بقلم : ياسين سالم
في زمن كانت فيه الصحيفة الورقية هي النافذة الوحيدة تقريباً إلى الرأي العام، امتلكت مجموعة محدودة من الأقلام مفاتيح النقاش . كانوا يكتبون ، والجمهور يقرأ . وكان هذا التقسيم يبدو طبيعياً ، بل ضرورياً ، غير أن السنوات الأخيرة أعادت ترتيب المشهد:
كثرت المنصات ، وتعددت المواقع ، وأصبح بإمكان أي مواطن أن ينشر ، ويوثق ، ويرد ، ويصل إلى شريحة أوسع مما كانت تصل إليه كثير من الصحف التقليدية . ومع هذا التحول ، بقيت بعض النظريات الإعلامية تتحدث وكأن غرفة التحرير القديمة ما زالت هي المصدر الوحيد للرأي المعتبر .
وقد ظهر مؤخراً عدد من الإعلاميين المعروفين في لقاءات متكررة يهاجمون الناشطين السعوديين في منصات الميديا ، ولا سيما في منصة إكس . وفي هذا الطرح ، أرى أن هناك تجنياً واضحاً على المدوّن والناشط السعودي الذي يقف مدافعاً عن بلده ، بينما يتصدى بمفرده لحملة واسعة تشنها آلاف الحسابات والقنوات والمنصات الإلكترونية والصحف والمجموعات المنظمة . إن وضع هذا المدافع في موضع الاتهام ، ومحاسبته على انفعاله أو لهجته ، مع إغفال حجم الحملة التي يرد عليها ، يمثل خللاً في ترتيب الأولويات . وأنا هنا لا أشكك في النوايا ، ولا فيما وراء هذا الظهور المتكرر له ولغيره ، ولكن ما قيل في ذلك اللقاء ، على ما فيه من تخبط ، يستدعي التوقف عند كل كلمة وردت فيه ، لأن الكلمة من موقع مؤثر لها وزنها وتأثيرها .
ومن أبرز ما يُلاحظ في هذا الخطاب أن الدفاع عن الوطن أو رموزه يُعامل أحياناً بنفس القدر من التحفظ الذي تُعامل به الإساءة الأصلية . يُطلب من المغرّد أن يضبط عباراته قبل أن يُسأل عن طبيعة الخطاب الذي دفعه للرد ، وكأن الرد هو المشكلة الأبرز ، لا ما سبقه . ويُوضع صاحب الرد وصاحب الإساءة في سلة واحدة تحت عنوان “الحياد” أو “المسؤولية” ، رغم أن أحدهما بدأ والآخر تفاعل . والحياد المهني ، في حقيقته ، لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين الإساءة والحقيقة ، بل يعني تطبيق المعيار نفسه على الجميع ، سواء كان مصدر الكلام مستشاراً أو حساباً رسمياً أو مواطناً عادياً .
ومن المفارقات التي تُطرح في هذا السياق أن تغريدة مواطن قد تُصوَّر كتهديد محتمل لعلاقات بين دول ، بينما لا يُعطى الخطاب الصادر عن مصادر محسوبة على جهات رسمية أو إعلامية نفس درجة القلق . العلاقات بين الدول تُدار بالمصالح والمؤسسات والقرارات ، لا بهواتف الأفراد . فإذا كانت علاقة ما هشة إلى درجة أن صوتاً فردياً يهددها ، فالمشكلة ليست في الصوت ، بل في طبيعة العلاقة نفسها . والقلق المهني يبدأ عادة من مصدر الإساءة ، لا من رد الفعل عليها .
كما أن الأقدمية المهنية وامتلاك عمود صحفي لسنوات لا يمنحان صاحبه تلقائياً فهماً أعمق للواقع الحالي . الخبرة في إدارة صحيفة ورقية شيء ، وفهم ديناميكية المنصات الرقمية شيء آخر . الجمهور اليوم ليس مجرد متلقٍ ينتظر التوجيه ، أصبح شريكاً في صناعة النقاش ، يملك أدوات البحث والتوثيق والوصول . كثير من الحسابات قدمت خلال السنوات الماضية مواد توثيقية وتحليلية لو نُشرت في صحف تقليدية لاعتُبرت إضافة مهمة . تجاهل هذا التحول ، أو التعامل معه كظاهرة خارجة عن السيطرة ، يعكس فجوة بين النظرية والممارسة أكثر مما يعكس فهماً دقيقاً للمشهد .
ليس المطلوب إعفاء أي حساب من المسؤولية . من يضلل أو يتجاوز يتحمل نتيجة ما يقول ، سواء كان مغرّداً أو كاتباً محترفاً . لكن المهنية تقتضي التمييز بين من يبدأ بالإساءة ومن يرد عليها ، والتمييز بين خطاب يهدف إلى الدفاع وبين خطاب يهدف إلى الإثارة . كما تقتضي الاعتراف بأن امتلاك الميكروفون أو التاريخ المهني لم يعد يمنح صاحبه حق تحديد من يحق له الحديث ، ولا يعفيه من مراجعة مفاهيمه كلما تغيرت أدوات التواصل .
الإعلام لم يعد ملكاً لغرف تحرير محدودة . أصبح فضاءً أوسع يشارك فيه الجميع ، كلٌ بحسب أدواته ومسؤوليته . والنظرية التي لا تواكب هذا التغير تظل تتحدث عن عالم لم يعد قائماً ، بينما يستمر النقاش الحقيقي خارجها ، على منصات لم تكن موجودة يوم كانت تلك النظريات هي السائدة .





