عاجلمقالات

اليوم الوطني السعودي.. من قلبٍ عاش الحكاية

في اليوم الوطني السعودي لا أكتب عن وطنٍ من بعيد ولا أصف مكاناً مررت به عابرة بل أكتب من قلب إنسانة عاشت على هذه الأرض اثنين وعشرين عاماً من العمر والذكريات والوجوه والتفاصيل الصغيرة تلك التي لا تُكتب في كتب التاريخ لكنها تسكن القلب طويلاً.

أعواماً كانت كافية لأن تصبح المملكة بالنسبة لي أبعد من مجرد مكان للإقامة بل أصبحت جزء من الذاكرة وملامح من الحكاية ودفئاً يشبه البيوت التي نغادرها بأجسادنا لكنها لا تغادرنامطلقاً .

هنا عرفت معنى أن يألف الإنسان شوارع المكان وأن تحفظ الذاكرة أسماء الأحياء وملامح الوجوه العربية الأصيلة ورائحة المطر

حين يجيء إلى البر فيمتلئ

المكان بالعشب الأخضر

والخزامى والاعشاب البرية الفواحة ..

عرفت شبة الحطب في فصل الشتاء وطعم الشاي المغلي عليه في ذلك البرد النجدي العنيف ..

عرفت كيف تبدو بعض الأيام عادية حين نعيشها ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت من أجمل ما مرّ بنا.

وعرفت أيضاً أن الوطن قد يُحفظ بالحواس قبل الكلمات أن يحفظ الإنسان رائحة القهوة حين تمتزج بالهيل والزعفران وعبق التمر الحساوي والقصيمي وطعم الأقط والكليجا ودفء الكبسة والمرقوق والجريش.

في رمضان كان للمملكة مذاق آخر في الذاكرة مدافع الإفطار وأصوات الأذان وهي تتسلل إلى البيوت وموائده العامرة ورائحة القهوة العربية واجتماع الأهل والأحبة حول سفرة واحدة.

كانت ليالي رمضان تحمل شيئاً من السكينة التي لا تُنسى ثم تأتي الأعياد بفرحتها وملابسها الجديدة وزياراتها وبيوتها المفتوحة وقلوبها التي تتسع للجميع.

مازلت أحفظ تفاصيل البنوتات اليافعات حين يلبسن الدرّاعات بألوانها البراقة وتطريزاتها اليدوية الفخيمة والمخمريات بعطورها الشرقية ورائحة العود والبخور وهي تملأ البيوت والمجالس. تفاصيل صغيرة ربما لا ينتبه لها أحد لكنها بالنسبة لمن عاشها تصبح جزءاً من ذاكرة العمر.

في تفاصيل المناسبات كان للعود الملكي حضوره المهيب وللمعمول الدوسري رائحته التي تفتح أبواب الفرح والسعادة فتعود اللحظات كما لو أنها لم تغادر.

مجالس عامرة وكلمات طيبة تبدأ بالترحيب بالضيف واكرامه ..

وقلوب كريمة وبيوت تفوح منها المحبة قبل العطور.

ومن بين كل الوجوه التي مرّت في سنواتي هناك يبقى في القلب وجه امرأة لا يمكن أن تذكر السعودية في حكايتي دون أن أذكرها معها

لم تكن أمي بالميلاد لكنها كانت أماً بالاحتواء، والحنان، والحضور وبذلك النوع من المحبة التي لا تحتاج إلى نسب حتى تصبح أمومة كاملة.

كانت واحدة من أجمل الهدايا التي منحتني إياها تلك الأرض الطيبة المباركة ووجهاً من وجوهها التي

لا تزال تسكن الذاكرة.

وحين تطوفذاكرتي حول تلك السنوات أتذكرها معها وكأن بعض الأمكنة لا تحفظنا بل تحفظ لنا أشخاصاً يصبحون جزءاً من أرواحنا.

في اليوم الوطني تتوشح المملكة بالأخضر فأشعر أن هذا اللون ليس لوناً للرايات بل لون سنواتٍ تركت أثرها في القلب وحكاياتٍ امتزجت فيها رائحة المكان بطعم الحياة.

السعودية بالنسبة لي ليست حكاية تُروى عن وطن بعيد بل فصل طويل من حياتي فيها نضجت وعشت وأنجبت عيالي ودرست الجامعة وفرحت بزياراتي المتكررة للحرمين الشريفين وعفرت وجهي بكعبتها وروضة النبي القرشي محمد بن عبدالله الهاشمي صل الله عليه وسلم .

مررت فيها بأيام كثيرة وصنعت ذكريات لا تستطيع المسافات أن تمحوها.

ولأنني عشت على أرضه عمراً كاملاً أعرف أن الوطن ليس المكان الذي وُلدنا فيه فقط فقد يكون أيضاً المكان الذي احتضن سنوات كاملة من أعمارنا حتى أصبح جزءاً من تكويننا دون أن نشعر.

وفي يومها الوطني أقولها من القلب:

شكرًا للسعودية على الأعوام التي منحتني إياها وعلى الذكريات التي تركتها في روحي وعلى كل رائحة وطعم وصوت ووجه جعل من هذه الأرض جزءاً من هويتي وحكايتي.

 

شكراً لرمضاناتها التي ما زالت عالقة في الروح ولأعيادها التي حملت الفرح إلى البيوت ولدرّاعاتها ومخمرياتها وعطورها وبخورها وللقهوة التي كان لها في المجالس نفسٌ وونس ..

شكراً لكلمات طيبة ولوجوهٍ كريمة ولنفوس عزيزة ولإرث إسلامي عظيم حُفر مبكراً في تفاصيلي.

 

كل عام والمملكة العربية السعودية ترفل في ثياب العز والسؤدد ..

وكل عام وأرضها آمنة وقلوب أهلها مطمئنة ومستقبلها أكثر اتساعاً وجمالاً ..

وطنٌ عشتُ على أرضه عمراً فكيف لا يكون له في القلب متسعاً وبيتاً ومركأ ..

عاش الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي له فضل كبير عليّ يوم منح أمي بطاقة للعلاج في مستشفى القوات المسلحة ” العسكري ” لمدة عام كامل على نفقته الخاصة فكان لذلك الموقف أثر لا تنساه الذاكرة ولا يغيب عن القلب.

وحفظ الله ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان ووفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد.

وحفظهم الله لراية المملكة التي

لا تُنكّس ما دامت السماوات والأرض.

وأدام الله على الشعب السعودي العزيز رغد العيش والأمن والأمان والسكينة.

كل عام والسعودية وطن حاضرٌ في القلب وكل عام وأهلها بخير .

ريان الجعفري

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى