات، وإنما قدرة حقيقية على استخدامها في الوقت المناسب وبالطريقة التي تحقق الغرض منها.

وعندما يُطرح موضوع اعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة، فإن النقاش يحتاج إلى قدر من الدقة يجنبه الوقوع في ثنائية مبسطة تجعل الخيارات محصورة بين استمرار الاعتماد كما هو، أو إنهاء الشراكة والبحث عن بديل كامل لها. فالعلاقات الدولية لا تُدار عادة بهذه الصورة الحادة، وإنما تتطور وفق درجات متعددة من التعاون والتنسيق وتوزيع المسئوليات. وقد تحتفظ دولة بعلاقة دفاعية وثيقة مع حليفها، بينما تعمل في الوقت نفسه على زيادة قدراتها المستقلة، وتوسيع قاعدة علاقاتها الدولية، وتطوير مؤسساتها الدفاعية، بحيث تصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه عند الضرورة. وهذا المسار لا يعني بالضرورة ضعف التحالف، بل قد يمنحه أساسًا أكثر توازنًا واستدامة، لأن الشراكة التي تقوم بين طرفين يمتلك كل منهما قدرًا معتبرًا من القدرة والمسئولية تكون أقل تعرضًا للاختلال الناتج عن تفاوت التوقعات. ومن المهم هنا فهم الفارق بين الحماية التي يقدمها الحليف وبين المسئولية التي لا تستطيع الدولة التنازل عنها. فالحليف يستطيع توفير قدرات عسكرية واستخباراتية وتقنية مهمة، وقد يسهم وجوده في ردع الخصوم وتقليل احتمالات التصعيد، لكن الدولة المعنية تظل مسئولة عن تقدير مصالحها، وتحديد الأخطار التي تواجهها، وبناء مؤسساتها، واتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلها. كما أن طبيعة المساندة الخارجية قد تختلف باختلاف الظروف؛ فالدعم في وقت السلم ليس بالضرورة مطابقًا للدعم في أثناء أزمة إقليمية واسعة، والتعاون في مجال التدريب أو التسليح لا يعني تلقائيًا اتفاقًا كاملًا على كيفية التعامل مع كل تهديد محتمل. ولذلك فإن أي مراجعة جادة للعلاقة الأمنية مع واشنطن ينبغي أن تنطلق من تحديد واضح لما تحتاج إليه دول الخليج، وما تستطيع الولايات المتحدة توفيره، وما يتعين على الدول الخليجية تطويره بنفسها، وما يمكن تحقيقه من خلال تعاون إقليمي أوسع. ويشمل ذلك الاتفاق على آليات التشاور في الأزمات، وتبادل المعلومات، وتحديد المسئوليات، وتحسين التنسيق بين أنظمة الدفاع، فضلًا عن توضيح حدود الالتزامات المتبادلة بالقدر الذي تسمح به الاتفاقات والمصالح المشتركة. فالغموض المفرط قد يؤدي إلى توقعات لا تتطابق مع الواقع، بينما يساعد الوضوح على بناء سياسات أكثر قابلية للتنفيذ. ولا يعني ذلك أن كل اختلاف بين الحلفاء يمثل أزمة، أو أن كل تغير في الخطاب السياسي ينذر بانهيار العلاقة، بل يعني أن الشراكات الناجحة تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى تظل ملائمة للظروف المتغيرة. فالثقة لا تُبنى على تجاهل الاحتمالات الصعبة، وإنما على فهمها والاستعداد لها، وعلى قدرة الأطراف على التكيف دون أن تفقد العلاقة جوهرها أو تتحول إلى مصدر لعدم اليقين.

ويظل العامل الأمريكي الداخلي جزءًا أساسيًا من فهم التحولات التي قد تؤثر في أمن الخليج، لأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ليست ثابتة بمعزل عن توجهات إداراتها المتعاقبة، أو عن النقاشات المتعلقة بتوزيع الموارد والأعباء، أو عن تصورها للمنافسة مع القوى الكبرى. فمنذ سنوات، أخذت واشنطن تعيد النظر في أولوياتها الدولية، مع تنامي الاهتمام بالمنافسة الاستراتيجية مع الصين، وتزايد النقاش حول حجم الالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج، ومدى ضرورة أن يتحمل الحلفاء نصيبًا أكبر من تكاليف الدفاع عن أنفسهم. ولا يعني هذا الاتجاه أن الولايات المتحدة فقدت مصالحها في الخليج أو أن وجودها أصبح بلا جدوى، وإنما يشير إلى أن طريقة إدارتها لهذه المصالح قد تتغير، وأن الاعتماد على أنماط التعاون السابقة دون مراجعة قد يؤدي إلى فجوة بين ما تتوقعه دول المنطقة وما ترغب واشنطن في الالتزام به. فالسياسة الأمريكية تتشكل من مجموعة عوامل متداخلة؛ منها أمن الطاقة، وحماية طرق الملاحة، واستقرار الاقتصاد العالمي، والعلاقات مع الشركاء، وموازين القوى الإقليمية، فضلًا عن الاعتبارات السياسية والاقتصادية الداخلية. وقد تتقدم بعض هذه العوامل إلى الواجهة في مرحلة معينة، ثم تتغير أوزانها مع ظهور تحديات جديدة. ومن ثم لا يكفي الاستناد إلى تصريح لمسئول أو قراءة موقف إدارة بعينها باعتباره تعبيرًا نهائيًا عن مستقبل السياسة الأمريكية، بل ينبغي النظر إلى الاتجاهات الممتدة، ومقارنتها بالقرارات العملية، وبالقدرات التي تحتفظ بها الولايات المتحدة في المنطقة، وبطبيعة مصالحها التي لا تزال قائمة. كما ينبغي التمييز بين الرغبة في تقليل الأعباء المباشرة وبين التخلي عن النفوذ، فالدولة الكبرى قد تسعى إلى خفض تكاليف انخراطها العسكري، لكنها تظل حريصة على حماية مصالحها باستخدام وسائل أخرى، تشمل الشراكات الدفاعية والتعاون التقني والدبلوماسية والضغط الاقتصادي. وقد تجد واشنطن أن تعزيز قدرات شركائها يخدم مصالحها، لأنه يتيح لها الاحتفاظ بعلاقات مؤثرة مع تقليل الحاجة إلى التدخل المباشر في كل أزمة. لكن نجاح هذا التوجه يتوقف على مدى استعداد الشركاء وقدرتهم على تحمل المسئوليات المطلوبة، وعلى توافق تقديراتهم للأخطار مع التقديرات الأمريكية. وهنا تتضح أهمية ألا تبني دول الخليج سياساتها على افتراضين متناقضين، أولهما أن الحماية الأمريكية ستظل مضمونة بالشكل نفسه مهما تغير العالم، وثانيهما أن الولايات المتحدة ستتخلى حتمًا عن المنطقة في المستقبل القريب. فكلا الافتراضين يتجاوز تعقيد الواقع. أما النهج الأكثر اتزانًا فيقوم على دراسة المصالح الفعلية، ومراقبة القرارات، وتقدير السيناريوهات المحتملة، ثم بناء قدرات تسمح بالتعامل مع أكثر من احتمال دون الارتهان لتوقع واحد قد لا يتحقق.

ومن بين العوامل التي تستحق الاهتمام عند تقييم مستقبل العلاقة بين واشنطن والخليج، التحولات التي طرأت على قطاع الطاقة الأمريكي، ولا سيما زيادة الإنتاج المحلي بفعل تطور تقنيات استخراج النفط والغاز من التكوينات الصخرية. فقد ساهم هذا التطور في تغيير موقع الولايات المتحدة داخل أسواق الطاقة العالمية، وعزز قدرتها على تلبية جانب أكبر من احتياجاتها من الإنتاج المحلي، كما أتاح لها مساحة أوسع في التعامل مع تقلبات الإمدادات الدولية. غير أن اختزال أهمية الخليج بالنسبة إلى الولايات المتحدة في حاجتها المباشرة إلى استيراد النفط منه يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد، لأن المصالح الأمريكية في المنطقة لا تتحدد بحجم الواردات وحده. فالطاقة سلعة عالمية تتأثر أسعارها وتدفقاتها بتوازن العرض والطلب، وبالاضطرابات السياسية، وبأمن طرق النقل والتجارة. وقد تتعرض الولايات المتحدة نفسها لآثار ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات حتى عندما تكون أقل اعتمادًا على الاستيراد المباشر، لأن أسواق الطاقة مترابطة، ولأن تغير الأسعار ينعكس على قطاعات الإنتاج والنقل والاستهلاك داخل الاقتصادات المختلفة. وإلى جانب ذلك، فإن استقرار الخليج يرتبط بمصالح أمريكية أخرى، منها أمن الملاحة البحرية، والعلاقات مع الشركاء الإقليميين، وموازين القوى، والحد من توسع النزاعات، وحماية الاستثمارات والتجارة. ولذلك لا يصح الاستنتاج بأن زيادة الإنتاج الأمريكي تعني انتهاء الأهمية الاستراتيجية للخليج، كما لا يصح تجاهل أثرها في الحسابات الأمريكية أو افتراض أن دوافع السياسة الخارجية لم تتغير. الأصح أن هذا التطور أعاد تشكيل بعض عناصر العلاقة، وجعل من الضروري فهمها ضمن إطار أوسع يتجاوز النفط بوصفه سلعة إلى الطاقة بوصفها جزءًا من نظام اقتصادي واستراتيجي عالمي. ومن هنا تستطيع دول الخليج أن تنظر إلى ثرواتها باعتبارها عنصر قوة، لكن دون أن تجعلها الأساس الوحيد لعلاقاتها الدولية أو ضمانة كافية لأمنها. فالقيمة الاستراتيجية لا تنشأ من الموارد الطبيعية وحدها، بل من القدرة على إدارة هذه الموارد، وتنويع الاقتصاد، وبناء المؤسسات، وتطوير التكنولوجيا، وتحويل العوائد إلى عناصر قوة مستدامة. وإذا ظلت أهمية المنطقة مرتبطة في المقام الأول بتصدير الطاقة، فإن جزءًا من قدرتها على التأثير سيظل معرضًا للتغير مع تطور مصادر الطاقة وأسواقها. أما إذا توسعت قاعدة الاقتصاد، ونمت القدرات الصناعية والتقنية، وتعززت الروابط التجارية والاستثمارية، فإن العلاقات الدولية ستستند إلى مصالح أكثر تنوعًا، ويصبح الخليج شريكًا في إنتاج القيمة والمعرفة، لا مجرد مصدر لمادة أولية يحتاج إليها الآخرون. وهذا التحول الاقتصادي لا يحل وحده المشكلات الأمنية، لكنه يمنح السياسات الدفاعية قاعدة أكثر متانة، ويوفر للدول موارد وخيارات أوسع في مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.

ولا يمكن أن تكتمل مراجعة منظومة الأمن الخليجي من دون النظر إلى البعد الإقليمي، لأن الدول التي تتشارك المجال الجغرافي والممرات البحرية ومصادر المخاطر لا تستطيع أن تحقق أقصى درجات الحماية إذا عملت كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. فالتنسيق بين الدول الخليجية لا يقتصر على تبادل التصريحات أو عقد الاجتماعات، وإنما يتطلب بناء قدرات عملية تسمح بالتعامل المشترك مع التهديدات التي تتجاوز الحدود الوطنية. وقد تشمل هذه القدرات تبادل المعلومات في الوقت المناسب، وتطوير إجراءات متوافقة للإنذار المبكر، وتحسين حماية المجال الجوي والبحري، وتنسيق الاستجابة للطوارئ، وتدريب الفرق المختصة على التعامل مع الأزمات التي قد تؤثر في أكثر من دولة. كما أن التعاون في حماية المنشآت الحيوية وشبكات الطاقة والموانئ يمكن أن يحد من الثغرات التي قد تنشأ نتيجة تفاوت الاستعدادات أو اختلاف الإجراءات بين دولة وأخرى. ومع ذلك، فإن الوصول إلى مستوى متقدم من التكامل الأمني لا يتحقق بمجرد إعلان الرغبة فيه، إذ يتطلب معالجة مسائل تتصل بتبادل المعلومات الحساسة، وتحديد المسئوليات، وتوحيد بعض المعايير الفنية، وبناء الثقة بين المؤسسات، وضمان قدرة كل طرف على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه. ومن المهم أيضًا أن تراعي أي منظومة مشتركة اختلاف احتياجات الدول وقدراتها وأولوياتها، حتى لا تتحول الفوارق إلى مصدر للتعطيل أو التنافس غير المفيد. ويمكن أن يبدأ التعاون من المجالات التي تتفق المصالح بشأنها بوضوح، ثم يتوسع تدريجيًا وفق نتائج قابلة للقياس، بدلًا من وضع أهداف واسعة يصعب تنفيذها في وقت قصير. ويجب ألا يُفهم الأمن الإقليمي باعتباره سباقًا مفتوحًا للتسلح، لأن زيادة الإنفاق العسكري دون تخطيط مشترك قد ترفع التكاليف وتنتج قدرات متكررة لا تسد الثغرات الأكثر خطورة. المطلوب هو بناء منظومة متوازنة تعرف ما الذي تحتاج إليه، وأين توجد مواطن الضعف، وكيف يمكن استخدام الموارد المتاحة بأعلى كفاءة. كما أن التعاون الخليجي لا يعني الاستغناء عن الشراكات الخارجية، بل يمكن أن يجعل هذه الشراكات أكثر فاعلية، لأن الطرف الذي يتحدث من موقع التنسيق والقدرة يمتلك خيارات أوسع في التفاوض وتحديد احتياجاته. ومن شأن هذا النهج أن يخفف من الاعتماد المنفرد على أي حليف، ويعزز قدرة دول المنطقة على إدارة مصالحها المشتركة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني لكل دولة. فالأمن الجماعي ليس نقيضًا للسيادة، إذا بُني على اتفاق واضح واحترام متبادل، بل يمكن أن يكون وسيلة لحمايتها من الأخطار التي لا تستطيع الحدود السياسية وحدها منعها. وتزداد أهمية هذا التصور كلما تعقدت طبيعة التهديدات، وأصبح التعامل معها يتطلب معلومات وموارد وخبرات موزعة بين أكثر من مؤسسة ودولة.

لكن بناء قدرات دفاعية ذاتية لا يعني أن شراء المزيد من الأسلحة هو الطريق الوحيد أو حتى الطريق الكافي لتحقيق الأمن. فالمنظومات العسكرية الحديثة تحتاج إلى كوادر مؤهلة، وبنية تقنية متطورة، وأنظمة صيانة وإمداد موثوقة، وقدرة على تحديث المعدات، فضلًا عن خطط واضحة لاستخدامها ضمن استراتيجية دفاعية متماسكة. وقد تمتلك الدولة معدات متقدمة، لكنها تظل معتمدة على الخارج في صيانتها أو تشغيل بعض مكوناتها أو توفير قطع الغيار والذخائر اللازمة لها، وهو ما قد يحد من قدرتها على الاستمرار في الظروف الاستثنائية. لذلك ينبغي أن يرتبط تطوير القدرات الدفاعية ببناء المعرفة والخبرة المحلية، وتعزيز التدريب، وتطوير المؤسسات القادرة على التخطيط والتحليل وتقييم المخاطر. كما يتطلب الأمر فهمًا دقيقًا للفارق بين امتلاك السلاح وامتلاك القدرة على توظيفه ضمن منظومة متكاملة. فالقوة الفاعلة لا تُقاس بقيمة العقود وحدها، بل بمدى ملاءمة المعدات لطبيعة الأخطار، وبقدرة الوحدات المختلفة على التنسيق، وبكفاءة القيادة والسيطرة، وبسرعة الاستجابة، وبالاستعداد لمواجهة ظروف غير متوقعة. ومن الضروري كذلك أن تكون قرارات الإنفاق الدفاعي جزءًا من رؤية وطنية طويلة الأمد، توازن بين متطلبات الأمن والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، لأن الاستقرار لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى اقتصاد قادر على تمويلها، ومؤسسات فعالة، ومجتمع يتمتع بالثقة في قدرة الدولة على إدارة الأزمات. ولا يعني هذا التقليل من أهمية الإنفاق الدفاعي، وإنما التأكيد على ضرورة توجيهه وفق أولويات واضحة، مع تجنب الإنفاق الذي تحركه الرغبة في إظهار القوة أو مجاراة الآخرين دون دراسة كافية. وتبرز في هذا السياق أهمية تنويع مصادر التسليح والتعاون التقني، لا بهدف الانتقال من تبعية إلى أخرى، وإنما لتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد المفرط على مورد واحد، وزيادة القدرة على التفاوض، وضمان استمرارية الإمدادات عند تغير الظروف السياسية. غير أن التنويع نفسه يحتاج إلى حسابات دقيقة، لأن تعدد الأنظمة والموردين قد يرفع تكاليف الصيانة والتدريب ويعقد التكامل بين المعدات إذا لم يُدار بطريقة مدروسة. ومن هنا فإن الاستقلال الدفاعي ليس حالة تتحقق بقرار معلن، بل مسار طويل يتطلب تحديد ما يمكن إنتاجه محليًا بكفاءة، وما ينبغي الحصول عليه من الخارج، وما يمكن تطويره عبر شراكات بحثية وصناعية، وكيفية إعداد الكوادر القادرة على مواصلة هذا العمل. والهدف النهائي ليس أن تنعزل الدولة عن العالم أو تستغني عن كل مساعدة، بل أن تمتلك من المعرفة والموارد والقدرة التنظيمية ما يجعل تعاونها مع الآخرين اختيارًا استراتيجيًا يعزز قوتها، لا ضرورة تفرضها عليها كل أزمة.

وتتطلب الرؤية الأمنية المتوازنة أيضًا أن تتعامل دول الخليج مع محيطها الإقليمي من منظور يربط بين الردع وإدارة الأزمات، لأن امتلاك القوة لا يضمن وحده تجنب الصراع، كما أن تجاهل مصادر التوتر لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار دائم. فالمنطقة تتسم بتداخل المصالح واختلاف الحسابات وتعدد الملفات التي يمكن أن تتصاعد بفعل سوء التقدير أو غياب قنوات الاتصال الفعالة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الدبلوماسية جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن، لا بديلًا عن الدفاع ولا علامة على الضعف. فالدولة القادرة على حماية نفسها تستطيع أن تدخل المفاوضات من موقع أكثر اطمئنانًا، بينما تتيح العلاقات السياسية وقنوات التواصل فرصًا لتوضيح المواقف، وتقليل احتمالات الخطأ، والبحث عن ترتيبات تحد من التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة واسعة. ومن المهم أن تتوافر قنوات اتصال يمكن استخدامها في أوقات التوتر، وأن تكون هناك آليات للتعامل مع الحوادث المفاجئة ومنع تحولها إلى أزمات ممتدة. كما ينبغي التمييز بين الخلاف السياسي الذي يمكن إدارته، والتهديد الأمني الذي يتطلب استعدادًا دفاعيًا، لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى استجابات غير متناسبة تزيد من تعقيد الموقف. ولا يعني السعي إلى خفض التوتر تجاهل المخاطر أو التنازل عن المصالح، وإنما البحث عن وسائل تحمي هذه المصالح بأقل تكلفة ممكنة، وتمنع الخصومات من التحول إلى صراعات تستنزف الموارد وتعرقل التنمية. وتستطيع دول الخليج، بما تمتلكه من علاقات دولية ومكانة اقتصادية، أن تسهم في بناء بيئة إقليمية أكثر قابلية للتفاهم، إذا أحسنت توظيف أدواتها السياسية والاقتصادية إلى جانب قدراتها الدفاعية. لكن نجاح هذا المسار يتطلب واقعية في تقدير مواقف الأطراف الأخرى، وتجنب الافتراض بأن التصريحات الإيجابية تكفي وحدها لضمان تغير السلوك، كما يتطلب إدراك أن بناء الثقة يحتاج إلى وقت وإلى خطوات عملية يمكن التحقق من نتائجها. ومن الضروري أيضًا ألا تتحول الدبلوماسية إلى بديل عن الاستعداد، مثلما لا ينبغي أن تتحول الاستعدادات العسكرية إلى ذريعة لإغلاق أبواب التواصل. فالمعادلة الأكثر استقرارًا هي التي تجمع بين القدرة على الردع والاستعداد للدفاع، وبين وجود مسارات سياسية تمنح الأطراف فرصة لمعالجة الخلافات قبل أن تبلغ نقطة يصعب الرجوع عنها. وفي هذا الإطار، يصبح أمن الخليج مسئولية تتداخل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويغدو النجاح مرهونًا بقدرة صناع القرار على استخدام كل أداة في موضعها، وتقدير آثار القرارات قصيرة الأجل على المصالح بعيدة الأجل. فالقوة التي لا تصاحبها حكمة في إدارتها قد تزيد من الأخطار بدلًا من تقليلها، والدبلوماسية التي لا تستند إلى فهم واقعي لموازين القوة قد تفقد قدرتها على التأثير.

ومن أجل تحويل هذه الرؤية إلى سياسة قابلة للتطبيق، تحتاج دول الخليج إلى مراجعة منظومتها الأمنية على أساس دوري ومنهجي، لا أن تنتظر وقوع أزمة كبيرة حتى تبدأ في اكتشاف أوجه القصور. وتبدأ هذه المراجعة بتحديد الأخطار الأكثر احتمالًا والأشد تأثيرًا، ثم قياس مستوى الاستعداد للتعامل معها، وتحديد الفجوات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة، ووضع أولويات واضحة للإنفاق والتدريب والتطوير. كما ينبغي أن تكون هناك معايير يمكن من خلالها تقييم مدى التقدم، بحيث لا تظل الخطط الأمنية مجرد وثائق رسمية لا يُعرف أثرها الحقيقي في الميدان. ويمكن أن تشمل هذه المعايير سرعة الاستجابة للحوادث، ومستوى التنسيق بين الجهات المعنية، وقدرة المنشآت الحيوية على مواصلة العمل في ظروف الطوارئ، وكفاءة أنظمة الاتصال والإنذار، ومدى جاهزية الكوادر البشرية. ومن المهم كذلك أن تتضمن المراجعة دروسًا مستفادة من الأزمات السابقة، مع تجنب افتراض أن السيناريو القادم سيكرر بالضرورة ما حدث من قبل. فالتهديدات تتغير، والوسائل المستخدمة تتطور، وما ينجح في ظرف معين قد لا يكون كافيًا في ظرف آخر. لذلك يجب أن تتمتع المؤسسات الأمنية بقدرة على التعلم والتكيف، وأن تستفيد من البحث العلمي والتطور التقني في مجالات الاستطلاع وتحليل البيانات وحماية الشبكات والاتصالات. كما أن أمن البنية التحتية الرقمية أصبح عنصرًا لا يمكن فصله عن أمن المنشآت المادية، لأن تعطيل أنظمة التحكم أو الاتصالات قد يؤثر في الخدمات الحيوية حتى دون وقوع أضرار مباشرة بالمباني والمرافق. ولا بد أن يقترن التطوير التقني بتدريب العاملين ووضع إجراءات واضحة للاستجابة، لأن التكنولوجيا وحدها لا تعوض ضعف التنظيم أو غياب الخبرة. وفي الوقت نفسه، ينبغي تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من البنية الاقتصادية الحيوية قد تديره مؤسسات وشركات تحتاج إلى التنسيق مع الجهات الرسمية في أوقات الطوارئ. ويجب أن تكون مسئوليات كل طرف محددة مسبقًا، حتى لا تضيع اللحظات الحرجة في البحث عن الصلاحيات أو انتظار القرارات. أما على مستوى العلاقا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى