عاجلمقالات رئيس التحرير

كيف اغتال صدام حسين العراق وكيف يدفع الشعب العراقي الضريبة حتى اليوم !!

القاهرة / سامي العثمان

نصف مليون عراقي ضحايا نظام صدام حسين… من مآسي الداخل إلى كوارث الحروب

تضع شهادة الدكتور حميد عبد الله، المؤرخ والإعلامي العراقي، بشأن إعدام نصف مليون عراقي على يد صدام حسين، واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي الحديث قسوة في صدارة النقاش. فالرقم الذي يورده الدكتور يفتح بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة نظام جعل الخوف أداة للحكم، وحوّل حياة المواطنين إلى رهينة للولاء السياسي والاشتباه والمعارضة. ولا تقف دلالة هذه الشهادة عند عدد الضحايا وحده؛ فخلف كل اسم إنسان له أسرة وذكريات وأحلام، وخلف كل أسرة غياب ترك أثرًا لا تمحوه السنوات بسهولة. لقد عاش العراق عقودًا شهدت صراعات داخلية وحروبًا خارجية وقرارات سياسية دفعت البلاد والمنطقة إلى خسائر جسيمة. ومن هنا لا بد من النظر إلى ما جرى بوصفه مأساة إنسانية وسياسية متشابكة، لا مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية. إن استحضار شهادة الدكتور حميد عبد الله يضع مسؤولية الحكم وحرمة الدم في قلب الحكاية، ويدعونا إلى تأمل ما أصاب العراقيين، ثم ما امتدت إليه آثار السياسات نفسها من شعوب عربية مجاورة. فالتاريخ لا يكتمل بذكر الحكام وقراراتهم، بل بإنصاف من دفعوا ثمنها.

كان القمع السياسي أحد أبرز ملامح حكم صدام حسين، إذ واجه النظام خصومه ومخالفيه بأجهزة أمنية شديدة البطش، وبممارسات جعلت الخوف حاضرًا في الحياة اليومية. وفي مثل هذه الأجواء لا تقتصر المعاناة على من يتعرض للاعتقال أو الإعدام؛ فهي تمتد إلى أسرته وأصدقائه وكل من يخشى أن يصبح هدفًا بسبب رأي أو صلة أو اشتباه. وقد وجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى الصمت، بينما عاش آخرون قلقًا دائمًا على مصير أبنائهم وأقاربهم. وفي ضوء شهادة الدكتور حميد عبد الله بشأن إعدام نصف مليون عراقي، تبدو مأساة الضحايا أوسع من أن تختزل في رقم، مهما كانت فداحته. فالأرقام تمنحنا تصورًا عن الحجم، لكنها لا تنقل وحدها وجع أم فقدت ابنها، أو طفل نشأ بعيدًا عن أبيه، أو أسرة بقي مصير أحد أفرادها مجهولًا. كما يترك القمع أثرًا طويلًا في المجتمع، إذ يضعف الثقة بالمؤسسات ويجعل المواطن يخشى الدولة بدل أن يجد فيها حماية لحقوقه. وتظل مساءلة السلطة عن حماية الحياة والكرامة شرطًا أساسيًا لفهم هذه المرحلة وتجنب تكرار مآسيها.

لا تنتهي آثار الإعدام عند لحظة تنفيذ الحكم، بل تبدأ بعدها رحلة طويلة من الفقد والأسئلة والحرمان. فالعائلة التي تفقد أحد أفرادها قد تخسر معه مصدر رزقها وسندها، وقد تبقى سنوات تبحث عن معلومة مؤكدة أو مكان دفن أو تفسير لما جرى. وفي مناخ الخوف، يصبح الحديث عن الضحايا أمرًا بالغ الصعوبة، وقد تضطر الأسر إلى إخفاء حزنها أو تجنب المطالبة بحقوقها خشية الانتقام. ولهذا فإن تناول الرقم الذي أورده الدكتور حميد عبد الله بشأن إعدام نصف مليون عراقي ينبغي أن يقود إلى استحضار البشر الذين يقفون خلفه، لا إلى التعامل معه كعنوان صادم فحسب. فكل ضحية كانت جزءًا من بيت ومجتمع، وكان لها مستقبل حُرمت منه، وترك غيابها فراغًا في حياة من عرفوها. كما أن الخوف المتراكم يغيّر سلوك المجتمع، ويزرع الشك ويحد من المشاركة العامة ويضعف إمكان بناء حياة سياسية سليمة. إن الاعتراف بآلام الضحايا ليس دعوة إلى الانتقام، بل خطوة نحو فهم ما وقع، وصون الذاكرة، والتأكيد أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة يجب ألا يخضعا لمزاج الحاكم أو حساباته.

ومن أكثر الوقائع قسوة في تاريخ العراق الحديث حملة الأنفال التي استهدفت الأكراد في شمال البلاد، وما صاحبها من قتل وتهجير وتدمير قرى، فضلًا عن مأساة حلبجة عام 1988، حين قُتل مدنيون في هجوم كيميائي مروّع. وتكشف هذه الأحداث عن اتساع دائرة العنف، وعن وصولها إلى جماعات سكانية ومناطق بأكملها، بما فيها النساء والأطفال وكبار السن الذين لا ذنب لهم في الصراعات السياسية. ولم تكن الخسارة مقتصرة على الأرواح؛ فقد فقدت عائلات بيوتها وأراضيها، وتشتتت مجتمعات، وبقيت آثار الصدمة حاضرة في الذاكرة العراقية. وعندما تُقرأ هذه المآسي إلى جانب شهادة الدكتور حميد عبد الله بشأن الإعدامات، تتضح صورة حكم ارتبطت به أشكال متعددة من القمع والعنف. ولكل واقعة ظروفها ومسؤولياتها، لكن جمعها في سياق تاريخي واحد يساعد على فهم حجم المعاناة التي أصابت العراقيين. كما يذكّر بأن حماية المدنيين ليست تفصيلًا ثانويًا في أي نزاع، بل واجب لا يجوز أن تسقطه الحسابات الأمنية أو السياسية. وتظل ذاكرة الضحايا جزءًا من ذاكرة العراق، وحقهم في الإنصاف واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا.

اندلعت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 واستمرت ثماني سنوات، واستنزفت البلدين في واحدة من أطول حروب المنطقة وأكثرها كلفة بشرية واقتصادية. فقد سقط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وعادت عائلات كثيرة إلى بيوت ينقصها أب أو ابن أو أخ، فيما تحولت موارد البلدين إلى وقود لحرب طويلة لم تحقق استقرارًا دائمًا. وعاش العراقيون التعبئة العسكرية والقلق على أبنائهم، إلى جانب القيود السياسية التي فرضها النظام في الداخل. وفي سياق هذا المقال، تكشف الحرب وجهًا آخر من وجوه الثمن الذي دفعه المجتمع العراقي في عهد صدام حسين. فشهادة الدكتور حميد عبد الله تركز على ضحايا الإعدامات، بينما تذكّر الحرب بآلاف الأسر التي فقدت أبناءها في الجبهات أو عاشت سنوات من الانتظار والخوف. ومن الضروري التمييز بين الإعدام السياسي والقتل في ميدان القتال، لأن لكل منهما ظروفه ومسؤوليته، لكن كليهما يترك جرحًا عميقًا في حياة الأسر والمجتمع. ولم تكن الخسائر مجرد أرقام في تقارير عسكرية؛ بل كانت أعمارًا توقفت، وأحلامًا انقطعت، وموارد أُهدرت كان يمكن أن تسهم في التعليم والصحة والتنمية. وهكذا أصبحت الحرب فصلًا ثقيلًا في تاريخ العراق الحديث.

وكان العراق مقصدًا لعدد كبير من المصريين وغيرهم من العرب الذين سافروا للعمل وكسب الرزق وتحسين أحوال أسرهم. فقد عملوا في مجالات مختلفة، وابتعدوا عن بيوتهم على أمل أن يعودوا بما يضمن حياة أفضل لأبنائهم. غير أن الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من اضطراب ومخاطر جعلت حياة المقيمين والوافدين أكثر صعوبة، وعرّضت بعضهم لمصائر مؤلمة. ويتضمن هذا المحور ما يتعلق بمصريين ذهبوا إلى العراق في تلك المرحلة، ثم أُعيدت جثامين بعضهم إلى وطنهم. وتكشف هذه الصورة أن الحروب لا تحصر ضحاياها في جنود الدول المتقاتلة؛ فقد تمتد آثارها إلى العمال والمهنيين والمقيمين الذين وجدوا أنفسهم وسط صراع لم يختاروه. وحين تصل الجثامين إلى مصر، لا تكون الخسارة خبرًا عابرًا، بل مأساة تدخل بيوتًا كانت تنتظر عودة الأب أو الابن. إن احترام ذكرى هؤلاء يقتضي ألا يُختزلوا في أرقام أو إشارات سريعة، فهم أناس سافروا طلبًا للعيش الكريم، وكانت لهم عائلات تنتظرهم. وبذلك تتسع دائرة المعاناة لتشمل شعوبًا عربية ربطتها بالعراق علاقات عمل وجوار ومصالح إنسانية، ثم دفعت بعض أسرها ثمنًا موجعًا للحرب.

في الثاني من أغسطس عام 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت، في قرار مثّل اعتداءً على سيادة دولة عربية مستقلة وأدخل المنطقة في أزمة خطيرة. وتعرض الكويتيون خلال الاحتلال للخوف والاضطراب والانتهاكات، وفقدت البلاد أمنها واستقرارها، بينما تصاعدت المواجهة الدولية حتى اندلعت حرب عام 1991 لإخراج القوات العراقية. ولم يكن الغزو مجرد خلاف سياسي بين حكومتين، بل انتهاكًا لحق شعب في تقرير مصيره والعيش في وطن آمن. كما دفع العراق نفسه ثمنًا باهظًا للقرار؛ إذ واجه الحرب والدمار والعزلة والعقوبات وتداعيات اقتصادية واجتماعية استمرت آثارها سنوات. ويأتي غزو الكويت ضمن السياق الأوسع للسياسات التي جعلت المنطقة تدفع أثمانًا متراكمة، إلى جانب القمع الداخلي والحرب العراقية الإيرانية. ولا يجوز أن تُستخدم معاناة العراقيين لتبرير ما أصاب الكويتيين، كما لا ينبغي أن يؤدي إدانة الغزو إلى تجاهل ضحايا النظام داخل العراق. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بآلام الشعوب جميعًا، مع تحديد المسؤوليات بوضوح. وقد أظهرت الأزمة أن قرارًا واحدًا تتخذه سلطة منفردة قادر على تعريض الملايين للخطر، وأن احترام سيادة الدول ليس شعارًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية المدنيين ومنع الحروب.

لم تتوقف تداعيات غزو الكويت عند حدود الكويت والعراق، بل امتدت إلى السعودية ودول الخليج وسائر المنطقة العربية. فقد أثار الغزو مخاوف من اتساع المواجهة وتهديد أمن دول أخرى، وأصبحت السعودية في قلب ترتيبات أمنية وعسكرية هدفت إلى احتواء الخطر ومنع امتداده. ثم جاءت حرب عام 1991 لتفتح مرحلة جديدة من الاضطراب الإقليمي، وتزيد التوتر بين الدول وتفرض أعباء كبيرة على الاقتصادات والمجتمعات. وتكشف هذه التطورات عن خطورة القرارات التي تتخذها السلطة حين تقدم المغامرة العسكرية على حساب أمن الشعوب والجوار. فالحرب لا تنحصر في ميدان القتال؛ بل تخلّف نفقات ضخمة، وتعطل التجارة والتنمية، وتزرع المخاوف التي قد تستمر طويلًا بعد توقف المعارك. وإذا كانت شهادة الدكتور حميد عبد الله بشأن ضحايا القمع العراقي تضع الإنسان في مركز الاهتمام، فإن أحداث الكويت وما تبعها توسع الصورة لتشمل آثار السياسات الإقليمية على شعوب أخرى. ولا يعني ذلك مساواة الوقائع المختلفة أو تجاهل اختلاف المسؤوليات، بل فهم ترابطها والنتائج التي تنتج عن تجاهل القانون ومصالح المدنيين. لقد أظهرت تلك المرحلة أن أمن المنطقة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل باحترام السيادة وحسن الجوار وتجنب القرارات التي تجر الشعوب إلى كوارث لا تريدها.

تكشف أحداث تلك العقود عن بلد تحمل شعبه أعباء متتابعة: قمع وإعدامات في الداخل، وحملات عنف وتهجير، وحرب طويلة مع إيران، ثم غزو الكويت وما تبعه من مواجهة عسكرية وأزمات اقتصادية وسياسية. ولا يصح اختزال العراق في هذه المآسي وحدها؛ فهو بلد عريق وشعب صاحب تاريخ وثقافة وإسهامات كبيرة. لكن فهم ما أصابه يتطلب مواجهة الوقائع المؤلمة والاعتراف بمن دفعوا ثمنها. وتظل شهادة الدكتور حميد عبد الله بشأن إعدام نصف مليون عراقي هي نقطة الانطلاق في هذا المقال، لأنها تضع ضحايا الداخل في مقدمة المشهد وتثير أسئلة المسؤولية والعدالة. كيف تُصان حياة المواطن؟ وكيف تُمنع أجهزة الدولة من التحول إلى أدوات للقمع؟ وكيف تُحاسب السلطة حين تجر البلاد إلى حروب تخلّف القتلى والجرحى والمشردين؟ لا تأتي الإجابة من الأرقام وحدها، بل من حفظ الشهادات والذاكرة، ومن دراسة الأحداث بما يميز بين المسؤوليات ويصون كرامة المتضررين. إن التاريخ الذي يقتصر على أسماء الحكام والمعارك يظل ناقصًا إذا غابت عنه أصوات الأسر التي فقدت أبناءها، والمدن التي دُمرت، والمجتمعات التي تشتتت. ومن هنا يصبح إنصاف الضحايا ضرورة لفهم الماضي، لا مجرد موقف عاطفي تجاهه.

إن استحضار شهادة الدكتور حميد عبد الله بشأن إعدام نصف مليون عراقي على يد صدام حسين يفتح نافذة على مرحلة ثقيلة من تاريخ العراق والمنطقة. فالقمع الداخلي والحرب العراقية الإيرانية وما أصاب بعض المصريين الذين عاشوا في العراق، ثم غزو الكويت وتهديد أمن السعودية، ملفات تكشف كيف يمكن لقرارات السلطة أن تتجاوز أثرها المباشر لتصيب شعوبًا وأجيالًا كاملة. ولكل واقعة ظروفها ومسؤولياتها، غير أن المدنيين والعائلات كثيرًا ما دفعوا ثمن خيارات لم يشاركوا في صنعها. ومن المهم أن تُروى هذه الوقائع بلغة تحفظ كرامة الضحايا وتوضح حجم المأساة من دون أن تحول معاناة الشعوب إلى ذريعة للكراهية أو الانتقام. فالشعب العراقي ليس مسؤولًا عن كل ما ارتكبه النظام، كما أن الشعب الكويتي والمصريين وسائر المتضررين يستحقون الاعتراف بما أصابهم. وتظل الشهادات الشخصية جزءًا مهمًا من الذاكرة، لأنها تذكّر بأن وراء الأحداث أفرادًا لهم أسماء وبيوت وأحلام. إن الدرس الأبرز من تلك المرحلة أن حياة الإنسان وكرامته يجب أن تتقدما على بقاء الحاكم ومغامراته، وأن الأمن الحقيقي لا يقوم على القمع أو العدوان، بل على العدل واحترام الحقوق وسيادة الدول. وبذلك تصبح الذاكرة دعوة إلى التعلم من الماضي، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار المآسي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى