عاجلمقالات
أخر الأخبار

غزة تغيّر موازين العالم حين بدأ الصمت الدولي ينكسر

بقلم الدكتور موسى أباظة التميمي

لم تعد غزة مجرد عنوان في نشرات الأخبار ولا مجرد ملف دبلوماسي يتنقل بين أروقة الأمم المتحدة والعواصم الكبرى، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم ولقدرة المجتمع الدولي على حماية القانون الدولي عندما تكون حياة المدنيين هي الثمن.

وفي الأيام الأخيرة بدا أن نبرة المواقف الدولية تجاه ما يجري في غزة أخذت منحى أكثر وضوحًا وحزمًا.

ففي الأمم المتحدة وجّه رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام رسالة شديدة الوضوح بشأن الوضع في غزة. فقد أكد أن الهجوم الذي شنته حماس في السابع من أكتوبر 2023 كان مرفوضًا بشدة وأن بريطانيا تدين حماس وتهديداتها لإسرائيل، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يبرر الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

وقال إن أعدادًا كبيرة من المدنيين لقوا حتفهم بينهم أطفال وإن المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة غير كافية وإن المعاناة استمرت فترة طويلة جدًا. كما أعلن عن إجراءات بريطانية شملت حظر التجارة في السلع القادمة من المستوطنات غير القانونية وفرض عقوبات على المشاركين في إنشاء المستوطنات هنا تكمن أهمية التحول

فالمسألة لم تعد مجرد بيانات سياسية أو عبارات دبلوماسية قابلة للتأويل، وإنما بدأت بعض الحكومات تربط مواقفها السياسية بإجراءات عملية تمس العلاقات التجارية والسياسات المرتبطة بالمستوطنات

وهذا تطور يستحق التوقف عنده

وفي الاتجاه نفسه جاء خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عبّر عن قلق شديد إزاء الوضع الإنساني في غزة وانتقد الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية ودعا إلى التمسك بالقانون الدولي وبمنظومة الأمم المتحدة⁠
إن العالم يتغير أمام أعيننا

والأهم من ذلك أن قضية فلسطين لم تعد محصورة في الإطار العربي أو الإسلامي وإنما أصبحت واحدة من أكثر القضايا حضورًا في النقاش الدولي حول القانون الدولي وحقوق المدنيين ومستقبل النظام العالمي

لقد أثبتت غزة أن المشهد السياسي الدولي لم يعد كما كان

فكلما اتسعت دائرة الضحايا واتسعت الأزمة الإنسانية اتسعت معها الضغوط السياسية والدبلوماسية على الحكومات التي تتعامل مع هذا الملف

وفي المقابل فإن إسرائيل ترفض بشدة الاتهامات الموجهة إليها وتؤكد أن حربها تستند إلى حقها في الدفاع عن نفسها بينما يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الدفاع عن سياسات حكومته أمام المجتمع الدولي وقد ظهر ذلك بوضوح في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تكون الصورة واضحة

المجتمع الدولي أمام اختبار تاريخي

فالحديث عن حل الدولتين لا يمكن أن يبقى شعارًا يتكرر في المؤتمرات بينما تتواصل الوقائع التي تهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة

ولهذا حذرت الحكومة البريطانية من أن مشروع التوسع الاستيطاني في منطقة E1 يمكن أن يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وربطت موقفها بإجراءات ملموسة ضد المستوطنات والمشاركين في بنائها ما الشعوب العربية والإسلامية، فقد أثبتت خلال هذه الأزمة أنها لم تفقد اهتمامها بالقضية الفلسطينية وأن صور الأطفال والنساء والدمار والمعاناة الإنسانية في غزة تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة لتصل إلى الرأي العام العالمي

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام

الإعلام العربي أمام مسؤولية تاريخية لا يجوز أن يتعامل معها بمنطق الخبر العابر

المطلوب إعلام مهني قوي يوثق الأحداث ويحفظ ذاكرة الشعوب ويضع الوقائع أمام الرأي العام الدولي بلغة مسؤولة وحجج موثقة بعيدًا عن المبالغة التي تضعف القضية وبعيدًا عن الصمت الذي يترك الحقيقة رهينة للروايات المتضاربة

لقد أصبحت معركة غزة أيضًا معركة على الرواية وعلى الوعي وعلى الحق في إيصال الحقيقة إلى العالم.

وإذا كان العالم قد بدأ يرفع صوته بصورة أكبر تجاه المأساة الإنسانية في غزة فإن الخطوة الأهم هي أن تتحول المواقف إلى حماية فعلية للمدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية واحترام القانون الدولي والعمل الجاد من أجل وقف الحرب وفتح الطريق أمام حل سياسي عادل ودائم

غزة لا تحتاج إلى مزيد من الخطب فقط غزة تحتاج إلى أفعال

والتاريخ لا يسجل فقط من تحدث في الأزمات بل يسجل أيضًا من امتلك الشجاعة السياسية لاتخاذ موقف عندما أصبح الصمت أثقل من أن يحتمل

إن ما يجري اليوم في أروقة الأمم المتحدة والعواصم الكبرى يؤكد أن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة من النقاش الدولي

وقد يكون السؤال الأكبر الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس

ماذا قال العالم عن غزة؟

بل ماذا فعل العالم من أجل غزة؟

وهنا تحديدًا سيكون الامتحان الحقيقي للعدالة الدولية وللنظام الدولي وللضمير الإنساني

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى