ثمة أرواحٌ لا أجد لها في قلبي موضعاً لا لأنها أخطأت مرة،
ولا لأنها اختلفت معي بل لأنها اتخذت من الإفساد هواية ومن تمزيق الألفة مهنةً خفية.
أبغض أولئك الذين يمرّون بين الناس كما تمر الريح في الرماد
فلا تترك وراءها إلا ما كان ساكنًا ثم أصبح مبعثراً يزرعون الشك في أكثر القلوب طمأنينة ويهمسون بالكلمات التي تبدو بريئة لكنها تحمل في جوفها سمّ الفرقة حتى إذا افترق الأحبة وقفوا بعيداً يتأملون الخراب كأنهم لم يمسّوه.
لا أفهم كيف يهنأ قلبٌ وهو يرى الود يتساقط من بين الأيدي ولا كيف يطمئن ضميرٌ اعتاد أن يجعل من النميمة خبزه اليومي ومن الحقد وسادته ومن الكذب ثوبه الذي لا يخلعه.
إن الكلمة حين تخرج من فمٍ مريض لا تبقى حروفاً ، بل تتحول إلى ندبة في صدر إنسان ..
وإلى جدارٍ يرتفع بين روحين كانتا تلتقيان بلا عناء.
وأشد ما يؤلمني أن أصحاب هذه الطباع نادراً ما يرفعون أصواتهم بل يهمسون.
يبتسمون كثيراً ويخفون في ابتساماتهم ما يكفي لإسقاط مدينةٍ من الثقة.
يأتونك بثوب الناصح، بينما يحملون في أطرافه ناراً صغيرة ثم يرحلون قبل أن يروا كيف اشتعلت البيوت.
يعرفون جيداً أن الخراب لا يحتاج إلى معول بل إلى كلمةٍ في غير موضعها وإلى روايةٍ ناقصة وإلى حقيقةٍ ألبسوها وجه الكذب حتى لم يعد أحد يعرف ملامحها الأولى.
وأكره الحقد لأنه يجعل القلب ضيقًا كغرفةٍ بلا نافذة يعيش صاحبها مختنقاً بنجاحات الآخرين عاجزاً عن الفرح إلا إذا رأى نعمةً تنطفئ، أو ابتسامةً تنكسر، أو حلماً يتعثر.
أيُّ فقرٍ هذا الذي يجعل الإنسان يعدّ سعادة غيره خسارةً له؟
وأكره الكذب لأنه يسرق الحقيقة ويسرق الطمأنينة يجعل كل كلمةٍ بعدها موضع شك، وكل وعدٍ مهدداً وكل وجهٍ محتملًا لأن يكون قناعاً ..
والكاذب لا يؤذي من يخدعه بل يعلّم القلوب أن تخاف حتى من الصادقين.
لكن، رغم كل ذلك، يبقى البخل أكثر الصفات التي تنقبض لها نفسي، وأكثرها قدرةً على إطفاء الضوء في عيني الإنسان.
وليس البخل الذي أعنيه حبس المال فحسب، فذلك وجهٌ واحد من وجوهه.
إنني أعني بخل القلب حين يضن بالمودة، وبخل اللسان حين يبخل بكلمةٍ تجبر خاطراً وبخل الروح حين ترى المحتاج إلى الحنان ثم تدير وجهها كأنها لم تر شيئًا.
أعني ذلك الجفاف الذي يصيب الإنسان حتى يصبح عاجزاً عن العطاء، ولو كان العطاء ابتسامة
أو دعاءً، أو اعتذاراً أو يداً تمتد لتخفف عن غيرها ثقل الطريق.
إن السخي لا يمنح الناس ما يملك فقط، بل يمنحهم شعوراً بأن الدنيا ما زالت بخير.
أما البخيل، فيحمل خزائنه معه أينما ذهب، لكنه يترك الأماكن أفقر مما وجدها، والقلوب أوحش مما كانت عليه ..
لهذا لا أخشى الفقر كما أخشى قلوباً أفقر من الفقراء، ولا أخاف قلة المال كما أخاف قلة الرحمة. فالمال قد يعود وما يُكسر في الأرواح لا يعود كأول عهده ..
وما أشد خسارة الإنسان حين يعيش عمره كله يجمع ما يفنى ويبخل بما يبقى.
ولعل أجمل ما يتعلمه المرء مع الأيام أن يحسن اختيار الأرواح التي يمشي معها.
فهناك قلوب إذا اقتربت منها اتسع صدرك، وشعرت أن العالم، على قسوته، ما زال صالحاً للحياة. وهناك قلوب أخرى، ما إن تجلس إليها حتى تشعر أن الهواء صار أثقل، وأن الضوء انطفأ قليلاً وأن الخير يحتاج إلى معركةٍ كي يبقى.
ولذلك، لا أحمل في قلبي إلا أمنيةً واحدة: أن يبعدني الله عن كل لسانٍ يجعل الفتنة حديثاً وعن كل قلبٍ يسقي الحقد حتى يثمر وعن كل نفسٍ اعتادت الكذب حتى نسيت شكل الصدق، وعن كل يدٍ أمسكت الخير خوفاً من أن ينقص. فما خُلق الإنسان ليكون باباً للخراب، بل نافذةً يدخل منها النور إلى قلوب الآخرين
وأبغض كذلك أولئك الذين يدخلون بيوت الناس متلصصين على أسرارها.
لا تقع أبصارهم على دفء الضيافة بل على الشقوق التي يظنون أنهم سيصنعون منها حديثاً يلتقطون خصوصيات البيوت كما تُلتقط الغنائم ثم يغادرون وقد امتلأت ألسنتهم بما لا يعنيهم.
يتنقل سرُّ الأسرة من مجلسٍ إلى آخر ويصبح الستر الذي أكرم الله به الناس مادةً للتسلية وكأن الأمانة خُلقت لتُخان وكأن حرمة البيوت لا وزن لها.
ما أقسى أن يُفتح الباب لإنسانٍ ثقةً به، فيخرج وهو يحمل من تفاصيل الحياة ما لم يُؤذن له بحمله. فالبيوت ليست جدراناً وسقوفاً فحسب، بل خزائن للوجع والفرح ومواضع للأسرار التي لا يليق بها إلا أن تبقى بين أهلها.
ومن خان حرمة بيتٍ، فقد خان معنى المروءة قبل أن يخون أصحاب ذلك البيت.
إن النفوس الكريمة تغض أبصارها عن العيوب، وتدفن ما رأت، أما النفوس الصغيرة فلا تعيش إلا على اقتناص الخفايا، ثم تنثرها بين الناس لتمنح نفسها أهميةً زائفة وهي في الحقيقة لا تكشف إلا فقر أخلاقها ويوء تربيتها وانحطاط قيمها.
بقلم / ريان الجعفري





