عاجلمقالات

من لا يفهم زيارة طهران.. لا يفهم ما يجري في المنطقة ….

بقلم: عاطف محمد ود القوس

لم تكن زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران مجرد زيارة بروتوكولية، ولا يمكن اختزالها في ملف الحوثيين أو العلاقات السعودية الإيرانية وحدها. فالمنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها حسابات الحرب والسلام، وأمن الخليج، ومستقبل الممرات البحرية، ومصالح القوى الإقليمية والدولية.

من يقرأ الزيارة في إطار ملف واحد، تفوته الصورة الأوسع. نحن أمام تحرك دبلوماسي يسعى إلى منع عودة التصعيد العسكري، وفتح نافذة للحوار في منطقة دفعت شعوبها أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والصراعات.

الرياض ورسالة الدبلوماسية

بحسب البيان السعودي المعلن، جاءت الزيارة في إطار جهود خفض التصعيد، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة القطرية والباكستانية.

ومشاركة ممثلي السعودية وباكستان وتركيا في اجتماعات طهران، في سياق التنسيق المرتبط باتفاقية مكة للدفاع المشترك، تحمل دلالات تتجاوز حدود اللقاء نفسه. فهذه الدول تدرك أن أمن المنطقة لا يتحقق بالمواجهة وحدها، وأن امتلاك أدوات القوة لا يمنع اللجوء إلى السياسة، بل قد يجعل التفاوض أكثر جدية.

السعودية لا تذهب إلى طهران لأنها تخلت عن مخاوفها الأمنية، ولا لأنها تنازلت عن حقها في حماية أراضيها ومصالحها، بل لأن إدارة الخلاف أفضل من تركه ينزلق إلى مواجهة مفتوحة. فالدبلوماسية ليست ضعفًا، والتفاوض لا يعني الاتفاق على كل شيء.

الملف أكبر من الحوثيين

هناك قضايا تتجاوز الملف اليمني، من مستقبل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى أمن دول الخليج، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وحماية منشآت الطاقة، وانعكاسات أي تصعيد على الاقتصاد العالمي.

وقد تناولت تقارير صحفية تفاصيل عن مناقشة إطار إقليمي لعدم الاعتداء، واستئناف التفاوض الأمريكي الإيراني، إلى جانب ملف الحوثيين وأمن الممرات البحرية. لكن من المهم عدم الخلط بين ما نُقل عن النقاشات وبين ما تم الاتفاق عليه فعليًا؛ فلا يوجد ما يثبت التوصل إلى اتفاق نهائي في هذه الملفات، ولا يصح القول إن إيران وافقت على التخلي عن الحوثيين.

الأمر المؤكد أن المنطقة تحتاج إلى تفاهمات عملية تحترم سيادة الدول، وتوقف استهداف أراضيها ومنشآتها، وتمنع استخدام الجماعات المسلحة أداة للضغط السياسي والعسكري.

إيران أمام فرصة جديدة

أمام طهران فرصة ينبغي ألا تضيعها. فالحرب لا تمنح المنطقة استقرارًا، ولا تضمن لإيران أمنًا دائمًا. كما أن علاقات الدول لا يمكن أن تقوم على التهديد والتدخل في شؤون الجيران.

لقد اختارت السعودية فتح باب الدبلوماسية، وهذا يضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها. والوساطة القطرية والباكستانية تمثل فرصة لاستمرار الحوار، لكن نجاحها يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وليس مجرد بيانات وتصريحات.

والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه طهران على نفسها: هل تريد علاقات مستقرة مع محيطها، أم استمرار دائرة التوتر التي يدفع ثمنها المواطنون قبل الحكومات؟

السودان ليس بعيدًا عن المشهد

قد يتساءل البعض عن علاقة السودان بكل ما يجري بين الرياض وطهران وواشنطن. والإجابة أن السودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر وامتداده الأفريقي وصلاته العربية والإسلامية، جزء أصيل من معادلة المنطقة.

أي اضطراب في أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، أو في أسواق الطاقة والغذاء، ستكون له انعكاسات على السودان، الذي يحتاج اليوم إلى الاستقرار وإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات واستعادة مؤسساته الاقتصادية.

ومصلحة السودان تقتضي بناء علاقات متوازنة مع المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وقطر وباكستان، إلى جانب دول الجوار الأفريقي. فالسودان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن محيطه، ولا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.

إن موقع السودان يمنحه فرصة ليكون جسرًا للتواصل بين عمقه الأفريقي ومحيطه العربي والإسلامي، لا ساحة للتنافس والنفوذ. ومن هنا فإن استقرار البحر الأحمر والمنطقة يصب مباشرة في مصلحته، ويفتح أمامه أبواب التعاون والتجارة والاستثمار وإعادة البناء.

الدبلوماسية تحمي المستقبل

قد يختلف الناس حول جدوى زيارة طهران، لكن الحكم عليها ينبغي أن يكون من خلال نتائجها، لا من خلال الصور أو الانطباعات المسبقة. هل ستتوقف التهديدات؟ هل ستُحترم سيادة الدول؟ هل ستُفتح مفاوضات جادة؟ وهل تتحول الدعوات إلى خفض التصعيد إلى خطوات ملموسة؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية.

السعودية تدرك أن حماية أمنها ومصالحها لا تتعارض مع السعي إلى استقرار المنطقة، وأن القوة والدبلوماسية مساران يمكن أن يعملا معًا. كما أن الدول التي تنظر إلى المستقبل لا تنتظر وقوع الحرب حتى تبحث عن مخرج منها.

من لا يفهم زيارة طهران في سياقها الإقليمي الأوسع، قد لا يفهم ما يجري في المنطقة. القضية ليست من يكسب جولة سياسية أو عسكرية، بل كيف يمكن تجنيب الشعوب حربًا جديدة، وحماية مقدرات الدول، وفتح طريق نحو استقرار طال انتظاره.

السياسة ليست أن تنتصر في كل مواجهة، بل أن تعرف متى تمنع المواجهة من الأساس.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى