اتفاقية تعكس صعود القرار
الإقليمي
سلسلة كلام…
ليست كل الاتفاقيات سواء.
هناك اتفاقيات تنتهي مراسم توقيعها بانتهاء الصورة، وأخرى تحمل في توقيتها وأطرافها ومكان انعقادها دلالات تتجاوز نصوصها.
واتفاقية مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تنتمي إلى النوع الثاني.
لذلك فإن محاولة اختزالها في كونها مجرد تفاهم عابر، أو التقليل من أهميتها، لا تجيب عن السؤال الأهم: لماذا اجتمعت هذه الدول الثلاث في هذا التوقيت تحديداً؟ وما الذي يمكن أن يعنيه هذا التقارب في ميزان القوى الإقليمي؟
الإجابة تبدأ من طبيعة الدول نفسها.
السعودية قوة اقتصادية وسياسية محورية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وتركيا دولة ذات ثقل عسكري وجغرافي كبير، وباكستان قوة عسكرية ونووية تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية.
عندما تتقاطع مصالح ثلاث دول بهذه الأوزان، فإن الأمر يستحق القراءة بعيداً عن المبالغة وبعيداً أيضاً عن الاستخفاف.
مكة تحمل دلالة مختلفة
اختيار مكة ليس تفصيلاً هامشياً.
مكة هي قلب العالم الإسلامي، ولذلك فإن انعقاد اتفاقية بهذا المستوى فيها يمنحها بعداً رمزياً وسياسياً خاصاً.
الرسالة الأبرز ليست مواجهة دولة بعينها، ولا إعلان محور مغلق، وإنما تأكيد قدرة دول إقليمية على بناء ترتيبات تخدم أمنها ومصالحها من داخل المنطقة، وبإرادة مستقلة.
وهذا تطور مهم في إقليم اعتاد طويلاً أن تكون ترتيبات أمنه مرتبطة بدرجة كبيرة بالقوى الدولية الكبرى.
المعادلة تتغير.
الدول الإقليمية لم تعد تريد أن تكون مجرد ساحات لتنافس الآخرين، بل تريد أن تكون طرفاً في تحديد شكل النظام الإقليمي نفسه.
لماذا يقلق البعض؟
لأن الشراكات بين القوى الكبرى في الإقليم تقلل من قدرة الآخرين على التعامل مع كل دولة منفردة.
القوة السياسية لا تقوم فقط على حجم الجيش أو الاقتصاد، وإنما على شبكة العلاقات التي تستطيع الدولة بناءها.
كلما اتسعت هذه الشبكة، زادت الخيارات، وتراجعت فرص الضغط والعزل والاستفراد.
وهنا تكمن أهمية الاتفاقية.
فهي لا تعني بالضرورة أن الدول الثلاث أصبحت حلفاً عسكرياً مغلقاً، ولا تعني أن مواجهة عسكرية ستقع غداً.
لكنها تعني أن هناك إرادة لبناء مستوى أعلى من التنسيق في الملفات التي تمس الأمن والمصالح الاستراتيجية.
وفي عالم مضطرب، امتلاك الخيارات جزء أساسي من القوة.
السعودية تعيد تعريف مفهوم الشراكة
المملكة العربية السعودية تتحرك خلال السنوات الأخيرة وفق رؤية تقوم على تنويع الشراكات وعدم حصر علاقاتها الدولية في محور واحد.
الرياض تستطيع بناء علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتطوير شراكات واسعة مع الصين، وتعزيز علاقاتها مع تركيا وباكستان وروسيا ودول أخرى، دون أن يعني ذلك أنها تتحرك وفق أجندة أي طرف.
هذه هي السياسة الواقعية في صورتها الأكثر وضوحاً:
مصالح وطنية أولاً، وشراكات متعددة، وقرار مستقل.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحضور السعودي في اتفاقية مكة.
المملكة لا تبحث عن صراع جديد، بل عن بيئة إقليمية أكثر توازناً، تكون فيها قادرة على حماية أمنها ومصالحها من خلال شبكة واسعة من العلاقات.
تركيا وباكستان ليستا تفصيلاً
وجود تركيا وباكستان يمنح الاتفاقية وزناً إضافياً.
تركيا تمتلك قوة عسكرية مؤثرة، وموقعاً جغرافياً يربط مناطق استراتيجية في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وباكستان تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، إضافة إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع السعودية.
والأهم أن الدول الثلاث لديها تجارب مختلفة ومصالح متقاطعة.
هذا النوع من التعاون لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان تحالف تقليدي.
العالم اليوم يتجه بصورة متزايدة إلى الشراكات المرنة التي تسمح للدول بالتعاون في ملفات محددة دون الدخول في التزامات جامدة.
وهذا ربما يكون أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة.
الردع لا يعني الحرب
من الأخطاء الشائعة اعتبار أي تعاون دفاعي مقدمة للحرب.
في السياسة الدولية، الردع في الأساس وسيلة لمنع الحرب.
الدولة التي تملك علاقات استراتيجية واسعة، وقدرات دفاعية متطورة، وشركاء قادرين على دعم أمنها، تكون أكثر قدرة على منع خصومها من التفكير في اختبار حدودها.
ولهذا فإن اتفاقية مكة يمكن أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من بناء بيئة ردع إقليمية، وليس بالضرورة مقدمة لمواجهة عسكرية.
وهنا تظهر أهميتها الحقيقية.
المنطقة أمام مرحلة مختلفة
الشرق الأوسط لم يعد يعيش النظام القديم نفسه.
هناك تحولات اقتصادية ضخمة، وتغيرات في موازين القوة، وصعود أدوار إقليمية، وتراجع تدريجي لفكرة أن طرفاً واحداً يستطيع إدارة كل ملفات المنطقة.
السعودية اليوم لاعب رئيسي في هذا التحول.
وتركيا لاعب لا يمكن تجاهله.
وباكستان تمتلك أوراقاً استراتيجية مهمة.
اجتماع هذه القوى على طاولة واحدة يحمل رسالة تتجاوز تفاصيل الوثيقة:
الأمن الإقليمي لا يمكن أن يبقى مشروعاً تصنعه القوى الخارجية وحدها.
الدول المعنية بالأمن هي الأحق بالمشاركة في صياغته.
ولهذا يزعجهم الأمر
ربما لا تزعجهم الاتفاقية باعتبارها ورقة.
ما يثير القلق هو ما يمكن أن تنتجه إذا تحولت إلى تعاون مؤسسي طويل المدى.
فالتحالفات والشراكات لا تُقاس فقط بما تعلنه في يوم التوقيع، وإنما بما تبنيه خلال السنوات التالية.
إذا تطور التنسيق إلى تعاون دفاعي، وتبادل خبرات، وتكامل في بعض المجالات الأمنية والاستراتيجية، فإن الاتفاقية ستكون قد تجاوزت حدود المناسبة إلى تأسيس مسار جديد.
وهذا بالضبط ما يجعلها جديرة بالاهتمام.
ليست ضد أحد… لكنها لصالح أصحابها
من المهم أيضاً عدم الوقوع في فخ التفسير السطحي.
ليس من الضروري أن تكون الاتفاقية موجهة ضد دولة بعينها حتى تكون مهمة.
الدول لا تحتاج دائماً إلى إعلان خصم لكي تبني قوتها.
يمكن أن تكون الاتفاقية دفاعية، ويمكن أن تكون رسالة ردع، ويمكن أن تكون منصة لتطوير التعاون، وفي الوقت نفسه تعكس رغبة واضحة في حماية المصالح المشتركة.
وهذا حق سيادي طبيعي لأي دولة.
المشكلة تبدأ فقط عندما تريد بعض الأطراف أن يكون لها حق بناء تحالفاتها، بينما تعتبر أي تحالف يبنيه الآخرون تهديداً.
الرسالة الأهم
ربما تكون أهم رسالة في اتفاقية مكة هي أن العالم الإسلامي يمتلك دولاً قادرة على بناء ترتيبات استراتيجية مستقلة، وأن العلاقات بين هذه الدول لم تعد محكومة بالاصطفافات التقليدية وحدها.
مكة جمعت السعودية وتركيا وباكستان حول مساحة مشتركة من المصالح.
والسياسة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمصالح والقدرة على حمايتها.
لذلك، فإن التعامل مع الاتفاقية بالاستهانة أو السخرية لن يغير شيئاً من حقيقة المشهد.
القوة لا تُقاس بحجم الضجيج حولها، وإنما بقدرتها على تغيير حسابات الآخرين.
واتفاقية مكة، إذا تحولت من وثيقة إلى عمل مؤسسي مستمر، يمكن أن تكون واحدة من العلامات التي تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة:
مرحلة لا تنتظر فيها دولها أن يأتي الآخرون ليقرروا شكل أمنها، بل تشارك هي في صناعة هذا الأمن، وتحدد مصالحها، وتبني شراكاتها، وتدافع عن قرارها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية مكة.





