ياسين سالم
في كل مرة تقع فيها حادثة لافتة، تظهر سريعًا طبقة واسعة من المحللين السياسيين والأمنيين والاستخباريين، وكأن الحدث لم يقع إلا ليفتح سوقًا جديدة للتحليل العاجل.
حادثة طائرة “فلاي دبي” التي هبطت اضطراريًا في مطار تبوك مثال واضح على ذلك. فقبل اكتمال التحقيقات الرسمية، وقبل أن تتضح جميع ملابسات ما جرى داخل قمرة القيادة، امتلأت المنصات بتفسيرات قطعية: مؤامرة إقليمية، عملية استخباراتية، رسالة سياسية، اختراق أمني، صراع محاور، بل ومعلومات «حصرية» من مصادر لم تُسمَّ.
المفارقة أن هذه الروايات قُدمت أحيانًا بثقة تفوق ما تسمح به المعلومات المتاحة، في وقت أكدت فيه الجهات الرسمية أن أسباب الواقعة ودوافعها لا تزال قيد التحقيق.
ويكاد المشهد يتحول إلى مادة ساخرة: محلل يربط الحادثة بملف سياسي، وآخر يراها رسالة إلى واشنطن، وثالث يكتشف فيها تحولًا في موازين القوى، ورابع يرسم خريطة كاملة للأجهزة والأدوار والدوافع، ثم يختم حديثه بالعبارة التسويقية المعتادة: “مصدر خاص” أو “معلومة حصرية”.
ولو جُمعت هذه الروايات جنبًا إلى جنب، لبدت الطائرة الواحدة وكأنها أصبحت في وقت قياسي مسرحًا لعملية استخباراتية، وأداة ضغط سياسي، ورسالة بين عواصم، ومحور صفقة كبرى.. وكل ذلك قبل أن تنتهي تداعيات الواقعة وقبل أن تبدأ نتائج التحقيق في الظهور.
المشكلة هنا ليست في وجود التحليل، فقراءة الأحداث ومحاولة فهم خلفياتها أمر مشروع، وإنما في تحويل الاحتمال إلى حقيقة، والتكهن إلى معلومة، والفراغ المعلوماتي إلى رواية مكتملة.
وهذا النمط لا يقتصر على الحوادث الجوية. فكلما وقع حدث أمني أو سياسي حساس، يتحول الغموض لدى البعض إلى مادة للاستهلاك السريع. تُرتب الوقائع وفق الزاوية التي يريدها صاحب الرواية، ثم تُقدم في قالب حاسم، وتُدعّم بعبارات من قبيل “مصدر مطلع”و”معلومة مؤكدة”، وكأن غياب التفاصيل يمكن تعويضه بدرجة أعلى من الثقة في الحديث.
والأكثر إثارة أن بعض هذه التوقعات لا تصمد طويلًا أمام الوقائع. ومع ذلك، لا يبدو أن فشل رواية سابقة يمنع من إنتاج رواية جديدة في الحدث التالي، وكأن الذاكرة السياسية لا تحتفظ إلا بالخبر العاجل، بينما تختفي التوقعات السابقة بمجرد انكشاف عدم دقتها.
ويزداد الأمر وضوحًا عندما يكون الحدث مرتبطًا بالسعودية أو إحدى دول الخليج؛ إذ تتحول بعض المساحات الإعلامية والمنصات الحوارية إلى ورش مفتوحة لصناعة السيناريوهات، فتظهر المؤامرات، والصفقات السرية، واللقاءات الحاسمة، والقرارات التي يفترض أنها ستُعلن خلال ساعات.
وأتذكر في هذا السياق مساحة حوارية عربية تزامنت مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة. كان بعض المتحدثين، ومن بينهم أكاديميون ومحللون، يتحدثون بثقة كبيرة عن وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن، وعن أوراق تنتظر وصول الأمير محمد بن سلمان للتوقيع على اتفاق يتعلق بالتطبيع.
لم تكن الصياغة آنذاك تقدم الأمر بوصفه احتمالًا أو سيناريو قابلًا للنقاش، بل بدا الحديث وكأنه نقل مباشر لما يجري خلف الأبواب المغلقة. مضت الزيارة، وانتهت الساعات والأيام، ولم تظهر تلك الأوراق التي قُدمت للجمهور باعتبارها أمرًا شبه محسوم.
وهنا يبرز سؤال مهني مهم: ماذا يحدث عندما تصبح الرغبة في تفسير الحدث أسرع من الحدث نفسه؟
لا يتعلق الأمر بالسعودية أو الخليج وحدهما، وإنما بظاهرة أوسع في الإعلام الرقمي، حيث أصبحت سرعة النشر والمنافسة على جذب الانتباه تضغط أحيانًا على قواعد التثبت والتحقق. وفي بيئة كهذه، يمكن أن تتحول فرضية عابرة إلى “معلومة”
، ثم تنتقل المعلومة المفترضة من منصة إلى أخرى حتى تكتسب، بكثرة تداولها، مظهر الحقيقة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالاستنتاج المبكر قد يزاحم الحقيقة بدل أن يساعد في الوصول إليها.
التحقيق في واقعة جوية أو أمنية معقدة يحتاج إلى وقت وأدلة وفحص للمعطيات وتنسيق بين جهات متعددة. أما التحليل الذي يُقدَّم خلال الساعات الأولى، فيعتمد في كثير من الأحيان على المعلومات الأولية، وقد يتأثر بما هو متاح من روايات متضاربة أو ناقصة.
ومن المفيد لذلك التفريق بين الاهتمام المشروع بالحادثة وبين بناء استنتاجات لا تستند إلى أدلة معلنة.
سلامة الطيران وأمن الركاب شأن عام، ومن الطبيعي أن يطرح الجمهور الأسئلة وأن يبحث الإعلام عن تفسير لما حدث. لكن ما لا ينبغي فعله هو ملء الفراغ المعلوماتي باستنتاجات قطعية لا تزال الأدلة غير متوافرة لتأكيدها.
وبحسب ما هو معلن حتى الآن، فإن الواقعة تضمنت مشادة خطيرة داخل قمرة القيادة، وهبوطًا اضطراريًا، وإصابات في أفراد من الطاقم، مع سلامة الركاب بعد السيطرة على الموقف. أما دوافع ما حدث، أو أي ارتباطات سياسية أو أمنية محتملة، فهي أمور لا ينبغي حسمها إعلاميًا قبل أن تقول التحقيقات كلمتها.
في النهاية، لا تحتاج الحوادث الحساسة إلى عشرات الروايات التي تتنافس على السبق بقدر حاجتها إلى رواية واحدة موثقة عندما تكتمل الأدلة.
فالخبر يمكن أن ينتظر، والتحليل يمكن أن يتأنى، أما الحقيقة فلا ينبغي أن تُجبر على اللحاق بسرعة منصات التواصل.
أما الخيال السياسي، فقد أثبت في أكثر من مناسبة أنه أسرع من الطائرة في الإقلاع.. وأضعف منها بكثير في الهبوط .




