ليست المشكلة في الفقر وحده، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. فثمة عطاءات تطفئ ألم اللحظة، وثمة عطاءات تفتح الطريق أمام الإنسان كي يستعيد قدرته على صناعة حياته.
في البلدان التي أنهكتها الحروب لا يكون الفقر مجرد نقص في الغذاء، بل انقطاعاً في دورة الحياة نفسها؛ مصادر دخل تعطلت، وأصول إنتاجية تراجعت، وقدرات بشرية بقيت أسيرة للأزمة.
ولهذا فإن قيمة العمل الإنساني لا تقاس فقط بما يقدمه من مساعدة عاجلة، بل بما يتركه من قدرة على الاستمرار. فالمجتمعات لا تنهض حين تحصل على ما يكفيها ليومها فقط، بل حين تستعيد قدرتها على العمل والإنتاج والمشاركة في بناء مستقبلها.
من هذا المعنى تأتي أهمية البرامج التي تجمع بين الأمن الغذائي وسبل العيش، لأنها لا تنظر إلى الإنسان باعتباره حالة احتياج مؤقتة، بل باعتباره قدرة يمكن استعادتها وطاقة يمكن أن تعود إلى مسارها الطبيعي.
فإعادة تأهيل الأصول المجتمعية، ودعم فرص الدخل، وتنمية المهارات، ليست مجرد تدخلات عابرة، بل محاولات لإعادة وصل الإنسان بمصادر قوته، وتقليل اعتماده على المساعدات، ومنحه فرصة أوسع للوقوف على قدميه.
وفي هذا السياق تأتي اتفاقية التعاون بين مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، بتمويل سعودي بريطاني مشترك بقيمة 10 ملايين دولار، لدعم الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش في اليمن.
ويستهدف البرنامج خمس محافظات يمنية هي المهرة وحضرموت وعدن والضالع ولحج، من خلال دعم الأصول المجتمعية، والتحويلات النقدية المشروطة، وإعادة تأهيل بعض البنى الإنتاجية، وتنفيذ برامج التدريب وتنمية المهارات بما يعزز الاعتماد على الذات.
إن المعنى الأعمق لهذه الجهود لا يكمن فقط في حجم الدعم المقدم، بل في قدرتها على تحويل المساعدة إلى فرصة، والحاجة إلى قدرة، والإنسان من متلقٍ للمساعدة إلى شريك في استعادة حياته.
فالعطاء الذي يترك الإنسان عند باب الحاجة يخفف وجع اللحظة، أما العطاء الذي يعيد إليه قدرته فهو يفتح طريقاً جديداً للحياة.
وهنا يصبح العمل الإنساني أكثر من استجابة للفقر؛ يصبح جزءاً من معركة أوسع لاستعادة الإنسان لثقته بنفسه ومجتمعه ومستقبله. فالإنسان هو البداية الحقيقية لكل استقرار، وكل تنمية لا تبدأ من قدرته على النهوض تبقى ناقصة مهما كبر حجمها.
عمران عبدالله / كاتب يمني




