في كلِّ عام، ومع اقتراب موسم الحج، تتحول المملكة العربية السعودية إلى لوحةٍ إيمانيةٍ مهيبة تتجلى فيها معاني الخدمة والعطاء والتجرد لله.
بلادٌ اختارها الله لتكون مهبط الوحي، وحاضنة الحرمين الشريفين، ومقصد ملايين المسلمين من شتى بقاع الأرض وكأن الآية الكريمة تتنزل على واقعها عامًا بعد عام:
﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
فما تقدمه السعودية للحجاج لا يمكن اختصاره في خدماتٍ لوجستيةٍ فحسب، بل هو مشروعٌ إنسانيٌّ وروحيٌّ ضخم، تشترك فيه الدولة والشعب معًا، من أعلى هرم القيادة حتى أصغر متطوع يقف تحت حرارة الشمس مبتسمًا وهو يقدم كأس ماءٍ بارد لحاجٍ أنهكه السفر.
في موسم الحج، تتجند مؤسسات الدولة بكامل طاقتها؛ الجنود الضباط، رجال الأمن، الأطباء الممرضون، الكشافة والمتطوعون، كلهم يتحركون بروحٍ واحدة: “شرف خدمة ضيوف الرحمن ”.
ترى رجل الأمن يترك راحته لينظم حركة ملايين البشر بصبرٍ وأدب وترى الجندي يحمل شيخًا مُسنًا بين الزحام، وترى الطبيب يسهر الليالي في المشاعر المقدسة ليطمئن على صحة الحجاج، وكأن الجميع في سباقٍ نحو الأجر.
ولعل أعظم ما يلفت النظر في الحج هو ذلك الشعب الذي يذوب في خدمة القادمين إلى بيت الله.
فالسعوديون، بمختلف طبقاتهم يفتحون قلوبهم قبل أيديهم .. يتسابقون في تقديم الصدقات والزكوات، ويوزعون الطعام والعصائر والألبان والحلويات
بلا مقابل، ابتغاء وجه الله وحده.
موائد ممتدة، ووجبات فاخرة تُقدَّم مجانًا، وعبوات ماء باردة تُوزَّع في الطرقات، وتمرٌ وقهوةٌ عربيةٌ تُهدى للحجيج بمحبةٍ خالصة، حتى يشعر الزائر أنه بين أهله لا في بلدٍ غريب.
ومن أعظم صور الكرم الإنساني والإسلامي، استضافة الحجاج على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حيث يُستضاف سنويًا آلاف الحجاج من مختلف دول العالم من أسر الشهداء، والعلماء، وكبار السن، والمسلمين الذين حالت ظروفهم دون أداء الفريضة.
فيأتون إلى الأراضي المقدسة مكرمين، تُهيأ لهم الرحلات والإقامة والرعاية الكاملة، في مشهدٍ يجسد معنى أن تكون خدمة الإسلام والمسلمين رسالةً تتجاوز الحدود والجغرافيا.
وفي الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، تبدو معجزة التنظيم والنظافة حاضرةً في كل زاوية.
آلاف العمال والفرق الميدانية يعملون على مدار الساعة لتنظيف الساحات، وتعقيم الممرات وتهيئة الأماكن لاستقبال هذا العدد الهائل من البشر.
ورغم ملايين الأقدام التي تعبر المكان كل يوم، يبقى الحرم نظيفًا مهيبًا، تفوح منه رائحة الطهر والسكينة.
أما مشاهد استقبال الحجاج، فهي وحدها كفيلة بأن تُبكي القلب.
ورودٌ تُقدَّم بابتساماتٍ صادقة
وماء زمزم يُوزَّع بسخاء، وكلمات الترحيب تتكرر بلغات العالم كافة في صورةٍ تختصر معنى الكرم الإسلامي الحقيقي.
لا يسأل أحدٌ الحاج عن جنسيته أو لونه أو لغته؛ الجميع هنا
“ضيوف الرحمن”
وهذه الصفة وحدها تكفي ليُعاملوا بأقصى درجات الإكرام.
ومع هذا المشهد الإنساني العظيم، يبقى الامتنان حاضراً لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمين محمد بن سلمان آل سعود، على ما يقدمونه من رعايةٍ واهتمامٍ بحجاج بيت الله الحرام، وعلى الطريقة الكريمة التي استُقبل بها حجاج وطني السودان.
فذلك الإكرام الصادق لا يبدو تصنعًا ولا واجبًا بروتوكوليًا، بل شعورٌ نابعٌ من الداخل، تحمله القلوب قبل الأيادي، ويترجمه حسن الاستقبال، ولين المعاملة والحرص على راحة الحجيج في كل خطوة.
إن ما تقوم به السعودية في موسم الحج ليس مجرد واجبٍ إداري، بل رسالةٌ عظيمة تحملها دولةٌ وشعب، اختارهما الله لخدمة أطهر بقاع الأرض.
وفي كل موسم حج، يثبت السعوديون أن خدمة الحرمين ليست وظيفة، بل عقيدةٌ ومحبة وشرفٌ يتوارثونه جيلاً بعد جيل.
أ، ريان الجعفري
كاتبة من السودان





