بقلم / د. علاء رزق
رئيس المنتدى الإستراتيجي للتنمية والسلام
تزايد الحديث خلال الفترة الماضية حول عبء الديون السيادية الخارجية للدولة، وشهدت المناقشات طرح خيار إعادة هيكلة الديون. وللعلم فإنه لا توجد دولة خالية تماماً من الدين الخارجي بشكل مطلق ودائم، حيث تتبادل الدول والإقتصادات الإقتراض والإقراض بإستمرار كجزء من النظام المالي العالمي، ويأتي على رأس هذه الإقتصاديات الإقتصاد الأمريكي، حيث تجاوز إجمالي الدين العام له حاجز 40 تريليون دولار لأول مرة في التاريخ في أغسطس 2026، وهو يعادل 140% من الناتج المحلى الإجمالي. ويحدثنا التاريخ أنه توجد دول قامت بسداد ديون محددة بالكامل أو التخلص من مديونيات ضخمة لمؤسسات دولية، ويأتي على رأس هذه الدول دولة فنلندا ،والتى سددت ديونها بالكامل من خلال خطط تحول إقتصادي، وهي الدولة الوحيدة التي حققت هذا الإنجاز التاريخي مرتين في القرن العشرين.ورغم ذلك فإن فنلندا لا تعيش حالياً بدون ديون سيادية، بل يبلغ دينها العام حوالي 50% من ناتجها المحلي الإجمالي نتيجة لظروف الإقتصاد الحديث الملىء بالتشظى وعدم اليقين.ومع ذلك، فإن سمعتها كدولة “تسدد ديونها بالكامل” تعود إلى محطتين تاريخيتين رئيسيتين ،الأولى، عندما قامت بسداد ديون الحرب العالمية الأولى لأمريكا (أنجز عام 1976)، بعد نيلها الإستقلال، رغم تعثر كل الدول الأوروبية المدينة لأمريكا بسبب أزمة الكساد العظيم عام 1929.والثانية سداد تعويضات الحرب العالمية الثانية للإتحاد السوفيتي (أنجز عام 1952)بعد هزيمتها أمام الاتحاد السوفيتي. خلاصة التجربة الفنلندية فى سداد ديونها كان عبر التصنيع القسري السريع فقد تحولت فنلندا مجبرة من إقتصاد زراعي يعتمد على الأخشاب إلى إقتصاد صناعي هندسي متطور لتلبية الطلبات السوفيتية المعقدة. مع إنشاء لجنة مركزية لإدارة الإنتاج، وتوزيع المواد الخام، وتوسيع المصانع. وللتاريخ فقد حاولت مصر التوجه نحو تطبيق هذه الآليات عند توجهها للإنفتاح الإقتصادى عام 1974 ولكن للأسف آليات التطبيق لم تكن متوافقة مع البيئة المصرية ذات الحراك العالى بعد حرب أكتوبر 1973، والدليل على ذلك أننا لم نستطيع إنفاذ قرار رئاسى عام 1977، عكس فنلندا التى نجحت فى إعتماد سياسة التقشف المحلي وخفض الأجور بنسب تجاوزت 50% لتمويل بناء المصانع. ووفقاً لتصنيفات صندوق النقد والبنك الدوليين فإن الحدود الآمنة لمديونيات الدول تترواح بين ٣٠إلى ٥٠ ٪ من الناتج المحلي الإجمالي بما يشير إلى أن مصر نظرياً في الحدود الآمنة، عكس مثلاً الولايات المتحدة الأمريكية التى وصلت فيها النسبة إلى أكثر من 140%. لكن القضية ليست في حجم الديون على الدولة، بل في قدرة هذه الدولة على السداد، لذلك فإن الأمر يتطلب ضرورة تفعيل الهيكلة أو إعادة جدولة الديون، وذلك عبر تمديد فترات السداد، مع التخفيض في نسبة الفائدة، أو التقليل من المبلغ المدين بصفة عامة. وغالباً ما تنجح الدولة فى الوصول لإعادة هيكلة الديون عند التزامها بالإفصاح الدقيق عن حجم الديون وهيكلها لبناء الثقة مع الجهات الدائنة. مع البدء الفورى بالمحادثات مبكراً.أخيراً تطبيق سياسات لضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات دون خنق النمو الإقتصادي، مع توجيه جزء من الوفرة المالية لدعم الاستثمارات المحلية والإنتاج.وكنتيجة جوهرية لما آل إليه وضع الإقتصاد العالمي الراهن فقد حذرت مؤسسات التصنيف الدولية من مخاطر عدم سداد الديون المستحقة على بعض الدول، وبعض التقارير تحدثت أن الحكومات الأفريقية التي تمتلك كميات منخفضة من الإحتياطيات الأجنبية ستواجه مشكلة ما لم تجدد سنداتها المستحقة، وتشير الإحصائيات كذلك إلى أن هناك ٢٣٧ مليار دولار من السندات الأجنبية في الأسواق الناشئة في دائرة التعثر.الدولة المصرية تنبهت لهذه المخاطر الإقتصادية، حيث إستهدفت تخفيض العجز الكلي للموازنة العامة وتحقيق فائض أولى يخصص لخدمة وسداد الدين.كذلك إستهداف زيادة الصادرات الوطنية إلى 100 مليار دولار العام القادم، مع تشجيع الإستثمار الأجنبي المباشر والذى تعظم فى إستقبال الرئيس السيسي، رئيسة البنك الآسيوي للإستثمار في البنية التحتية، من أجل التنويع في محفظة التعاون مع البنك، بما يتناسب مع الأولويات والخطط الوطنية لا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، وبالاستناد على نجاح الدولة المصرية في تنفيذ خطوات طموحة على طريق الإصلاح الإقتصادي. وما يجب أن نؤكد عليه أن هذه المرحلة تتطلب التكاتف نحو كشط ألغام الإصلاح الهيكلى المتمثلة في التحديات والآثار الجانبية التي تواجه الإقتصاد أثناء محاولة تعديل مساره الأساسي وزيادة تنافسيته خاصة فى مرحلة ما بعد صندوق النقد الدولى، والتى يجب أن تقود نحو تحسين المناخ الإستثماري لرفع التصنيف الإئتماني للدولة. وللحديث بقية،إن شاء الله.





