عاجلمقالات
أخر الأخبار

اما آن الأوان يا عرب أن نتوحد

بقلم الدكتور موسى أباظة التميمي

أما آن الأوان يا عرب؟

أما آن لهذا الوطن الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج أن يستعيد وعيه بذاته وأن يدرك أن قوته ليست في كثرة دوله ولا في اتساع حدوده فقط وإنما في وحدته وتماسكه وقدرته على أن يتحدث بصوت واحد عندما تتعرض مصالحه وأمنه ومستقبل شعوبه للخطر؟

أما آن الأوان أن ننتقل من الحديث عن الوحدة العربية باعتبارها حلمًا جميلًا إلى التعامل معها باعتبارها ضرورة تاريخية وأمنية واقتصادية وإنسانية؟

لقد أثبتت السنوات والعقود أن الأمة التي تتفرق في لحظة الخطر تدفع ثمن تفرقها أجيالًا كاملة

وأثبت التاريخ أيضًا أن العرب حين يجتمعون حول هدف واحد يستطيعون أن يصنعوا المعجزات

فلماذا نبقى متفرقين ونحن نملك كل مقومات القوة؟

نحن أمة تملك الأرض والثروات والموقع الجغرافي الاستراتيجي والطاقات البشرية والعقول والكفاءات والجيوش والاقتصادات والأسواق والممرات البحرية والمصادر الطبيعية والحضارة والتاريخ.

لكن السؤال المؤلم هو

أين الإرادة المشتركة التي تجمع كل هذه الإمكانات في قوة واحدة؟

إننا لا ندعو إلى إلغاء الدول العربية ولا إلى المساس بسيادة أي دولة أو خصوصيتها

بل ندعو إلى مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تقوم على التكامل لا الإلغاء وعلى الشراكة لا التبعية وعلى القوة الجماعية التي تحمي الجميع دون أن تهدد أحدًا

لقد سبق للعرب أن وضعوا أساسًا قانونيًا لهذا المفهوم.

فمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة في القاهرة عام 1950 قررت مبدأ التعاون في الدفاع المشترك ونصت على أن العدوان على دولة متعاقدة يُعامل باعتباره موجهًا إلى الدول المتعاقدة جميعًا كما تضمنت أحكامًا للتنسيق العسكري وتوحيد الخطط الدفاعية عند تعرض الأمن للخطر

إذن الفكرة ليست جديدة

ولكن الذي ينقصنا هو الإرادة السياسية وآليات التنفيذ

نريد أن نرى يومًا يكون للعرب فيه مفهوم موحد للأمن القومي العربي

نريد منظومة دفاع عربية مشتركة

نريد تنسيقًا حقيقيًا بين الجيوش العربية

نريد تدريبات ومناورات مشتركة

نريد منظومة موحدة للإنذار المبكر وحماية الحدود والممرات البحرية والأمن السيبراني

نريد أن يصبح الاعتداء على أي دولة عربية قضية عربية مشتركة تُناقش وتُعالج ضمن مؤسسات واضحة ومتفق عليها

ونريد قبل كل ذلك أن تكون هناك إرادة عربية واحدة

ليس المطلوب أن يرفع العرب راية حرب

بل المطلوب أن يرفعوا راية السلام والقوة والكرامة والسيادة

فالسلام الذي لا تحميه قوة سياسية واقتصادية ودفاعية متماسكة يبقى أمنية

والدولة التي لا تملك عمقًا استراتيجيًا مع أشقائها تبقى أكثر تعرضًا للضغوط

أما الأمة التي تتكامل دولها وشعوبها واقتصاداتها وقدراتها الدفاعية فإنها تستطيع أن تحمي مصالحها وأن تتحدث مع العالم من موقع الندية والاحترام

 

يا عرب

لقد تعبنا من الحدود التي تفصل القلوب قبل أن تفصل الأرض

تعبنا من الخلافات التي تجعل الأخ ينظر إلى أخيه باعتباره منافسًا بدل أن يراه سندًا

تعبنا من استنزاف طاقاتنا في صراعات داخلية بينما العالم من حولنا يبني تكتلات اقتصادية وسياسية وعسكرية ضخمة

تعبنا من أن يكون القرار العربي في كثير من الأحيان متفرقًا بينما التحديات التي تواجهنا لا تعترف بالحدود

آن الأوان أن نفكر بعقل الأمة لا بعقل الدولة وحدها

لدينا دولنا وعواصمنا وحكوماتنا وجيوشنا وهذا واقع يجب احترامه

لكن فوق كل ذلك هناك مصالح مشتركة وأمن مشترك وتاريخ مشترك ولغة مشتركة ومستقبل مشترك

ولذلك فإن الوحدة التي ننشدها ليست ذوبانًا للدول وإنما اتحادًا في المصالح والقرار الاستراتيجي

قد تبدأ الوحدة العربية من الاقتصاد

ومن الدفاع المشترك

ومن الأمن الغذائي

ومن الطاقة

ومن التكنولوجيا

ومن التعليم والبحث العلمي

ومن الإعلام

ومن حرية انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات

ومن ربط الموانئ والطرق والسكك الحديدية

ومن بناء سوق عربية واسعة تستطيع أن تنافس الأسواق والتكتلات الكبرى

ثم يأتي بعد ذلك ما هو أعمق وأقوى

وحدة الإرادة

أيها العرب

لا نريد جيشًا عربيًا موحدًا ليحارب أحدًا

نريده جيشًا عربيًا قادرًا على حماية الأرض العربية وردع العدوان وحفظ الأمن والسلام

ولا نريد اقتصادًا عربيًا موحدًا لإقصاء الآخرين

نريده اقتصادًا عربيًا قويًا يحقق الرفاه لشعوبنا ويمنح دولنا استقلالًا أكبر في قراراتها

ولا نريد وحدة عربية ضد شعوب أو أمم أخرى

نريدها وحدة من أجل الإنسان العربي ومن أجل الاستقرار والسلام والتنمية والكرامة

لقد أكدت بيانات عربية حديثة أهمية التضامن والتكامل والعمل العربي المشترك وربطت بين الأمن والاستقرار والتعاون الاقتصادي والتنمية

وهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي

متى ننتقل من البيانات إلى التنفيذ؟

متى تصبح لدينا مؤسسات عربية قادرة على تنفيذ القرارات؟

متى يكون هناك تخطيط استراتيجي عربي لعشر سنوات وعشرين سنة؟

متى نضع مصلحة الأمة فوق الخلافات الصغيرة؟

متى ندرك أن اختلاف الحكومات لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين الشعوب؟

ومتى نفهم أن مصر ليست وحدها

والعراق ليس وحده

والسعودية ليست وحدها

وسوريا ليست وحدها

والأردن ولبنان وفلسطين ودول الخليج والمغرب العربي والسودان واليمن والصومال وجزر القمر وموريتانيا وجيبوتي ليست وحدها

كلنا وطن عربي واحد في المصالح والمصير

قد تختلف الأنظمة والسياسات

وقد تختلف الرؤى والاجتهادات

لكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي العربي وكرامة الإنسان العربي ومستقبل الأجيال القادمة يجب أن تكون هناك مساحة واسعة نتفق فيها

يا أبناء الأمة العربية

إن الأجيال القادمة لن تسألنا فقط ماذا ورثنا من الأرض والثروات

بل ستسألنا

ماذا فعلتم بهذه القوة؟

هل تركتم العرب متفرقين؟

أم وضعتم الأساس لأمة قوية متماسكة تعرف كيف تحمي نفسها وتصنع مستقبلها؟

إن التاريخ لا ينتظر أحدًا

والعالم لا ينتظر المترددين

والقوة اليوم ليست في السلاح وحده

القوة في الاقتصاد

وفي العلم

وفي التكنولوجيا

وفي الإعلام

وفي وحدة القرار

وفي الإنسان

وفي القدرة على حماية الأمن الوطني والقومي معًا

لذلك أقولها من القلب

آن الأوان يا عرب أن نتوحد

آن الأوان أن نمد أيدينا لبعضنا بدل أن نبحث عن نقاط الخلاف

آن الأوان أن نبني جسرًا بين القاهرة والرياض اغلى البلاد وبغداد السلام ودمشق وعمّان وبيروت والقدس والدوحة وأبوظبي ومسقط والكويت والمنامة وصنعاء والخرطوم وطرابلس وتونس والجزائر والرباط ونواكشوط ومقديشو وسائر العواصم العربية

آن الأوان أن تكون لنا راية جامعة تعبّر عن إرادتنا المشتركة

وأن تكون لنا منظومة دفاع عربية مشتركة تحمي أوطاننا ولا تعتدي على أحد

وأن يكون لنا اقتصاد عربي متكامل

وأن يكون لنا قرار عربي مسموع

وأن يكون لنا مستقبل عربي يصنعه العرب بأنفسهم

فليس عيبًا أن نحلم بالوحدة

العيب أن نملك كل مقوماتها ثم نستسلم للفرقة

وليس مستحيلًا أن يتوحد العرب

المستحيل الحقيقي هو أن تستمر أمة تملك كل هذه الإمكانات في التعامل مع نفسها وكأنها جزر منفصلة لا يجمعها مصير

يا عرب

لن يوحدنا أحد إذا لم نوحد أنفسنا

ولن يحمي مصالحنا أحد إذا لم نمتلك القدرة على حمايتها

ولن يصنع مستقبل أبنائنا أحد إذا لم نبدأ نحن بصناعته

فلنضع أيدينا في أيدي بعض

ولنختلف كما نشاء في التفاصيل، لكن لنتفق على الثوابت

ولنجعل من اختلافنا تنوعًا لا انقسامًا

ومن قوتنا حماية لا عدوانًا

ومن وحدتنا سلامًا لا حربًا

ومن تاريخنا المشترك مستقبلًا مشتركًا

آن الأوان يا عرب

أن نستيقظ

أن نتوحد

أن نبني

أن نحمي

أن ننهض

وأن نكتب بأيدينا فصلًا جديدًا من تاريخ أمةٍ طال انتظارها للحظة التي تقول فيها للعالم كله:

نحن مختلفون في أوطاننا… ولكننا متحدون في مصيرنا

ونحن شعوب متعددة… ولكن لنا قلب عربي واحد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى